جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تحولت شوارع وسط العاصمة الهندية دلهي إلى ساحة احتجاجات واسعة، حيث خرج طلاب وشباب يحملون لافتات كرتونية تطالب باستقالة الحكومة، وتحمل رئيس الوزراء ناريندرا مودي مسؤولية الأزمات التعليمية والاقتصادية التي تواجه البلاد.
بالرغم من ارتفاع صوت المحتجين، فإن تحقيق مطالبهم السياسية الكبرى يبدو أمرًا صعبًا، خصوصًا أن الحكومة الحالية لا تزال تتمتع بقاعدة دعم قوية داخل البرلمان. لكن الاحتجاجات كشفت عن تصاعد حالة الغضب بين فئات شبابية تشعر بأن قضاياها لا تجد الاستجابة الكافية من السلطة.
جاءت هذه التحركات مع بداية انعقاد البرلمان الهندي بعد العطلة الصيفية، لتتحول الجلسة الأولى إلى اختبار سياسي صعب للحكومة. فقد خرج الطلاب والمعارضة إلى شوارع دلهي احتجاجًا على ملفات متعددة، من بينها الأزمة التعليمية، والمشكلات الاقتصادية، والاعتراض على بعض المبادرات التشريعية التي طرحتها حكومة مودي، وعلى رأسها مشروع زيادة عدد المقاعد في البرلمان.
وكان حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم قد واجه صعوبات في تمرير بعض مشاريعه، الأمر الذي منح المعارضة مساحة أكبر للتحرك. وفي حال استمرت الاحتجاجات واتسعت رقعتها، فقد تصبح تحديًا سياسيًا إضافيًا أمام الحكومة.
مواجهات في شوارع العاصمة
بحسب الشرطة الهندية، فإن المسيرة لم تحصل على موافقة رسمية، ولذلك أقامت قوات الأمن حواجز مسبقة لمنع المحتجين من الوصول إلى مبنى البرلمان. في البداية، توقف المتظاهرون أمام الحواجز، لكن سرعان ما حاولوا البحث عن طرق أخرى للوصول إلى المكان، ما أدى إلى وقوع مواجهات مع الشرطة في عدة مواقع، استخدمت خلالها الهراوات لتفريق الحشود. وكان المشهد الأكثر لفتًا للانتباه هو مشاركة حركة تطلق على نفسها اسم “حزب الصراصير الشعبي”، وهي ليست حزبًا سياسيًا تقليديًا، بل حركة بدأت كحملة ساخرة عبر الإنترنت قبل أن تتحول إلى نشاط احتجاجي على الأرض.
“حزب الصراصير”… حركة بدأت من السخرية
يرتبط ظهور هذه الحركة بأزمة امتحان قبول كليات الطب في الهند، بعدما أُلغي الامتحان الرئيسي في بداية مايو/أيار بسبب تسريب مواده. ويرى الطلاب أن وزير التعليم دارمندرا برادان يتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن هذه الأزمة، ولذلك يطالبون باستقالته.
أما تسمية “الصراصير” فجاءت بعد تصريحات أثارت غضب الشباب، عندما شبّه رئيس المحكمة العليا، القاضي سوريا كانت، بعض الشباب العاطلين عن العمل والمنخرطين في الصحافة والنشاط الاجتماعي والسياسي بالصراصير والطفيليات. ورغم محاولته لاحقًا توضيح أن كلامه كان يشير إلى أصحاب الشهادات المزورة، فإن المحتجين تبنوا التسمية وحولوها إلى هوية احتجاجية.
لقد أصبح المدون أبهيجيت ديبكي أحد أبرز وجوه الحركة، التي وضعت شروطًا رمزية للانضمام إليها، منها البطالة، وقضاء ساعات طويلة على الإنترنت، والقدرة على التعبير عن الشكاوى بطريقة منظمة. وذهب بعض المشاركين إلى ارتداء أقنعة وملابس على شكل صراصير، في محاولة لتحويل السخرية ضدهم إلى رمز احتجاجي.
المعارضة تدخل على خط المواجهة
لم تبقَ الاحتجاجات محصورة بالطلاب، إذ سارعت أحزاب المعارضة إلى دعم المحتجين وانتقاد تعامل الشرطة معهم. لقد وصف ماليكارجون خارج، زعيم حزب المؤتمر الوطني الهندي، استخدام الهراوات ضد الطلاب بأنه “هجوم على الديمقراطية”. كما انضمت ماهوا مويترا، عضوة البرلمان عن حزب مؤتمر ترينامول، إلى المتظاهرين، في حين دعا أخيلش ياداف، زعيم حزب ساماجوادي، إلى احترام حق المحتجين في التعبير عن مطالبهم. وتشير مشاركة شخصيات سياسية بارزة إلى أن حركة الاحتجاج قد تتجاوز حدود العاصمة، خصوصًا مع دعم أحزاب إقليمية لها نفوذ واسع في بعض الولايات الهندية.
ملفات الفساد والمعبد الهندوسي
إلى جانب المطالب التعليمية، تستعد المعارضة لطرح ملفات أخرى داخل البرلمان، من بينها قضايا اقتصادية واتهامات بالفساد مرتبطة بمشروع بناء معبد راما الهندوسي في مدينة أيوديا. ويُعد هذا المعبد من أكثر المشاريع إثارة للجدل في تاريخ الهند الحديث، إذ بُني في موقع كان يشغله مسجد هُدم عام 1992 على يد متطرفين هندوس، وأدت الاحتجاجات التي أعقبت ذلك إلى مقتل نحو ألفي شخص. كما أثار المشروع انتقادات بسبب الدعم السياسي الكبير الذي حصل عليه من قيادات حزب بهاراتيا جاناتا، ومن بينها رئيس الوزراء ناريندرا مودي، رغم أن الهند دولة علمانية، وهو ما دفع منتقدين إلى الاعتراض على مشاركة شخصيات رسمية بارزة في مراسم وضع حجر الأساس وافتتاح المعبد.
مشروع زيادة مقاعد البرلمان يثير الجدل
من الملفات الأخرى التي تعترض عليها المعارضة مشروع زيادة عدد أعضاء مجلس النواب الهندي “لوك سابها”. فقد قدمت الحكومة المشروع تحت شعار تعزيز مشاركة المرأة، حيث يتضمن تخصيص نسبة 33% من المقاعد للنساء، إلى جانب رفع عدد أعضاء المجلس من 543 نائبًا إلى نحو 850 نائبًا. فأن المعارضة تؤيد من حيث المبدأ زيادة تمثيل النساء في البرلمان، فإنها تعترض على بعض تفاصيل المشروع، كما أن الخطة لم تحصل على الأصوات الكافية لتمريرها في أبريل/نيسان. ويتضمن المشروع أيضًا إعادة رسم حدود الدوائر الانتخابية، وهي خطوة ترى المعارضة أنها قد تؤثر على التوازن السياسي بين المناطق المختلفة.
احتجاجات تكشف تحديات حكومة مودي
تكشف احتجاجات الطلاب في دلهي عن مرحلة جديدة من التوتر بين الحكومة الهندية وقطاعات شبابية تشعر بالقلق من مستقبل التعليم وفرص العمل والأوضاع الاقتصادية. فإن إسقاط الحكومة أو إجبار رئيس الوزراء على الاستقالة يبدو بعيدًا في الوقت الحالي، فإن هذه الاحتجاجات تحمل رسالة سياسية واضحة: أن الشارع الهندي بدأ يطالب بصوت أعلى بالمحاسبة، وأن القضايا الاجتماعية والاقتصادية أصبحت جزءًا أساسيًا من الصراع السياسي في أكبر ديمقراطية في العالم.
الحكومة أمام اختبار الاحتجاجات
لم تقتصر اعتراضات المعارضة على الملفات التعليمية والاقتصادية فقط، بل امتدت إلى مشاريع القوانين التي تطرحها حكومة حزب بهاراتيا جاناتا، حيث اعتبرت المعارضة أن بعض هذه المبادرات لا تهدف فقط إلى الإصلاح، بل تحمل أيضًا حسابات سياسية مرتبطة بمحاولة كسب مزيد من الأصوات وتعزيز النفوذ الشعبي. و يعتزم الحزب الحاكم إعادة النظر في عدد من القوانين خلال الدورة التشريعية الجديدة، من بينها مشروع زيادة عدد مقاعد مجلس النواب، إلى جانب تحديث قانون المساهمات الأجنبية، وهو قانون يشبه في بعض جوانبه قوانين تنظيم التمويل الأجنبي في دول أخرى.
كما يتضمن البرنامج التشريعي للحكومة بحث مشاريع قوانين تتعلق بتنظيم عمل مؤسسات التعليم العالي، إضافة إلى زيادة عدد قضاة المحكمة العليا من 33 إلى 37 قاضيًا، وهي خطوات تقول الحكومة إنها تهدف إلى تطوير المؤسسات، بينما ترى المعارضة أنها قد تؤثر على استقلالية بعض القطاعات. وفي محاولة لفتح قنوات حوار، صرّح سوراف داس، المتحدث باسم حركة العدالة والعدالة، بأنه التقى وزير الصحة جاغات براكاش نادا، ونقل إليه مطالب الحركة. وأكد نادا من جانبه أنه سيناقش جميع القضايا التي طرحتها الحركة على “المستوى المناسب”، دون تقديم التزامات واضحة بشأن الاستجابة للمطالب.
هل تستجيب حكومة مودي للشارع؟
يرى عدد من الخبراء والمحللين أن الحكومة الهندية من غير المرجح أن تستجيب بشكل كامل لمطالب المحتجين، خصوصًا المطالب السياسية المباشرة المتعلقة باستقالة رئيس الوزراء أو وزير التعليم. كما يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة حركة الاحتجاج على تحقيق أهدافها في ظل قوة الحكومة الحالية. لقد أشار بعض المحللين إلى أن حكومة ناريندرا مودي سبق أن اضطرت إلى التراجع أمام احتجاجات واسعة عندما وصلت الضغوط الشعبية إلى مستويات كبيرة. ومن أبرز الأمثلة احتجاجات المزارعين التي استمرت فترة طويلة، وانتهت بإلغاء قوانين الزراعة عام 2024 بعد أن تسببت المسيرات في أزمة سياسية وضغوط كبيرة على الحكومة.
لكن وضع الطلاب يختلف من حيث طبيعة المطالب. فقد أوضح المحتجون والمعارضة أن أزمة تسريب امتحانات القبول الطبي لم تكن مجرد خطأ إداري، بل تسببت بخسائر كبيرة للطلاب الذين أنفقوا أموالًا على الدروس الخصوصية، وقضوا سنوات إضافية في التحضير، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام نتائج غير عادلة أضاعت وقتهم وجهدهم. ويقول الخبراء إن المطالب الأساسية للحركة تتمثل في استقالة رئيس الوزراء ناريندرا مودي ووزير التعليم دارمندرا برادان، مضيفًا أن استقالة مودي تبدو غير واقعية، كما أن رحيل برادان غير مرجح أيضًا. وأوضح أن برادان يحتل موقعًا مهمًا داخل الهيكل السياسي للحزب الحاكم، فهو وزير نفط سابق، وأحد الشخصيات القريبة من دوائر تمويل الحزب، كما يرتبط بعلاقات وثيقة مع منظمة RSS، وهي منظمة هندوسية قومية يمينية قريبة من حزب بهاراتيا جاناتا.
ويرى المحللون أن الحكومة الحالية تتحرك وفق مبدأ الحفاظ على تماسكها الداخلي وعدم تقديم تنازلات تحت ضغط الشارع. فقد تعترف بوجود أخطاء أو تتحمل جزءًا من المسؤولية عن حادثة تسريب الامتحانات، لكنها، وفق هذا التحليل، لن تصل إلى حد إقالة الوزير أو الاستجابة للمطالب السياسية الكبرى للمحتجين. وهكذا تبقى احتجاجات الطلاب في دلهي اختبارًا جديدًا لحكومة مودي، ليس فقط في ملف التعليم، بل في قدرتها على إدارة الغضب الشعبي والحفاظ على التوازن بين السلطة والشارع.


