جريدة الحرة بيروت
بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث
تمهيد
نشرت صحيفة فايننشال تايمز في 19 آب 2026 خبرا مفاده أن إيران تبحث عن خيارات لضرب منشآت أميركية في بلغاريا، في حال أمر الرئيس ترامب بتصعيد جديد للحرب ضدها. وقبل ذلك بقليل (مطلع آذار)، تلقت قاعدتين بريطانيتين في قبرص، كإرث استعماري، ضربات إيرانية، ما قد يؤشر إلى نقل الحرب الأميركية-الإيرانية من الشرق الأوسط إلى أوروبا.
ما هو إذا المغزى السياسي والعسكري لهذا؟ وهل تستطيع إيران نقل الحرب إلى أوروبا، خاصة ضرب بلغاريا، كدولة عضو في الناتو، في ضوء المتوافر لها من تسليح وتقنية؟ وكيف نفهم استراتيجيتها المتدرجة بعد فرض شبه سيطرة على مضيق هرمز، وقصف القواعد الأميركية في دول الخليج العربية، ثم تلك الدول نفسها، بمنشآتها المدنية والاقتصادية، ما جعل البنتاغون ينقل جزءا من قواته ومعداته في دول الخليج إلى قواعد في الأردن إسرائيل؟
وما المقصود من فتح الحوثيين من جديد جبهة البحر الأحمر-باب المندب، ما يمكّن إيران من محاصرة الملاحة في شبه الجزيرة العربية، من جهة الخليج العربي، حيث لا تزال تحتفظ بنفوذ هناك، ومن جهة البحر الأحمر، وبالتالي التأثير في دور قناة السويس، شريان آخر للنفط غير مضيق هرمز؟ وما هو موقف أوروبا من الحرب الإيرانية -الأميركية، وكيف يمكن أن ترد على التهديدات الإيرانية إذا نُفذت؟ وقد تزامن ذلك مع ترقية المرشد الأعلى مجبتى شخصيات متشددة إلى مواقع أمنية عليا في إيران (مثل محمد باقر قاليباف ومحسن رضائي)، وهو ما عمّق التوقعات داخل طهران بتجدد المواجهة مع الأميركيين.
أولًا: الملامح العامة لاستراتيجية إيران في الشرق الأوسط منذ اندلاع حرب 2026
منذ الضربة الأميركية-الإسرائيلية المباغتة على المواقع النووية الإيرانية مطلع آذار 2026، انتقلت طهران بين ثلاثة اتجاهات استراتيجية متداخلة: التصعيد العسكري المباشر في الأسابيع الأولى من الحرب، ثم إدارة الصراع عبر توازن الردع والاستنزاف المتبادل، وأخيرًا الانخراط في تفاهم هدنة مرحلي في حزيران 2026، لم يرقَ إلى تسوية شاملة، بل بدا أقرب إلى وقف مؤقت لإطلاق النار قابل للانهيار. ويشكّل هذا التذبذب بين المواجهة والتهدئة مفتاحًا لفهم السلوك الإيراني، إذ لم تكن استجابة طهران متجانسة في مختلف الساحات، بل تفاوتت وفق موازين القوة المحلية ووزن كل ساحة في حساباتها الكلية للبقاء.
وقد تعاملت إيران مع منطقة الشرق الأوسط بوصفها منظومة أمنية مترابطة، لا يستطيع أي طرف فيها تحقيق أمنه بمعزل عن الآخرين. ومن هذا المنطلق سعت إلى نقل جزء من تكاليف الحرب إلى جوارها الإقليمي، عبر توسيع الاستهداف ليشمل منشآت الطاقة والقواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج العربية، ولاحقًا الأردن. وكان الهدف النظري من ذلك دفع الحكومات الإقليمية إلى الضغط على واشنطن لإنهاء الحرب. غير أن النتائج جاءت جزئيًا عكسية، إذ أدت الهجمات إلى تصلّب مواقف عدد من الحكومات وتعبئة رأي عام مناهض لإيران، بما كشف الفجوة بين الحسابات النظرية للاستراتيجية الإيرانية وقدرتها على تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية.
وظلت واشنطن الخصم المركزي في جولة الحرب الراهنة. فقد ردت طهران على الضربة الأولى بوابل من الصواريخ والمسيّرات، في محاولة لفرض معادلة ردع مكلفة، قبل أن يتطور الصراع إلى ما يمكن وصفه بـ«الحصار المزدوج» حول مضيق هرمز، حيث قابل الحصار البحري الأميركي سيطرة إيرانية مضادة على حركة الملاحة. ومع ارتفاع كلفة الاستنزاف على الطرفين، اتجهت إيران إلى مقاربة تفاوضية محسوبة أفضت إلى “مذكرة تفاهم” في حزيران 2026، هدفت إلى تمديد وقف إطلاق النار وتخفيف العقوبات والإفراج عن أصولها المجمّدة، مع تأجيل الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، إلى مرحلة تفاوضية لاحقة. وبذلك اعتمدت طهران تجاه واشنطن منطق التصعيد لتحسين شروط التفاوض، لا الحسم العسكري، مع إبقاء قدراتها النووية ورقة ضغط وردع مفتوحة.
أما إسرائيل، فبقيت هدفًا استراتيجيًا أعمق في الخطاب الإيراني وفي تصور “محور المقاومة”. وواصلت طهران مواجهتها بصورة مباشرة وغير مباشرة، عبر تنسيق ميداني مع حزب الله وفصائل موالية لها في العراق واليمن. وفي المقابل، رأت إسرائيل أن أي تهدئة لا تتضمن تفكيكًا فعليًا للبرنامج النووي وشبكات النفوذ الإيرانية قد تمنح طهران متنفسًا ماليًا وشرعية دولية. ومن هنا يمكن فهم تمسّك إيران بقدراتها النووية ورفضها فتح المواقع المستهدفة أمام التفتيش بوصفهما رسالتي ردع استراتيجي موجهتين إلى إسرائيل، وإن كانتا تخدمان في الوقت نفسه موقفها التفاوضي مع واشنطن.
وعلى المستوى العربي، طبّقت طهران مفهوم “ترابط الأمن” بصورة انتقائية، متمايزة في تعاملها مع الدول العربية بحسب موقع كل منها من المحورين الأميركي والإسرائيلي. واستخدمت أدوات الإكراه العسكري والاقتصادي ضد دول الخليج، من استهداف منشآت الطاقة والقواعد الأميركية في السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين، إلى التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. وكان المقصود ممارسة ضغط غير مباشر على واشنطن عبر حلفائها الإقليميين. وفي الوقت نفسه، أكدت طهران أن استهداف القواعد الأميركية لا يستهدف الدول المضيفة ذاتها. إلا أن ردود فعل دول الخليج العربية لم تكن متجانسة؛ فبينما مالت الرياض إلى التهدئة وضبط النفس، اصطفّت أبو ظبي بصورة أوضح مع الموقف الأميركي-الإسرائيلي، بما يعكس اختلاف تقدير العواصم الخليجية لكلفة الانحياز إلى واشنطن مقابل كلفة الحياد.
وتشير قراءة أخرى، استنادًا إلى تحليل كارنيغي، إلى تحول مهم في الاستراتيجية الإيرانية خلال الحرب: من نموذج “الردع الهجين” القائم بدرجة كبيرة على الوكلاء الإقليميين، إلى نموذج يعتمد بصورة أكبر على ردع الخصم بالعقاب المباشر، من خلال الضربات المنطلقة من الأراضي الإيرانية نفسها ضد الأميركيين وحلفائهم الإسرائيليين. وقد أتاح ذلك لطهران إظهار قدرتها الفعلية على إيقاع الضرر، وإن لم تكن هذه القدرة كافية لردع الخصم بصورة حاسمة.
ويرتبط بذلك مبدأ “وحدة الساحات” الذي ينظر إلى إيران ولبنان والعراق واليمن وفلسطين بوصفها “مسرحًا استراتيجيًا متكاملًا” لا مجموعة مسارح منفصلة. ووفق هذا التصور، يمكن لأي اعتداء على أحد مكونات “محور المقاومة” أو “الممانعة” أن يبرر ردًا إيرانيًا يتجاوز الحدود الجغرافية للحادثة. والغاية هي توسيع رقعة الاستنزاف المفروضة على الخصوم من دون أن تتحمل إيران وحدها كامل الكلفة المباشرة. غير أن تطورات الحرب كشفت تراجعًا في فاعلية بعض الهجمات وتباينًا في الرسائل الإيرانية حول المسؤولية عن بعض العمليات، بما يشير إلى حدود قدرة طهران على ضبط إيقاع حلفائها بصورة مركزية كاملة.
واعتمدت إيران كذلك على استراتيجية استنزاف منظومات الدفاع للعدو، باستخدام أعداد كبيرة من المسيّرات والصواريخ الأقل كلفة نسبيًا في مقابل منظومات دفاعية باهظة الثمن ومحدودة الإنتاج في الجانب الآخر، في إطار ما يمكن تسميته “اقتصاديات الاستنزاف اللامتماثل”(Cost-Imposition Strategy) . ولم يكن الهدف الأساسي تحقيق نصر عسكري حاسم، بقدر ما كان رفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية على الخصم وإظهار القدرة على مواصلة الرد. وفي المقابل، تحملت إيران نفسها كلفة اقتصادية ومالية هائلة، مع تضرر بنيتها التحتية للطاقة واستمرار العقوبات وتزايد أعباء إعادة الإعمار.
ويكشف التسلسل الزمني للحرب عن منطق تصعيدي متدرج أكثر منه فوضى عشوائية. فقد بدأت المواجهة بضربات أميركية-إسرائيلية وإغلاق مضيق هرمز، ثم أعلنت إيران سيطرتها عليه وهددت السفن العابرة، فردت الولايات المتحدة بضربات على مواقع الصواريخ وفرضت حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية. وفي أيار وحزيران جرت محاولة لفك الحصار وانتهت إلى “مذكرة تفاهم” بوساطة باكستانية لإعادة الملاحة وتخفيف العقوبات. لكن وقف إطلاق النار انهار عمليًا في تموز، فعادت الضربات الأميركية، وردت إيران باستهداف ناقلات نفط، ثم وسعت دائرة عملياتها إلى قاعدة سلطي الجوية في الأردن التي تتواجد فيها قوات أميركية. وفي آب أعادت الولايات المتحدة توزيع قواتها في المنطقة، في حين هددت إيران على تدويل العقوبات عليها فرض عقوبات مضادة على الدول التي تستهدفها.
ويعكس هذا التسلسل منطقًا واضحًا في الحسابات الإيرانية: البدء بأداة اقتصادية-استراتيجية عالية التأثير نسبيًا ومنخفضة الكلفة البشرية، أي هرمز، ثم الانتقال إلى ضرب القواعد العسكرية المباشرة عندما تفشل التهدئة، ثم توسيع الاستهداف تدريجيًا مع إعادة انتشار القوات الأميركية أو تصعيدها. وبذلك أصبحت كل خطوة إيرانية، من وجهة نظر طهران، ردًا على خطوة أميركية-إسرائيلية سابقة، وهو ما دفع واشنطن إلى إعادة تموضع جزء من قواتها في الأردن وإسرائيل، ثم البحث عن نقاط إسناد أبعد.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة في هذه الاستراتيجية، إذ تدرك إيران أنها لا تستطيع خوض مواجهة بحرية تقليدية مع الأسطول الأميركي. لذلك، حوّلت موقعها الجغرافي وسيطرتها على المضيق إلى أداة إكراه، عبر رفع مخاطر الملاحة وشركات النفط، بما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار والضغط على واشنطن من جهة، وعلى دول الخليج من جهة أخرى. غير أن هذه الاستراتيجية ذات حدين؛ فهي تضرّ بالاقتصاد الإيراني نفسه، كما تدفع خصومها إلى البحث عن بدائل، مثل زيادة الاستثمارات في خطوط الأنابيب البرية وتوسيع الاحتياطات النفطية لتقليل الاعتماد على هرمز.
وتوازيًا، انتقلت المواجهة عبر الحوثيين إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث لا تملك إيران حضورًا عسكريًا مباشرًا، بهدف تعطيل طرق نقل النفط والملاحة، ما جعل شبه الجزيرة العربية، خاصة السعودية، مطوقة من جهتي الخليج العربي والبحر الأحمر. وقد أثبت الحوثيون قدرتهم على إحداث تعطيل جزئي للملاحة في البحر المذكور، وإن لم يكن ذلك إغلاقًا كاملًا لقناة السويس. وهكذا اتسعت دائرة الضغط الاقتصادي والجغرافي للصراع من الخليج إلى البحر الأحمر، وصولًا إلى مناطق أبعد.
أما أوروبا، فقد بقي الموقف الإيراني تجاهها حتى الآن أقرب إلى الردع والتحذير منه إلى التصعيد المباشر. فقد اعتبرت طهران أي انخراط عسكري أوروبي مباشر “عملًا حربيًا”، الأمر الذي ساهم في إبقاء الدور الأوروبي ضمن نطاق دفاعي محدود. كما أن الخشية الأوروبية من صدمة أسعار الطاقة، إلى جانب توتر العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، ساعدا في الحد من الانخراط المباشر. ومن ثم، فإن انتقال الصراع إلى أوروبا لا يبدو، في هذه المرحلة، ساحة مستقلة عن الاستراتيجية الإيرانية، بل امتدادًا محتملًا لمنطق توسيع الضغط وإعادة توزيع كلفة الحرب، وهو ما سنتطرق إليه لاحقًا.
ثانيا: تصعيد إيران التعددي الجبهات وأوراق الضغط: البنية التحتية والنووي
إذا كانت جبهتا هرمز وباب المندب تمثلان في الوقت الراهن خط المواجهة الأول في التصعيد الإيراني، من خلال خنق ممرات الملاحة ورفع كلفة حركة التجارة والطاقة، فإن استراتيجية طهران تتجاوز تعطيل الملاحة إلى تجنّب المواجهة العسكرية المباشرة مع تفوق أميركي-غربي لا تستطيع مجاراته، واللجوء إلى أدوات أقل كلفة وأكثر إيلامًا للخصم. وتتوزع هذه الأدوات بين ضرب البنية الرقمية الخليجية، ولا سيما الكابلات البحرية ومراكز البيانات؛ واستهداف البنية الاقتصادية والنفطية، بما يشمل الموانئ وخطوط التصدير؛ ورفع منسوب الغموض النووي، بما يجعلها مجتمعة أوراق ضغط وردع وابتزاز استراتيجي.
وفي هذا السياق، انتقلت المواجهة من المجال المادي إلى المجال الرقمي، بما يتيح لطهران توسيع دائرة الضرر دون الدخول في حرب تقليدية شاملة. فقد نفّذت إيران ضربات بمسيّرات استهدفت مراكز بيانات في البحرين والإمارات، بالتوازي مع تهديدات بقطع الكابلات البحرية تحت مضيق هرمز. وتكتسب هذه التهديدات أهمية لأن آثارها لا تبقى محصورة في الخليج؛ فالكابلات البحرية ومراكز البيانات جزء من شبكة عالمية مترابطة، وأي تعطيل واسع لها يمكن أن يمتد إلى قطاعات اقتصادية في دول عربية وأوروبية وأفريقية وآسيوية. وهكذا ينتقل التصعيد من تعطيل الملاحة المادية إلى تعطيل الاقتصاد الرقمي، ولا سيما لدى الخصوم الخليجيين، مثل السعودية والإمارات وقطر، الذين استثمروا بكثافة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. كما أن هذه الأداة أقل كلفة من الضربة الصاروخية المباشرة وأصعب، في بعض الحالات، في الإسناد القاطع إلى الجهة المنفذة.
ويمتد الضغط بالتوازي إلى البنية الاقتصادية والنفطية. ووفقًا لتحليل (CSIS)، يشمل الاتجاه المرجّح تكثيف استهداف موانئ نفطية سعودية، مثل ينبع، وبنية التصدير الخليجية في البحر الأحمر من جانب الحوثيين، مع احتمال الانتقال من التهديد بإغلاق باب المندب إلى محاولة إغلاقه فعليًا. وبذلك تصبح جبهتا الخليج والبحر الأحمر جزءًا من منظومة ضغط يمكن تفعيلها بالتوازي أو بالتتابع؛ فهرمز يضغط على صادرات الطاقة وحركة الملاحة في الخليج، بينما يهدد باب المندب الطريق البحري إلى البحر الأحمر والمتوسط. ومن ثم يمكن أن تتحول أوروبا والخليج إلى جبهتين متداخلتين، بحيث ينعكس تعطيل الملاحة أو الطاقة في الخليج على التجارة والطاقة المتجهتين إلى أوروبا.
أما الورقة الأكثر حساسية فتتمثل في البرنامج النووي. وتشير التقديرات حتى نيسان 2026 إلى أن “زمن الاختراق” النووي الإيراني بات بين شهر وثلاثة أشهر، من دون أن يعني ذلك امتلاك رأس حربي جاهز للاستخدام أو اتخاذ قرار سياسي بتصنيعه؛ إذ يحتاج تحويل القدرة على إنتاج المادة الانشطارية إلى سلاح قابل للاستخدام إلى أكثر من سنة إضافية. لذلك ينبغي التمييز بين الاقتراب من إنتاج المادة اللازمة للسلاح وبين امتلاك سلاح نووي جاهز.
ومع تراجع قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التحقق من طبيعة النشاط النووي الإيراني ومواقعه، يتسع الغموض حول المرحلة التي بلغتها إيران فعليًا. وهنا يتحول الغموض نفسه إلى أداة استراتيجية، إذ يزيد عدم اليقين لدى الخصوم ويصعّب تقدير مخاطر التصعيد، بما يتيح لطهران توظيفه ردعًا وضغطًا وابتزازًا استراتيجيًا، بصرف النظر عن نيتها الفعلية في تصنيع السلاح.
وعلى هذا النحو، تتكامل أدوات التصعيد الإيراني: فهرمز وباب المندب يرفعان كلفة التجارة والطاقة، واستهداف البنية النفطية يضغط على حركة التصدير، وضرب البنية الرقمية يفتح جبهة أوسع وأقل وضوحًا، بينما يضيف الغموض النووي مستوى آخر من الردع. والجامع بينها هو توسيع دائرة المخاطر ورفع كلفتها دون خوض مواجهة عسكرية مباشرة مع خصم متفوق تقليديًا. ومن ثم، ينبغي قراءة التصعيد الإيراني كاستراتيجية متعددة الجبهات، لا كسلسلة من الضربات المنفصلة.
ثالثا: الرهان الأميركي-الإسرائيلي الفاشل على إسقاط النظام: الصمود الاستراتيجي الإيراني
لم يكن رهان ترامب-نتنياهو على سقوط النظام الأميركي افتراضًا ضمنيًا، بل استراتيجية مُعلنة صراحة، بعد ضربات 28 شباط 2026، حين دعا الأول المتظاهرين الإيرانيين إلى البقاء في الشارع لأن الأميركيين قادمون لمساعدتهم، وخاطبهم بالقول: “حين ننتهي (من إسقاط النظام)، تولّوا حكومتكم بأنفسكم”، ودعا ترامب قوات الأمن الإيرانية إلى الاستسلام، بينما وعد نتنياهو المعارضة بخلق “الظروف المثلى” لإسقاط حكومتهم (اغتيال خامنئي وعلي لاريجاني وغيرهم)، وتحريض متزامن على انتفاضة شعبية، إلى جانب تسليح فصائل كردية إيرانية معارضة، واحتضان معارضين في المنفى مثل رضا بهلوي، بل ودراسة تنصيب شخصية للحكم.
لكن الرهان الأميركي على الشارع فشل، بالرغم من المواجهات التي حصلت في كانون الثاني 2026، وشكلت أخطر تهديد للنظام. فلم تتحول الانتفاضة إلى تحرك منظم يُسقط النظام، لأسباب عدة لا مجال لذكرها هنا. لكن القمع والإعدامات الميدانية بالجملة التي استهدفت القيادة العليا للانتفاضة، أزالت في الوقت ذاته أي بديل معتدل ذي مصداقية يمكن الالتفاف حوله، أي أن ضربة “قطع الرأس” (سبعة ألاف قتيل وخمسون ألف معتقل) أضعفت فرص الانتقال إلى حكم جديد.
صحيح أن الانتفاضة أضعفت النظام، إلا أن الحرس الثوري والباسيج لم يسجّلا أي انشقاقات مرئية طوال الأزمة، بينما بقي النظام قادرا على حشد مظاهرات موالية مضادة له والحفاظ على الأداء البيروقراطي للدولة. وبالرغم من خسارته قيادات عليا مؤثرة في السياسة والجيش والحرس الثوري، وتعرض البلاد إلى موجة تدمير كبيرة، فضلًا عن انهيار الاقتصاد والنقد والخدمات، فقد ظل نظام الملالي متماسكا. فالنظام الشمولي الذي تأسس منذ الثورة، أمسك بالمؤسسات عبر الحرس الثورة كحام له، مدعوم من بيئة مجتمعية واسعة مؤدلجة. فكان يتلقى الضربات الإسرائيلية والأميركية بصلابة وعناد رافعا شعارات النصر، حتى المراوغة الدبلوماسية قبل “مذكرة التفاهم” وبعدها. وفي آخر تجلياته، عبّر وزير الخارجية عراقجي قبل يومين عن صمود النظام في وجه “الإرهاب الاقتصادي ضد الإنسانية” (العقوبات والحصار) الذي تمارسه أميركا تجاه بلاده. وهنا تتركز قوة الصمود الاستراتيجي الإيراني التي لم يفهمها الأميركيون حتى اليوم: “اقتصاد المقاومة” عبر الاكتفاء الذاتي والتقنين في الغذاء والصناعة والطاقة، والطلب إلى الشعب الصبر، وتصدير النفط عبر “أسطول الظل” (ناقلات بلا تسجيل واضح)، وشبكة تهريب وتبادل تجاري مع العراق وسورية ودول الجوار، ودعم اقتصادي وسياسي من روسيا والصين.
رابعا: أدوات الضغط الإقليمي الإيراني: من لبنان إلى اليمن
إلى جانب أدوات الضغط العسكري والاقتصادي والردع النووي، وربما توسيع مسرح المواجهة نحو أوروبا، تعتمد طهران على أدوات تصعيد أقدم وأكثر رسوخًا، تتمثل في شبكة أذرع مسلحة في لبنان والعراق واليمن، وحماس قبل انهيارها، مهمتها إشعال المواجهات مع إسرائيل أو مع الدول العربية. ولم يكن اختيار هذه البلدان عشوائيًا، بل ارتبط بهشاشة اختراقها ومواقعها الاستراتيجية، ووجود بيئات شيعية حاضنة. وقد بُنيت هذه الشبكة حول ممر بري مركزي من لبنان عبر سورية إلى العراق فإيران خلال نظام الأسد، عُرف بـ”القوس الشيعي”، ثم جرى ضم صنعاء إليه منذ العام 2014. ولذلك أعلن مسؤولون إيرانيون مرارًا أن الجمهورية الإسلامية تحكم أربع عواصم عربية. غير أن سقوط نظام الأسد (2024) قطع هذا الممر، وأجبر إيران على الانتقال من نموذج “محوري-فرعي” يعتمد على نقطة عبور مركزية إلى شبكة أكثر تشتتًا، تتمتع أذرعها بدرجات متفاوتة من الاستقلال. ومن هنا يبرز سؤال السيادة: هل ما تزال هذه الأذرع أدوات لتوسيع النفوذ الإيراني، أم تحولت إلى قوى داخلية باتت أزماتها تتجاوز قدرة طهران على التحكم الكامل بها؟
في العراق، تجسّد هذا التحول منذ حكومة نوري المالكي (2006-2014)، التي وفّرت لإيران مكامن نفوذ مهمة، أبرزها ترسيخ التنظيمات المسلحة التي أسستها طهران وتحولها لاحقًا إلى قوة سياسية-برلمانية مؤثرة في تشكيل الحكومات. ومع وصول علي الزيدي إلى رئاسة الوزراء في نيسان/أبريل 2026 كرئيس توافقي يحظى برضا “الإطار التنسيقي” الموالي لإيران والسفارة الأميركية. وهكذا لم يعد السؤال مقتصرًا على امتلاك الميليشيات العراقية الموالية لطهران سلاحًا موازيًا للدولة، بل امتد إلى من يملك التأثير في اختيار رئيس الحكومة، أي إن أزمة السيادة أصبحت في قلب المؤسسات الرسمية.
ويتكرر النمط في لبنان بصورة مختلفة. فحزب الله، الذي نشأ بدعم إيراني بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982)، تحول من قوة عسكرية شاركت في تحرير الجنوب (2000) إلى أداة عسكرية-سياسية لنفوذ إيران في لبنان والمنطقة. غير أن تدخله في سورية، ثم انخراطه في حرب إسناد غزة (2023-2025) وإيران (منذ 2026)، إلى جانب فقدان الممر السوري بسقوط الأسد (2024)، وتراجع انتشاره في مناطق رئيسية من جنوب لبنان، أضعف موقعه، وفتح ذلك نافذة لإعادة طرح مسألة السيادة، إذ وصفت حكومة عون-سلام، في خطاب القسم والبيان الوزاري لعام 2025، نشاطه العسكري بأنه “غير شرعي”، وطالبت بحصر السلاح بيد الدولة، فيما دخلت في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
أما اليمن، فيختلف وضعه؛ فالحوثيون الزيديون لا يسعون إلى منصب حكومي مركزي، بل يديرون منذ سيطرتهم على صنعاء (2014) فرض “سلطة أمر واقع” موازية لحكومة اليمن المعترف بها دوليًا. وقد أدى الدعم الإيراني لهم إلى ترسيخ قوتهم، واستخدامهم ضد السعودية، ما أسهم في حروب 2015-2022. ومنذ 2023، أصبحوا ذراعًا إيرانية واضحة باستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، ثم انخراطهم في المواجهة مع إسرائيل بعد الحرب المباشرة على إيران في 2026، وتوسيع استهداف المنشآت النفطية والناقلات السعودية حتى آب، بما يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق العسكري مع طهران.
خامسا: المغزى السياسي والعسكري لنقل إيران الحرب إلى أوروبا
يرتبط التهديد الإيراني بنقل الحرب إلى أوروبا بمنطق التصعيد العام الذي يحكم توظيف طهران لمختلف أوراقها: هرمز، وباب المندب، والكابلات، والملف النووي، والأذرع الإقليمية، ومحاولة إفشال إسقاط النظام. فالحسابات المتبادلة بين واشنطن وطهران تقوم على قاعدة أن كلاً منهما يستطيع “إلحاق ما يكفي من الألم بالآخر لإرغامه على التراجع”: تقصف إيران القواعد الأميركية في الخليج، بينما تشدد واشنطن الضغط على هرمز والعقوبات التي جرى تطويرها في 24 آب لتطال “اقتصاد الظل” الإيراني والدول المستفيدة منه. ومع ذلك تبقى قنوات الوساطة، ولا سيما عبر باكستان وقطر، مفتوحة، وهو ما يفسر التناوب بين موجات التصعيد والهدن المؤقتة.
في هذا السياق، تسعى طهران إلى رفع كلفة استخدام الأميركيين الأراضي الأوروبية منصاتٍ للإسناد العسكري أو اللوجستي، أي إلى نقل جزء من كلفة الحرب إلى حلفاء واشنطن الأوروبيين. وبعد القصف الإيراني على أكروتيري (Akrotiri) في قبرص، برز احتمال استهداف القاعدة اللوجستية الأميركية في بيزمر ببلغاريا. وتعكس هذه المقاربة عجز إيران عن مجاراة التفوق الجوي الأميركي والبريطاني في ساحة المعركة، فتختار “المقاربة غير المباشرة” (The Indirect Approach)، باستهداف البنية الخلفية للحرب، كطائرات التزود بالوقود ومنصات الاستخبارات وقواعد الانطلاق، بدلًا من مواجهة القوة الضاربة مباشرة. وقد دفع ذلك الولايات المتحدة إلى إعادة تمركز قواتها في قواعد أبعد عن إيران، ولا سيما في الأردن وإسرائيل.
وإذا تعرضت بيزمر للقصف، فإن الرسالة لن تكون عسكرية فقط. فهي موجهة إلى واشنطن لتأكيد أن التصعيد لن يبقى محصورًا جغرافيًا، وإلى الدول الأوروبية، ولا سيما الصغيرة منها، لردعها عن إتاحة أراضيها للقوات الأميركية، وإلى الداخل الإيراني لإظهار قدرة النظام على الرد خارج محيطه الإقليمي. كما أن التهديد نفسه يفرض على دول أوروبية وحلف الناتو تعزيز الدفاعات الجوية وتخصيص موارد إضافية للحماية، بما يحقق لطهران استنزافًا سياسيًا وأمنيًا بأقل كلفة عسكرية مباشرة.
غير أن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة كبرى؛ فضرب بلغاريا، بوصفها عضوًا في الناتو، يختلف نوعيًا عن ضرب قبرص غير العضو فيه، وقد يحوّل الحرب من مواجهة أميركية-إيرانية إلى أزمة مع الحلف بأكمله. وربما يفسر ذلك بقاء التهديد الإيراني لبلغاريا عند مستوى التلويح وتحت سقف لا يستدعي مواجهة شاملة مع الناتو.
سادسا: القدرات العسكرية والتقنية الإيرانية بين الشرق الأوسط وأوروبا
يتطلب تقييم الاستراتيجية الإيرانية التمييز بين مستويين مختلفين من القدرة: قدرة عسكرية مثبتة ومستدامة في الشرق الأوسط، وقدرة محدودة وتهديدية في أوروبا. ففي الشرق الأوسط، لا تستند القدرة الإيرانية إلى التقديرات وحدها، بل إلى وقائع ميدانية. فقد ذكر تقرير لـ(CBS News) في 16 حزيران 2026 أن إيران فرضت شبه سيطرة على مضيق هرمز لأكثر من ثلاثة أشهر، ونفذت 46 هجومًا موثقًا على سفن، أسفرت عن مقتل 14 بحارًا، وتعطيل نحو ألف سفينة ونحو 20 ألف بحار. كما استهدفت قاعدة سلطي الأميركية في الأردن، ونفذت ضربات بمسيّرات على مراكز بيانات في البحرين والإمارات، بينما أثبت الحوثيون، بوصفهم ذراعًا إيرانية، قدرة فعلية على تعطيل جزء كبير من الملاحة في البحر الأحمر. والأهم أن التقييمات الاستخباراتية أفادت بإصلاح إيران 30 من أصل 33 موقعًا صاروخيًا متضررًا بحلول منتصف أيار 2026، واحتفاظها بنحو 70% من منصات الإطلاق المتحركة ومخزون الصواريخ، بما يدل على قدرة لافتة على التعافي. لذلك يمكن القول إن طهران أثبتت قدرتها على تنفيذ معظم عناصر استراتيجيتها داخل المسرح الشرق أوسطي.
أما في أوروبا، فالمعادلة مختلفة جذريًا. فلم تنفذ إيران حتى الآن ضربة مباشرة من أراضيها إلى أوروبا، باستثناء الضربة على قبرص بمسيّرة أُطلقت من لبنان، بينما تظل قدرتها الصاروخية المباشرة تجاه أوروبا محدودة، ولا سيما في مواجهة المجال الجوي الذي يراقبه الناتو بكثافة. ومع ذلك، لا تتوقف قيمة التهديد على دقة الصاروخ؛ فوصوله إلى أي هدف أوروبي سيكون بحد ذاته رسالة سياسية وعسكرية. ولهذا تعتمد طهران على المقاربة غير المباشرة: الوكلاء، والمسيّرات المنطلقة من دول ثالثة، والتخريب، والتهديد النفسي، لأن الضربة المباشرة قد تستدعي تدخل الناتو، بما يجعل كلفتها أكبر من مكاسبها المحتملة.
وبناءً على ذلك، يمكن توقع ردّ أوروبي متدرج إذا انتقلت إيران من التهديد إلى التنفيذ. فيبدأ بتعزيز الدفاعات الجوية والوجود العسكري حول القواعد المستهدفة، كما في قبرص وبيزمر؛ ثم تفعيل مشاورات الناتو إذا تعرضت أراضي دولة عضو، مثل بلغاريا، لهجوم مباشر. وقد يتبع ذلك رد محدود يستهدف منصات الإطلاق أو شبكات الوكلاء، مع تجنب الأهداف السياسية والاقتصادية منعًا للانزلاق إلى حرب شاملة، بالتوازي مع تشديد العقوبات والضغط الدبلوماسي. وأخيرًا، قد تسرّع الولايات المتحدة إعادة انتشار قواتها بعيدًا عن القواعد الأوروبية الأكثر تعرضًا للخطر، كما فعلت في الخليج.
وعليه، ليست المسألة أن إيران قوية في الشرق الأوسط وضعيفة في أوروبا بمعنى كمي، بل إنها تدرك اختلاف المسرحين وتكيف أدواتها تبعًا له: تستخدم القوة المباشرة وشبكات الوكلاء الراسخة في الشرق الأوسط، بينما تلجأ في أوروبا إلى التهديد والمقاربة غير المباشرة، تفاديًا لتحويل مواجهة أميركية-إيرانية إلى مواجهة مع الناتو.
سابعا: الاستنتاج
لم تعد استراتيجية إيران في مواجهة الضغط الأميركي والحصار والعقوبات عليها دفاعية بحتة، بل تحوّلت إلى نموذج “ردع بالوكالة والامتداد الجغرافي” متعدد الطبقات. فالنظام الإيراني، الذي بنى منذ الثمانينيات من القرن الماضي شبكات وكلاء مسلحين في لبنان والعراق واليمن، يوظّف اليوم هذه الأذرع الإقليمية، وعلى رأسها الحوثيون في اليمن، كأدوات ضغط مباشرة على الملاحة والطاقة العالميتين بدلا من الاكتفاء بالتحايل الاقتصادي التقليدي (أسطول الظل، التجارة مع الصين). أما حزب الله في لبنان، فقد ضعف ولم يعد له إلا تأثير واهن ضمن الجنوب، في حين يتعرض يوميًا إلى مواجهات مصيرية.
وقد كشفت الحرب المشتعلة أن طهران قادرة على تحويل مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة فعلية بكلفة إنسانية وملاحية هائلة، بينما توسّع الحوثيون لضرب بدائل النفط البرية نفسها التي صُممت لتفادي هرمز، وتحديدًا خط النفط السعودي في البحر الأحمر، ما يُظهر مرونة تكتيكية في نقل ساحة المعركة كلما أُغلقت جبهة.
في المقابل، يتضح أن الرد الغربي ما زال تدريجيا وغير موحّد جغرافيا: تحرّك بريطاني سريع لحماية القاعدة السيادية في قبرص، بينما لم تستطع أميركا أن تفرض سيطرة تامة على هرمز، وتتجه إلى تدويل عقوباتها على إيران واستهداف اقتصاد الظل الذي تعمل تحت مظلته كخيار تعتقد أنه ناجع، مدعية أن الهدف الرئيسي لوجودها في الشرق الأوسط هو لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، في حين أصبحت هرمز اقتصاديًا بمثابة النووي الإيراني أمنيًا. فالمفاوضات الجارية حول ممر ملاحي داخلي في المضيق تديره إيران بنفسها، وممر “خارج” تديره عُمان، ومطالبة إيرانية برسوم عبور وإشراف على السفن المغادرة، يعني أن أي تسوية مرتقبة ستمنح طهران نفوذًا تشغيليًا مباشرًا على المضيق.
أن توسيع أميركا حضورها في نقاط أوروبية ضمن اتفاقيات تعاون قائمة، وسط تحذيرات إيران المتكررة، قد توحي برغبة الأخيرة في تمديد جبهة التهديد إلى العمق الأوروبي نفسه لا الاكتفاء بالخليج. الخلاصة الأهم، أن إيران تدير هذه الأزمة كحرب استنزاف متعددة الجبهات (بحرية، برية، سياسية-اقتصادية) بأدوات غير متكافئة الكلفة، وهو ما يمنحها نفوذًا تفاوضيًا يفوق حجم قدراتها العسكرية التقليدية المباشرة. فهل حزمة العقوبات الأميركية الجديدة عليها، ووصول قيمة الدولار الأميركي في السوق الإيرانية إلى مليوني ريال، يؤشران إلى قرب سقوط نظام الملالي؟


