الأكثر قراءة

اتفاقية مكة ومستقبل الاستقرار من منظور لبناني

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تشكل “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” الموقعة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية محطة فارقة في إعادة رسم خرائط التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. تتجاوز هذه المعاهدة حدود التفاهمات التكتيكية لتؤسس لنموذج جديد من الردع الإقليمي الذاتي، القائم على التكامل بين الكتلة المالية الخليجية، والتفوق التقني والتصنيعي العسكري التركي، والثقل العسكري والاستراتيجي الباكستاني. ويأتي هذا التحالف الثلاثي ليرسخ واقعاً جديداً يقلل من الاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية، ويفرض معادلات توازن جديدة كفيلة بكبح الطموحات التوسعية للعدو الإسرائيلي وتقييد تحركاته العسكرية في المنطقة.

إن دوائر القرار السياسي والأمني لدى العدو الإسرائيلي تقرأ هذا الاتفاق بقدر عالٍ من القلق الاستراتيجي، إذ تراه تحولاً يهدد مفاهيم التفوق المطلق والقدرة على الاستفراد بدول المنطقة. فالتزام الدفاع المشترك المدرج في المعاهدة يضع حدوداً صارمة أمام مغامرات العدو الإسرائيلي العسكرية، سواء من خلال المظلة الردعية الواسعة التي يوفرها التحالف، أو من خلال فرض طوق دفاعي يمتد عبر ممرات الملاحة وطرق الطاقة الحيوية في البحر الأحمر وشرق المتوسط. هذا التحول يسقط رهانات تل أبيب على فرض معادلات استسلام قسرية أو بناء تحالفات إقليمية تصب في خدمة أهدافها التوسعية.

بالنسبة للبنان، تتقاطع تداعيات هذه المعاهدة بشكل مباشر مع مفهوم الأمن القومي ومقتضيات حماية السيادة الوطنية. إن وجود تكتل إقليمي وازن قادر على كبح العدوانية الإسرائيلية يوفر شبكة أمان استراتيجية تدعم الموقف اللبناني الداعي إلى التزام القرارات الدولية وحماية الثروات الوطنية. كما أن نمو القدرات الدفاعية والتصنيعية لأطراف هذا الاتفاق يفتح آفاقاً عملية أمام الدولة اللبنانية لتطوير جاهزية المؤسسة العسكرية وتحديث منظوماتها الدفاعية عبر أطر التعاون الرسمي والتنسيق العربي والدولي، بما يعزز قدرة الجيش اللبناني على حماية الحدود وصون الاستقرار.

على صعيد التوازنات الداخلية، يمثل هذا التطور الإقليمي عامل تهدئة يحد من انعكاس التوترات الخارجية على الساحة الوطنية. فالطبيعة الدفاعية للاتفاق وتأكيد أطرافه على تعزيز الاستقرار الإقليمي يمنعان استغلال الساحة اللبنانية كمنصة للصراعات، ويدعمان الجهود الرسمية لتثبيت الاستقرار السياسي والاقتصادي. إن الانخراط في بيئة إقليمية تتجه نحو بناء شبكات أمان مشتركة يمنح المؤسسات الدستورية اللبنانية مساحة أكبر للتحرك وحماية المصالح العليا للبلاد بعيداً عن سياسات المحاور والتجاذبات الحادة.

خلاصة القول، إن المصلحة اللبنانية العليا من اتفاقية مكة للدفاع المشترك تتجلى في استثمار هذا المتغير الإقليمي لتعزيز الدولة اللبنانية وسيادتها الكاملة على أراضيها. إن المصلحة الوطنية تقتضي تعزيز الالتزام بالثوابت الدستورية التي تؤكد على حصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الرسمية، وحصر السلاح والمؤسسات الدفاعية بالجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية. إن الاستفادة الحقيقية من معادلات الردع الإقليمية الجديدة ضد العدو الإسرائيلي تتطلب خطاباً وطنياً جامعاً يترفع عن الاتهامات الداخلية والتحديات الفئوية، ويصون الاستقلال والسيادة من خلال الحوار والتفاهم والتنسيق بين جميع المكونات اللبنانية، بما يضمن حماية لبنان وتثبيت أمنه واستقراره في مواجهة التهديدات الخارجية.

https://hura7.com/?p=82789

الأكثر قراءة