الأكثر قراءة

اختبار “زوطر الغربية”: كيف قرأت تل أبيب زيارة سلام لجنوب لبنان؟

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ اتسمت قراءة الإعلام الإسرائيلي لزيارة رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، إلى بلدة زوطر الغربية ورفعه الأعلام اللبنانية فوق أنقاضها، بأسلوب يمزج بين تسليط الضوء على الرمزية السياسية للحدث وتقليل دلالاته الميدانية؛ إذ اعتبرت التغطيات العبرية تلك الخطوة مجرد إعلان مبدئي لتطبيق نموذج “المناطق التجريبية” في الجنوب، مع رفض مطلق لإسباغ طابع “الانتصار” أو “التحرير الناجز” عليها.

تفكيك المشهد الرمزي

توقفت وسائل إعلام عبرية، من بينها القناة 12 وموقع “زمان إسرائيل”، عند الظهور الميداني لسلام برفقة قيادات أمنية وتعهده بإعادة بناء ما دُمّر واستعادة السيادة وتأهيل البنية التحتية لتسهيل عودة الأهالي إلى بلداتهم. غير أن القراءات التحليلية تلقت المشهد من زاوية مغايرة تماماً؛ إذ اعتبر موقع “واللا” العبري أن رفع العلم ليس إعلاناً للسيادة المطلقة، بل هو نقل مباشر للثقل المسؤولية الأمنية إلى كاهل المؤسسة العسكرية اللبنانية والحكومة بشكل صريح. وبذلك تحول الظهور الحكومي في زوطر في العرف الإسرائيلي من مظهر قوة وسيادة إلى إعلان سياسي يضع بيروت أمام أول اختبار عملي لمنع إعادة تموضع عناصر حزب الله أو عودتهم إلى المساحات والمناطق التي يُخليها الجيش الإسرائيلي.

خلفيات الاتفاق ونطاق التموضع

عزت التقارير العبرية هذا التطور إلى تفاهمات روما الثلاثية (الأمريكية-الإسرائيلية-اللبنانية)، والتي أقرت نموذج “المناطق التجريبية”. ويقضي هذا المسار الميداني بانسحابات إسرائيلية مقيدة ومحدودة، تتبعها عمليات تفتيش وتثبيت حضور للجيش اللبناني لضمان خلو المنطقة بالكامل من السلاح غير الشرعي ومواقع حزب الله، وذلك قبل الانتقال إلى مراحل أوسع وبحث توسيع الانسحاب إلى مناطق إضافية، بالتوازي مع مساعٍ رسمية تقودها الرئاسة والحكومة اللبنانية لتطبيق استراتيجية حصر السلاح بيد الدولة.

وفي هذا السياق، شدد التقرير الذي أعده الخبير السياسي إيتمار آيخنر في صحيفة “يديعوت أحرونوت” على أن التراجع الميداني الفعلي اقتصر على بلدة زوطر الغربية فقط، رغم الحديث الإعلامي عن انتشار الجيش اللبناني في ثلاث بلدات هي (زوطر وفرون وصريفا). وأوضح آيخنر أن البلدتين الأخريين لم تكونا ضمن نطاق التمركز العسكري الإسرائيلي الأساسي، ولذلك كان جوهر الخطوة هو إخلاء زوطر وإعادة الانتشار حولها. وحرصت أدبيات الصحافة الإسرائيلية على استخدام مصطلح “إعادة انتشار” تفادياً لإعطاء انطباع بالانسحاب الشامل، مؤكدة تمسك تل أبيب بالحزام الأمني الذي تحتفظ به في مناطق أخرى، ورفضها الالتزام بأي جدول زمني تلقائي للمغادرة الكاملة.

الرهان على أداء المؤسسة العسكرية

طرحت التحليلات العبرية، ولا سيما ما قدمه المحلل العسكري أمير بحبوط عبر موقع “واللا”، السحب التدريجي للقوات من زوطر باعتباره بداية “اختبار سيادة” ومحكاً ميدانياً حقيقياً للجيش اللبناني. فالتقييم الإسرائيلي لن يقف عند حدود التواجد السطحي وإقامة النقاط العسكرية وتثبيت الأعلام، بل سيعتمد كلياً على القدرة الفعالية في كشف مخازن السلاح والأنفاق وتفكيك بنية حزب الله التحتية، ومنع عناصره من إعادة التموضع بأي شكل. كما جددت تل أبيب التأكيد عبر وسائل إعلامها على تمسكها بـ “حرية التحرك العملياتي” في حال تسجيل أي خروقات أمنية، مما يعني أن توسيع نطاق الانسحابات المستقبلي يظل مشروطاً بتقارير التحقق وبمدى التزام بيروت بتعهداتها الأمنية، لا بمجرد نجاح الزيارة أو عودة المؤسسات المدنية.

احتكاكات مبكرة ومستقبل التفاهمات

لم تتأخر مؤشرات الهشاشة الميدانية في الظهور، حيث تبادل الطرفان الاتهامات عقب تسجيل حادثة إطلاق نار حذرت خلالها القوات الإسرائيلية آلية هندسية وقوة لبنانية بداعي تجاوزها للحدود والخرائط المتفق عليها. وبينما اتهم الجيش اللبناني إسرائيل بالاستهداف المباشر قرب وحداته، أطرت الرواية الإسرائيلية الحادث باعتباره إطلاق نار تحذيري. وسلّط هذا الاحتكاك المبكر -وفق موقع واللا- الضوء على مدى هشاشة التفاهمات القائمة وحساسية خطوط التحرك، مؤكداً أن أي خطأ إجرائي قد يتحول سريعاً إلى ذريعة لتجميد المراحل التالية من الاتفاق، كما أثبت أن نجاح هذه التجربة لا ينحصر فقط في ضبط نفوذ حزب الله، بل يرتبط بقدرة الجيشين اللبناني والإسرائيلي على الالتزام الصارم بالتنسيق الميداني عبر الوساطة الأمريكية.

في الوقت الذي قُرئت فيه زيارة نواف سلام لبنانياً كخطوة أولى ومهمة نحو استعادة القرار والسيادة على كامل التراب الجنوبي، حصرها الجانب الإسرائيلي في إطار “الاختبار الميداني الإجرائي” واعتبرها مجرد نموذج محدد لاختبار قدرة الحكومة والجيش اللبنانيين. وتبدو زوطر في الرواية اللبنانية بداية انسحاب شامل وعودة للدولة، ولكنها تظهر في الرواية الإسرائيلية كإعلان سياسي ستُقاس قيمته الحقيقية بما ستسفر عنه الأيام المقبلة بعد مغادرة سلام؛ وهل سيتمكن الجيش اللبناني من منع عودة حزب الله لتتوسع الانسحابات، أم ستتوقف التجربة عند حدود زوطر فقط؟

https://hura7.com/?p=81995

الأكثر قراءة