الأكثر قراءة

استراتيجية النهوض اللبناني والدولة الجديدة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

إن إعادة مشروع الدولة في لبنان وإعادة هيكلة نظامه السياسي والمؤسساتي تمثل المدماك الأساسي والوحيد للخروج من الأزمة الوجودية العميقة التي يعيشها الوطن، وهي رؤية تتطلب استراتيجية تنفيذية متكاملة تتوزع على عدة محاور متوازية ومترابطة لتأمين البقاء والاستقرار للكيان بأكمله.

تبدأ هذه الرؤية بالضرورة من الإصلاح السياسي والدستوري عبر التطبيق الفوري والشامل لجميع بنود ميثاق الطائف المعلّقة في الدستور اللبناني، وعلى رأسها البدء بإنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية وفق ما تنص عليه المادة الخامسة والتسعون من الدستور، بالتوازي مع إقرار قانون انتخابي عصري خارج القيد الطائفي، وإنشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية وتُحصَر به القضايا المصيرية والكيانية للبلاد لضمان حماية التنوع.

كما يقتضي هذا المسار تنظيم الأعراف الدستورية التي كُرّست عبر العقود الماضية وتحويلها إلى نصوص واضحة ومقيدة بمهل زمنية محددة تمنع التعطيل المؤسساتي وشلل السلطات، مثل وضع مهلة محددة وملزمة لتشكيل الحكومة أو لتوقيع المراسيم من قِبل الرئاسات، مع الحفاظ الكامل على صيغة العيش المشترك كضمانة ميثاقية أساسية. ويتلازم هذا الإصلاح الدستوري مع تطبيق اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة كحاجة إنمائية وميثاقية ملحة تمنح المناطق اللبنانية كافة استقلالية مرنة في إدارة شؤونها المحلية كالتعليم والصحة والبنى التحتية، مما يخفف من حدة الاحتقان المركزي ويفسح المجال لتنمية حقيقية تنطلق من القاعدة إلى القمة وتلبي تطلعات المواطنين بشكل مباشر ومستدام.

ويتطلب مشروع النهوض تفكيك وإصلاح ما يُعرف بالدولة العميقة والمؤسسات المرتبطة بها، وهو ما يبدأ من إقرار قانون استقلال السلطة القضائية المطلقة وتحرير التشكيلات القضائية تماماً من هيمنة السلطة التنفيذية والتدخلات السياسية الفئوية، ليكون القضاء النزيه والعادل هو الأداة الأولى والأساسية لمحاربة الفساد ومحاسبة المرتكبين وتطهير الإدارات العامة. ويتبع ذلك إعادة هيكلة شاملة وجذرية للإدارة العامة من خلال إجراء مسح دقيق وعلمي لكافة الوظائف العامة، وإلغاء أو دمج كافة المؤسسات والمجالس الموازية التي شكلت على مدى عقود بؤراً للهدر المحقق وازدواجية الصلاحيات والتوظيف العشوائي مثل مجلس الإنماء والإعمار وصندوق المهجرين ومجلس الجنوب، ونقل كامل صلاحياتها المشتتة إلى الوزارات المختصة أصيلاً بهذه الملفات. ولتحقيق الشفافية الكاملة وقطع الطريق على الرشوة والمحسوبية الطائفية والسياسية، يجب المضي قدماً وبسرعة في الحوكمة الرقمية وتحويل كافة المعاملات الحكومية إلى صيغة إلكترونية متكاملة تضمن خدمة المواطن بكرامة وتجرد تامّين.

ويتكامل هذا الإصلاح الإداري البنيوي مع إعادة تعريف الهوية الوطنية وأسس المواطنة للانتقال الفعلي من دولة المحاصصة بين الطوائف إلى دولة المواطنة الحاضنة للتنوع, حيث يكون الولاء المطلق للوطن والقانون مع صون كامل لحرية المعتقد والشعائر الدينية، ويترجم ذلك على المستوى التربوي عبر توحيد المناهج وتأليف كتاب تاريخ موحد وجامع يعزز الهوية الوطنية المشتركة، وتطوير مادة التربية المدنية لترسيخ مفهوم الحقوق والواجبات بعيداً عن الخطابات الفئوية والتحريضية.

إن الإنماء المتوازن يعد حقاً دستوريّاً أساسيّاً وركيزة جوهرية لتحقيق العدالة والتوازن بين المناطق اللبنانية كافة دون استثناء، وهو ما يستوجب توزيع الاستثمارات العامة في البنى التحتية من طاقة ومياه وطرقات واتصالات بشكل عادل ومدروس يركز بوضوح على المناطق التي عانت تاريخياً من التهميش والحرمان مثل عكار والبقاع والجنوب وطرابلس، وربط هذه الاستثمارات بصناديق التنمية المحلية التي تبرز ميزات كل منطقة جغرافية سواء في قطاعات الزراعة الذكية أو السياحة البيئية والثقافية أو الصناعات الخفيفة، مما يوفر فرص عمل مستدامة وحقيقية للشباب في قراهم ومدنهم ويحد من نزيف الهجرة الخارجية والنزوح الداخلي المكثف نحو العاصمة وضواحيها.

ويجب أن تقاد هذه الرؤية الإنمائية الشاملة بعين اقتصادية وإدارية وتربوية وصحية متكاملة، تهدف على المستوى القطاعي إلى الانتقال بالبلاد من الاقتصاد الريعي القائم على الاستدانة المفرطة والخدمات الهشة إلى اقتصاد منتج وحقيقي يدعم الزراعة الذكية والصناعات التكنولوجية والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، بالتوازي مع إعادة هيكلة جذرية للقطاع المصرفي ومصرف لبنان وحفظ حقوق المودعين كاملة دون مساس. وفي شق الوظيفة العامة، يجب اعتماد معايير الكفاءة والامتحانات الشفافة عبر مجلس الخدمة المدنية كمعيار وحيد وأوحد للتوظيف والترقية بدلاً من التوزيع الطائفي والمحاصصة الفئوية، مع تطهير الإدارة من التوظيف الوهمي والسياسي غير المبرر.

أما قطاع التعليم، فيقتضي توجيه دعم مطلق ومستدام للمدرسة الرسمية وللجامعة اللبنانية كمؤسسات وطنية جامعة وربط مناهجها بمتطلبات العصر وسوق العمل الحديث، بينما يتطلب القطاع الصحي إقرار نظام التغطية الصحية الشاملة لجميع المواطنين ودعم المستشفيات الحكومية وتفعيل مراكز الرعاية الصحية الأولية في كافة المحافظات للحد من الفاتورة الاستشفائية المرهقة.
بيد أن هذا المشروع البنيوي المتكامل يتطلب رؤية وطنية أعلى بكثير مما يُتداول به عادة على المستويات الفكرية والفلسفية التقليدية والسطحية للحل في لبنان؛ إذ إن التاريخ القريب والبعيد يظهر بوضوح أن الإصلاح المنشود منذ نشأة الكيان كان دائماً يُبنى على أسس طائفية هشة وعلى معالجة الغبن الذي يلحق بطائفة دون أخرى تلو الأخرى، معتمداً بصورة كلية على المحاصصة والزبائنية السياسية وتحديد الكفاءة المشروطة بمعيار الانتماء للطائفة، وقد أثبتت التجارب المريرة والحروب المتلاحقة أن هذا الأسلوب العقيم لم يفعل شيئاً سوى تعميق الفساد والمحسوبية والمحاصصة وتجذير الأزمات والحروب التي كانت تأتي في كل مرة لتعمق الانقسام اللبناني وتستولد الصراعات الدموية من خلفية مصالح الطوائف وأربابها وارتباطاتها العضوية بالمحاور الخارجية.

ومنذ نشأة لبنان، كانت تدخلات الدول الخارجية وتقرير مصير الموظفين والسياسات العامة في الإدارات تأتي دائماً نتيجة توافقات وتسويات خارجية تمليها القوى المهيمنة في المنطقة، وجاءت الحروب المتتالية لتظهر حالات ومسميات تعبر فقط عن مراحل الغلبة السياسية والعسكرية لفريق على آخر، كمصطلحات المارونية السياسية والحريرية السنية والثنائية الشيعية وبيضة القبان الدرزية، وهي في حقيقتها التاريخية مجرد تسميات طائفية ومذهبية تعكس اختلال موازين القوى الداخلية تبعاً للظروف والمصالح الإقليمية السائدة. وفي هذا السياق المأزوم، تحولت العلاقات الخارجية للطوائف إلى بدائل مشوهة عن الهوية الوطنية الجامعة؛ فأصبح العلاقة الودية مع الأم فرنسا وخاصة عند الطوائف المسيحية اللبنانية تُصنف كعلاقة وطنية، وعلاقة الدروز مع بريطانيا ومن ثم روسيا علاقة وطنية، وعلاقة السنة مع العربية السعودية علاقة وطنية عروبية، في حين وُصفت علاقة الشيعة مع سوريا وبعدها مع إيران بعلاقة العمالة مقابل الأوصاف الوطنية لعلاقات الطوائف الأخرى، بينما تعاملت قوى وأحزاب أخرى سياسياً مع العدو الإسرائيلي وجرى تصنيف ذلك شعبياً وقانونياً في خانة العمالة الواضحة والخيانية.

ومن خلال هذا الانقسام البنيوي العميق والمدمر، بُنيت سياسات الحكومات المتلاحقة والأحزاب والقوى المؤثرة في لبنان على أساس التبعية السياسية والأمنية المطلقة للجهات الخارجية التي ترتبط بها وتستمد منها قوتها وتمويلها على حساب المصلحة الوطنية العليا.

ومع المتغيرات الدولية والجيوسياسية المتسارعة للغاية ووصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية مجدداً، تمحور اللبنانيون وتوزعوا في انقسام حاد وخطير بين مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تقوده أميركا والعدو الإسرائيلي لتغيير وجه المنطقة، وبين إيران وحلفائها من قوى المقاومة في الإقليم، وباتت ملامح نظام إقليمي ودولي جديد تتبلور وتُرسم بالنار والحروب التدميرية الشاملة ليتمخض عنها نظام عالمي جديد يغير المحاور والأنظمة وأنماط الحكم القائمة كلياً.

وفي ضوء هذا المخاض الدولي العنيف، يسعى دونالد ترامب في ولايته الحالية الحاضرة إلى تصفية الأزمات التاريخية المزمنة في الشرق الأوسط وفق منطق الحسم السريع، واستخدام القوة، والمراوغة الدبلوماسية، وعقد الصفقات السياسية والاقتصادية الخاطفة العابرة للحدود، مستغلاً في ذلك التفوق العسكري والتدميري للعدو الإسرائيلي لفرض واقع سياسي وأمني جديد وتغيير مباشر وسريع في المعادلات القائمة قبل انتهاء ولايته الرئاسية الحالية. هذا الواقع الضاغط يضع مشروع النهوض اللبناني أمام تحديات وجودية وجسيمة؛ فمحاولة فرض نظام لبناني جديد بقوة السلاح وإعادة إحياء صيغة الغلبة والقهر لفريق على آخر لن تولد استقراراً على الإطلاق بل ستعمق الأحقاد التاريخية وتؤسس لحروب أهلية مؤجلة، نظراً للاستحالة البنيوية والجغرافية لإلغاء أو إخضاع أي مكون لبناني بالكامل. لذلك، فإن الفرصة الحقيقية والوحيدة لنجاة الكيان اللبناني تكمن في تموضع الدولة اللبنانية ضمن الحياد الإيجابي والفاعل، واستغلال حاجة الإدارة الأميركية الجديدة لاتفاقات (سلام واستقرار سريعة ) لإعادة إحياء وترسيخ مفهوم الدولة اللبنانية الشرعية كضامن وحيد وأوحد للأمن الداخلي وللحدود السيادية، وسحب الذرائع بالكامل من يد القوى الإقليمية والدولية العابثة بالاستقرار.

إن مشروع النهوض اللبناني الحقيقي يستوجب فك فخ التبعية الخارجية تماماً وبشكل حاسم، والاتفاق الوطني الشامل على ميثاق شرف دستوري يجرّم الاستقواء بالخارج بكل أشكاله وعناوينه، إذ إن تسمية علاقة طائفة بالخارج علاقة وطنية وتسمية علاقة طائفة أخرى عمالة هو نفاق سياسي واجتماعي دمر الكيان اللبناني وعزل مكوناته عن بعضها البعض في جزر من التوجس والريب المتبادلة.

ويجب الانتقال الشجاع إلى عقد اجتماعي وجديد تماماً يرتكز على قاعدة لا غالب ولا مغلوب بالعمق، والاستفادة القصوى من ميثاق الطائف كآلية دستورية مرنة للانتقال التدريجي والآمن نحو الدولة المدنية الكاملة، والإقرار الجماعي بأن أمن وصون وجود أي مكون لبناني مسيحياً كان أم مسلماً لا تحميه فرنسا أو السعودية أو إيران أو بريطانيا، بل تحميه بالدرجة الأولى قناعة شريكه في الوطن وتحميه مؤسسة الجيش اللبناني كقوة عسكرية شرعية وحيدة وموثوقة. ويترافق ذلك بوضوح مع تحقيق السيادة الاقتصادية والمالية الفعلية عبر التوقف الفوري عن كون لبنان اقتصاداً تسولياً يعيش على القروض المشروطة ومساعدات وهبات الدول التي تشتري بها نفوذاً سياسياً وأمنياً في الداخل، والتحول الجاد نحو استغلال ثرواته الذاتية الوفيرة من غاز ونفط في البحر اللبناني عبر تأسيس صندوق سيادي مستقل ومحصن يخضع لرقابة صارمة وشفافة، مما يمنح لبنان حصانة دولية ويجعل كبرى الدول مهتمة باستقراره لحماية مصالحها الاستثمارية الكبرى وإمدادات الطاقة الحيوية في حوض شرق المتوسط.

وتؤكد الدراسات العلمية والمعمقة التي يجب أن تسود وتوجه أي نقاش سياسي واستراتيجي جاد، أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والنظام العالمي التقليدي السائد الذي قام على توازناتها ومؤسساتها قد أصبح اليوم عديم الفعالية ومأزوماً وعاجزاً عن حل الصراعات، وبالتالي تسعى القوى الدولية الكبرى والناشئة إلى صياغة نظام عالمي جديد تماماً بمفاهيم ونظرات مستحدثة وبنيوية تحكي مرحلة زمنية مقبلة من عمر المعمورة والأنظمة القائمة، وهو تحول تاريخي تتسارع وتيرته الفائقة بفعل الثورة التكنولوجية الرابعة غير المسبوقة وعالم البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة. وتتبلور معالم هذا النظام العالمي الجديد وخارطة العالم المستقبلي بوضوح من خلال الانتقال السريع إلى عالم متعدد الأقطاب المتداخلة، حيث تتراجع الأحادية القطبية للولايات المتحدة الأميركية التي تقاتل في الوقت عينه بشراسة للحفاظ على هيمنتها المالية والتكنولوجية عبر سياسات حمائية وتجارية قاسية، ويتراجع الوزن الاقتصادي والسياسي للاتحاد الأوروبي ليتحول تدريجياً إلى تابع استراتيجي وأمني لواشنطن، في مقابل صعود قوى ناشئة ومجموعات دولية مؤثرة للغاية أبرزها الصين كقطب اقتصادي وتكنولوجي ومصنّع أول للعالم يقود مبادرة الحزام والطريق، وروسيا كقطب عسكري وجيوسياسي يكسر الحدود الأمنية للغرب في أوراسيا ويثبت حضوراً قوياً في أفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب النواة الصلبة لتكتل بريكس الذي توسع بقوة ليضم قوى إقليمية وازنة تسعى جاهدة لإنهاء هيمنة الدولار وإيجاد نظام تجاري مالي بديل ومتعدد الأطراف.

كما يتميز النظام العالمي الجديد بصعود الدول الشبكية المتوسطة كالسعودية والإمارات والهند وتركيا التي تمارس براغماتية سياسية عالية وتتحالف مع أقطاب مختلفة وفق مصالحها الوطنية الحيوية، بالتوازي مع بزوغ سيادة القوى التكنولوجية العابرة للحدود حيث تملك الشركات العالمية العملاقة المسؤولة عن الذكاء الاصطناعي وشبكات الأقمار الصناعية نفوذاً دولياً يضاهي الدول الكبرى ويتحكم بالقرار السياسي الأممي عبر امتلاك الخوارزميات ومخازن البيانات العملاقة ومصادر الطاقة المتجددة والمياه.

وفي هذا العالم الجديد والمتحول بعنف والذي لا يلتفت أبداً إلى الكيانات الفاشلة والغارقة في الصراعات الطائفية والمذهبية البدائية، يمتلك لبنان هوامش حركة واسعة للاستغلال الاقتصادي والمعرفي وبناء حصانته السيادية بشرط الانعطاف الحاسم نحو البراغماتية الاقتصادية المطلقة والموازنة الذكية بين الشرق والغرب، وجذب الاستثمارات التكتلية الصاعدة المتمثلة في دول تكتل بريكس والصين لتطوير البنى التحتية والمرافئ والسكك الحديدية المدمرة مع الحفاظ في الوقت عينه على علاقاته الحيوية مع المنظومة المالية العالمية والمؤسسات الغربية، والتحول الكامل نحو الاقتصاد المعرفي والتكنولوجي كونه يمتلك ثروة بشرية هائلة وعالية الكفاءة قادرة على جعل البلاد مركزاً إقليمياً للابتكار الرقمي والتكنولوجيا المالية من خلال تشريعات مرنة تتيح العمل عن بُعد وضخ العملة الصعبة وتأسيس مناطق اقتصادية رقمية حرة تدعمها الطاقة المتجددة والإنترنت فائق السرعة.

وينسحب هذا التفوق المعرفي مباشرة على عراقة النظام التعليمي والجامعي اللبناني من خلال صروحه التاريخية كالجامعة اللبنانية والجامعة الأميركية في بيروت وجامعة القديس يوسف وغيرها، وهي ثروة استراتيجية كبرى تمثل قاطرة حقيقية للنهوض العربي من خلال تصدير الخدمات التعليمية والاستشارية وتطوير المناهج لتشمل الحوسبة الكمية والأمن السيبراني والهندسة الحيوية، مما يعيد للبنان دوره التاريخي والفكري كمنارة للشرق ومصنع للقيادات العلمية ومراكز الأبحاث الإقليمية المتخصصة في حل النزاعات وصياغة مفاهيم الحداثة العربية والتعددية الحاضنة للاختلاف.

إن التلازم المصيري والوجودي بين حماية ثغور الوطن وعقول أبنائه يتطلب خطوتين فوريتين وتصحيحيتين لكسر الجمود الداخلي وإنقاذ الكيان اللبناني من الاندثار؛ الخطوة الأولى تتمثل في المسار الدفاعي والسيادي من خلال إطلاق حوار وطني هادئ وعملي يفضي إلى إقرار استراتيجية دفاعية وطنية جامعة تقوم على دمج وتأصيل قدرات الردع والخبرات العسكرية الكبيرة للمقاومة اللبنانية ضمن منظومة دفاعية شرعية متكاملة تقودها الدولة بمؤسستها العسكرية المتمثلة في الجيش اللبناني، حيث إن المقاومة اللبنانية لم تكن يوماً فعلاً لحساب الخارج بل كانت دوماً دفاعاً مشروعاً عن لبنان وشعبه بوجه الأطماع، ويؤدي دمجها هذا إلى تحويل القوة الدفاعية إلى درع شرعي يحمي كامل الوطن بقرار سيادي موحد ويسحب كافة الذرائع الدولية والإقليمية الساعية لفرض الوصاية ويؤمن الاستقرار الأمني المستدام اللازم للاستثمار والتنقيب بحرية وحصانة كاملة. والخطوة الثانية المتلازمة تتمثل في المسار المعرفي والتكنولوجي عبر إطلاق ثورة رقمية شاملة للتعليم وتطوير المناهج التعليمية والجامعية لتواكب الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي الجديد ودعم موازنة الجامعة اللبنانية والصروح الأكاديمية العريقة، لربط التعليم مباشرة بمتطلبات العصر وجعل لبنان المصدر الأول للكفاءات الفكرية والتكنولوجية في المنطقة برمتها.

إن هذا التلازم البنيوي بين بندقية تحمي الحدود تحت راية الشرعية وقلم يواكب التطور التكنولوجي الفائق في جامعات عريقة هو المعادلة الذهبية الوحيدة لإلغاء زمن الغلبة والمحاصصة الطائفية المدمّرة، وبها ينخرط لبنان في النظام العالمي الجديد المتعدد الأقطاب ليس كساحة مستباحة تصفى فيها حسابات الكبار بالنار، بل كقوة ناعمة ومعرفية هائلة وحصن دفاعي منيع يضمن له السيادة والحرية والاستقلال ويثبت مكانه اللائق والمستحق تحت شمس العالم الجديد.

https://hura7.com/?p=85539

الأكثر قراءة