جريدة الحرة بيروت

بقلم : د.محمد مراد: باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية..
يرصد هذا البحث مسارات السياسة الخارجية الأميركية في أعقاب السقوط السوفياتي في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم ( القرن العشرين)، وصولاً حتى الوقت الراهن.
يطرح البحث إشكالية مفادها أنّ السياسة الخارجية الأميركية خلال الثلاثة عقود ونصف العقد اي بين ١٩٩٠ – ٢٠٢٦، قامت وفق ثلاثة اتجاهات رئيسية للتدخل في الشرق الأوسط والعالم:
الأول: السياسة الساخنة.
الثاني: السياسة الناعمة .
الثالث: السياسة الجامعة بين الساخنة والناعمة.
الاتجاه الاول، تدخلات عسكرية مباشرة عبر شنّ الحروب الاستباقية كما حصل في أفغانستان ٢٠٠١،والعراق٢٠٠٣، وتدخلات أخرى تحت يافطة مكافحة” الإرهاب والتنظيمات المسلّحة” في أقطار عربية عديدة.
مثّل هذا الإتجاه في الإدارة التي حكمت البيت الأبيض الإدارات البوشية الثلاث: إدارة جورج بوش الأب ( ١٩٨٩- ١٩٩٣)، الذي قاد حرب ” عاصفة الصحراء ” في تحالف ضمّ أكثر من ثلاثين دولة لإخراج الجيش العراقي من الكويت عام ١٩٩١. ثم كانت إدارة جورج بوش الإبن لولايتين متتاليين ( ك٢ ٢٠٠١ – ك٢ ٢٠٠٩ ) ، حيث شنً حربي احتلال لأفغانستان ٢٠٠١، والعراق ٢٠٠٣، وقد اعتمدت سياسته في الشرق الأوسط العربي خاصّة نظرية ” الفوضى الخلاّقة، في سعي أميركي لتفكيك الدولة المركزية في الوطن العربي عبر فتح الأزمات والحروب الأهلية المتناسلة.
الاتجاه الثاني، انتهاج مبدأ “السياسة الناعمة”، وقد اعتمدتها إدارة الرئيس من الحزب الديمقراطي “باراك أوباما ” لولايتين متتاليين ( ك٢ ٢٠٠٩ – ك٢ ٢٠١٦)، تمحورت السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط والوطن العربي بصورة خاصة بمحاولة التخفيف من أكلاف التدخلات العسكرية في المنطقة من أجل الالتفات أكثر للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة داخل أميركا. كانت الترجمة لهذه السياسة انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان بعد تفاهمات إعادة حركة ” طالبان” إلى الحكم، وانسحاب عسكري آخر من العراق عام ٢٠١١، وتوقيع اتفاق نووي مع إيران عام ٢٠١٥، لكن الحضور الأميركي العسكري استمرّ في العديد من القواعد العسكرية في العراق والخليج وسوريا وتركيا وغيرها في المنطقة العربية والشرق أوسطية.
الاتجاه الثالث، وقد مثّلته ادارة الرئيس الجمهوري ” دونالد ترامب” لولايتين منفصلتين: الأولى ( ك٢ ٢٠١٧ – ك٢ ٢٠٢١ ) ، والثانية ( ك٢ ٢٠٢٥ – تنتهي في ك٢ ٢٠٢٩ ) . اعتمدت الإدارة الترامبية ثنائية سياسية جمعت بين ” الساخنة والناعمة”، على قاعدة التدخّل العسكري السريع والحاسم، وتوظيف النتائج في انتهاج سياسة ناعمة تنقل النهج الأميركي في المنطقة من الحرب واكلافها البشرية والمادية والمعنوية على الصعيد الدولي إلى حالة من الإستقرار الداخلي في دول المنطقة تساعد على الاستثمار للشركات والمؤسسات المالية الأميركية في جني مراكمات خطيّة متصاعدة.
أما الهدف المركزي الأميركي من وجهة نظر الإدارة الجمهورية في ظل الرئيس ترامب، فيكمن في تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى مجال اقتصادي استثماري أميركي يساعد على معالجات مضمونة لأوضاع اقتصادية ومالية واجتماعية في الداخل الأميركي من جهة، ويعزّز من قدرة الولايات المتحدة على التصدّي للطموحات القطبية البادية في السياسات الاقتصادية المزدهرة في الصين وروسيا الإتحادية ومجموعات دولية مثل ” دول البريكس” و ” منظمة شانغهاي” والاتحاد الأوروبي وغيره من جهة أخرى.
ابرز ملامح السياسة الترامبية في هذا المجال اي تطويع الجبهات الساخنة في الشرق الأوسط لصالح ساحات تهدئة مساعدة على تحفيزات اقتصادية استثمارية اميركية كانت :
١- اعلان ما سمي ب” صفقة القرن” عام ٢٠١٩، في محاولة للتظاهر بحل سياسي للقضية الفلسطينية، سرعان ما ظهرت تفسيراته أنه حل لا يخدم الفلسطينيين باستعادة حقوقهم الوطنية من خلال دولة مستقلة وذات سيادة.
الأمر الثاني، جاء في تصريحات ترامب لوضع نهاية للحرب التدميرية والإبادة لقطاع غزّة ، والترويج لإطلاق دعاية واسعة لتحويل القطاع إلى موقع إقتصادي متقدم يعود ,” بالفائدة والرفاهية” على سكان غزة ومستقبلهم .
٢- استخدام القوة العسكرية السريعة في فنزويلا، حيث جرى خطف رئيسها، والسيطرة الأميركية على ثرواتها النفطية التي هي الأولى في العالم من حيث الاحتياطيات المقدرة ب ١٨٪ من إجمالي الاحتياطي العالمي.
٣- الانسحاب من الإتفاق النووي مع إيران المبرم مع حكومة أوباما عام ٢٠١٥، خوفا من امتلاك إيران لقدرة نووية تهدد الكيان الصهيوني، وكذلك مصالح أميركا في الشرق الاوسط.
٤ – الحرب الأخيرة مع إيران في جولتيها ( حزيران ٢٠٢٥و الأخيرة شباط- حزيران ٢٠٢٦) ، والتي تركت خسائر كبيرة في إيران، وانتهت بالتوصّل إلى ورقة تفاهم بين الجانبين تنهي الحرب، وتستجيب لمصلحة أميركا في تحقيق اقتصاد استثماري واعد في المستقبل.
٥- التعامل الأميركي مع ساحات إيران الإقليمية يندرج ضمن الآتي:
أ- المساهمة الأميركية بتغيير الوضع في سوريا، وسحب هذه الأخيرة من دائرة النفوذ الإيراني والروسي، إلى دائرة نظام جديد محلي أظهر استعدادا للمصالحة في العلاقات مع أميركا، ويستجيب لمراعاة مصالحها في الشرق الأوسط.
ب- استعداد ترامب للتهدئة مع نظام ولاية الفقيه الإيراني، وهو استعداد ظهر في غير تصريح إعلامي، حيث أعرب ترامب عن ” سعادته” بلقاء المرشد الجديد مجتبى خامنئى، في حين هو الذي أسهم باغتيال والده المرشد علي خامنئي مع قيادات رأسية في نظام الحكم مع عدد من العلماء وكبار الخبراء والتكنولوجيا والاقتصاد في إيران.
ج- إعلان ترامب للمساعدة على حل لمسألة حزب الله والمقاومة ضد الكيان الصهيوني، حل ينهي بنية الحزب العسكرية، وتحويله إلى مكوّن مدني لبناني تحت سقف الدولة المركزيةاللبنانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والمدنية.
د- ارسال مبعوث اميركي خاص الى العراق، وهو ” توم برّاك”، من أجل تحضير العراق لمرحلة انتقالية تنتهي بحل الفصائل الولائية المسلحة، وإطلاق عجلة الدولة والتنمية من ناحية، وتأمين استقرار استثماري شركاتي لأميركا من ناحية أخرى.
ه- إعطاء دور فاعل للدبلوماسية الأميركية عن طريق إنشاء أكبر سفارتين اميركيتين في العالم، الأولى في بغداد ، والثانية في عوكر في لبنان، الأمر الذي يسمح لأميركا بالمراقبة لكل المنطقة العربية والشرق أوسطية.
و- تغليب الخطاب الاقتصادي الأميركي في قمم الدول السبع الصناعية الاولى في العالم ( قمم ٢٠١٩ – ٢٠٢٦).
ز- عقد قمّة آلاسكا بين ترامب وبوتين بهدف مناقشة المصالح ذات الاهتمام المشترك على الصعيد الدولي ( إطلاق يد روسيا الاتحادية في شرق أوروبا، مقابل إطلاق يد أميركا في الشرق الأوسط).
ح- عقد القمّة الاميركية- الصينية بين ترامب وشي جينغ، في مسعى أميركي للتهدئة في العلاقات الدولية على قاعدة التوازن بين مصالح الدول العظمى.
ط- تخطيط أميركي استراتيجي لشبكة من الممرات البحرية بينها مشروعان هما الأبرز من الناحية الجيوسياسية: الأول، وهو الممر الهندي- الخليجي – الاسرائيلي – الأوروبي، والثاني، شبكة البحار الأربعة : الخليج العربي- بحر قزوين – البحر الأسود – البحر المتوسط، وهو مشروع يدمج بين مصالح أميركا مع محور إقليمي يضم سوريا والعراق وتركيا وبحضور وشراكة أميركية فاعلة.
هكذا، تقوم السياسة الترامبية على ثنائية جامعة بين ” الساخنة – الناعمة”، اي توظيف القوة العسكرية من أجل فتح مناخات مساعدة على الاستثمار الإقتصادي لشركات أميركية متعددة الجنسية في عصر العولمة لجهة تحويل الشرق الأوسط من مسرح للفوضى والأزمات والحروب المكلفة، إلى ساحات تهدئة واستقرار وتنمية، وطرق للتجارة والطاقة وسلاسل التوريد الشبكية إلى العالم .
أمٌا انتقال الشرق الأوسط إلى هذه المرحلة فيكون مدخله الأساسي في تبريد الجبهات الساخنة في العديد من اقطاره، ونقله من الحروب والأزمات إلى مرحلة الدولة المركزية والإستقرار الأمني والإقتصادي والسياسي تحت المظلة الأمنية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية الأميركية.


