الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

اتفاق إسلام آباد: هل يضع لبنان في وصاية جديدة أم يمنحه فرصة الخروج من المحاور؟

جريدة الحرة بيروت

الدكتور محمد حلاويبقلم د. محمد حلاوي

في لحظة إقليمية حرجة وحافلة بالتحولات السياسية، تقف الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على عتبة توقيع ما بات يُعرف بـ «اتفاق إسلام آباد». هذا التفاهم ليس مجرد صفقة ثنائية عابرة بين واشنطن وطهران، بل هو زلزال سياسي تتجاوز ارتداداته الحدود المشتركة لتطال مجمل الملفات الساخنة في الشرق الأوسط. وبينما يسوّق له رعاته كطوق نجاة لإرساء السلام والاستقرار في المنطقة، يجد لبنان نفسه، كالعادة، في عين العاصفة وأحد أكثر الساحات تأثراً بمفاعيله، لا سيما وأن الاتفاق أفرد بنداً خاصاً يقضي بوقف إطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، تمهيداً لانسحاب القوات الإسرائيلية من كافة المناطق التي احتلتها منذ الثاني من آذار الماضي.

اللافت في المشهد كان الإجماع الرسمي اللبناني المرحب بالاتفاق؛ إذ رأى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في مذكرة التفاهم خطوة وازنة لوقف آلة الحرب وترسيخ الاستقرار، مع تشديده الصارم على احترام خصوصية الدولة اللبنانية وسيادتها. ومن جهته، أشاد رئيس مجلس النواب نبيه بري بالتفاهم معتبراً أنه ركيزة أساسية لأمن المنطقة ولبنان، في حين التقط رئيس الحكومة نواف سلام من هذا الاتفاق بارقة أمل تنهي مسلسل القتل والتدمير والتهجير الذي تجرّعه اللبنانيون مرغمين طوال الأشهر الماضية.
هذا التناغم الرسمي لا يعكس فقط رغبة بديهية في إنهاء نزيف الحرب، بل يؤشر إلى وعي لبناني رسمي حاسم بأن البلاد استنزفت تماماً، ولم تعد قادرة على تحمل جولة أخرى من الصراعات المفتوحة، لا بشرياً ولا اقتصادياً ولا حتى سياسياً.

على المقلب الآخر، جاءت الردود الإسرائيلية بنبرة مغايرة تماماً تعكس امتعاضاً واضحاً. فالقنوات الدبلوماسية والتسريبات الإعلامية العبرية لم تخفِ انزعاج تل أبيب من بنود الاتفاق، وتحديداً الشق المتعلق بلبنان. ووصل الأمر بالمسؤولين الإسرائيليين إلى إبلاغ الإدارة الأميركية صراحة بأنهم لا يجدون أنفسهم ملزمين بهذا البند، متمسكين بـ “حقهم” في مواصلة العمليات العسكرية كلما اقتضت الحاجة. ولم تقف هذه الاعتراضات عند حدود المنابر السياسية، بل تُرجمت ميدانياً عبر استمرار القصف والتوغلات حتى بعد الإعلان عن التفاهم.

هنا تحديداً تكمن العقدة؛ فإذا كانت واشنطن وطهران قد رسمتا خارطة طريق لإنهاء الحرب في لبنان، فإن العبرة تبقى في قدرتهما على —كبح جماح إسرائيل— وإلزامها بالاتفاق.
فالتاريخ يعلمنا أن قيمة الاتفاقات الدولية لا تُقاس بحبرها على الورق، بل بقدرتها على فرض واقع جديد على الأرض.

ومع ذلك، فإن السؤال الجوهري الذي يشغل بال اللبنانيين يتخطى تفاصيل التنفيذ ليطال هوية المرحلة المقبلة: هل سيسقط لبنان في فخ ترتيبات إقليمية تُملى عليه من الخارج، أم سينجح في تحويل هذا المنعطف إلى فرصة تاريخية لاستعادة قراره الوطني المستقل؟
الواقع أن الإجابة لا تنام بين سطور الاتفاق نفسه، بل في كيفية تلقّف الدولة اللبنانية له.
فالخطر الداهم لا يكمن في وجود تفاهم أميركي – إيراني يخص لبنان، بل في استسلام اللبنانيين لفكرة أن بلدهم مجرد “بند” على طاولات الصفقات الدولية. أما الفرصة الحقيقية، فتكمن في قدرة الدولة على استثمار هذا التقاطع الدولي كأداة ضغط سياسية وقانونية ودبلوماسية لانتزاع سيادتها وتحرير أرضها.

خريطة الطريق اللبنانية:

ست أولويات لانتزاع السيادة
حتى لا تضيع هذه الفرصة في مهب الريح، يجد لبنان نفسه أمام حزمة من الأولويات التي لا تحتمل التأجيل:

أولاً: تحويل الاتفاق من مجرد تفاهم سياسي إلى مرجعية دولية ملزمة، بحيث يُصنّف أي اعتداء أو احتلال إسرائيلي مستمر كخرق فاضح للاستقرار الإقليمي الذي تعهدت الدول الكبرى بحمايته.
ثانياً: إرساء معادلة سيادية قاطعة ترفض أي ترتيبات أمنية لصالح إسرائيل على حساب السيادة اللبنانية، وبالمقابل، حصر قرار الحرب والسلم والمصير داخل المؤسسات الدستورية للدولة دون سواها.
ثالثاً: انتزاع ضمانات مكتوبة وصريحة من الولايات المتحدة والجهات الراعية تضمن الوقف الشامل للعمليات العسكرية، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتأمين عودة آمنة للنازحين إلى قراهم، وتسليم المناطق المحررة فوراً للجيش اللبناني.
رابعاً: فصل أي نقاش داخلي حول مستقبل السلاح عن أجواء التهديد الخارجي؛ بحيث يربط هذا الملف بالانسحاب الإسرائيلي الشامل ووقف الاعتداءات، ليُبحث لاحقاً برواق وضمن إستراتيجية دفاعية وطنية، بعيداً عن ضغوط الاحتلال أو لغة الحرب.
خامساً: تثبيت مكانة الجيش اللبناني كقوة شرعية وحيدة ومطلقة تدير الجنوب وتحمي الحدود، مما يقطع الطريق على أي ذرائع إسرائيلية لاستمرار الاحتلال، ويعيد بناء ثقة المجتمع الدولي بمؤسسات الدولة.
سادساً: الانتقال من الدبلوماسية التقليدية القائمة على “الشكوى والمظلومية” إلى دبلوماسية “التوثيق والملاحقة القضائية” في الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، عبر بناء ملفات قانونية متكاملة توثق الانتهاكات الإسرائيلية والأضرار التي لحقت بالبنى التحتية والمدنيين.

إن التحدي الأكبر والأهم اليوم يكمن في نقل شعار “النأي بالنفس” والابتعاد عن صراع المحاور من الأدبيات النظرية إلى الممارسة الفعلية. الدولة اللبنانية مطالبة اليوم، بالعمل لا بالقول، بأن تثبت للعالم أجمع أنها ليست ساحة لتصفية الحسابات الإيرانية، ولا حديقة أمنية خلفية لإسرائيل، ولا حتى ورقة مقايضة بيد الأميركيين، بل هي دولة قائمة بذاتها، تملك سيادتها وتسعى لحماية شعبها واستقرارها.
بناءً على ذلك، لا يمكن التعامل مع “اتفاق إسلام آباد” بوصفه نهاية المطاف للأزمة اللبنانية، بل هو بداية اختبار حقيقي لرجالات الدولة في لبنان. فإما أن تلتقط بيروت هذه اللحظة الإقليمية النادرة لبناء مداميك دولة قوية تحتكر القرار الأمني والعسكري، وإما أن يتحول الاتفاق إلى مجرد محطة عابرة في تاريخ طويل من التسويات الخارجية التي تخدّر الأزمات مؤقتاً وتترك جذورها لتشتعل مجدداً عند أول منعطف.

في نهاية المطاف، إن النتيجة الأثمن التي يمكن أن يجنيها لبنان من هذا المخاض ليست الاستقواء بمحور على حساب آخر، بل نفض غبار المحاور كلها عن كاهله. فالمعادلة التي يحتاجها اللبنانيون اليوم ليست انتصار فريق داخلي على آخر، بل هي “معادلة الدولة” البسيطة والمقدسة:
– وقف إطلاق النار،
– ⁠انسحاب المحتل،
– ⁠انتشار الجيش،
– ⁠عودة النازحين،
– ⁠ورشة إعادة الإعمار،
– ⁠ثم الجلوس إلى طاولة حوار وطني هادئ يصيغ مستقبل الدفاع عن الوطن.

حينها فقط، يمكننا القول إن اتفاق إسلام آباد لم يكبّل لبنان بوصاية جديدة، بل شرّع أمامه أبواب السيادة الحقيقية.

https://hura7.com/?p=80363

الأكثر قراءة