جريدة الحرة
خاص ـ شكك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددا في جدوى التحالف العسكري عبر الأطلسي، ويتابع جيران روسيا في منطقة البلطيق تصريحاته بقلق. خلال مارس وأبريل من العام 2026 من حرب إيران، اتخذت عدة دول أعضاء في حلف الناتو موقفا منفصلا.
فبينما امتنع بعض حلفاء الولايات المتحدة بحذر عن دعم العمل العسكري، ومنع آخرون استخدام بنيتهم العسكرية بشكل قاطع، اتخذت دول البلطيق نهجا مختلفا.
وصفت الدول الثلاث عملية “الغضب الملحمي” بأنها مفهومة بالنظر إلى البرنامج النووي الإيراني، والتهديدات التي تواجه الدول المجاورة، ودعمها لروسيا ضد أوكرانيا، كما قال رئيس لاتفيا إدغارس رينكيفيتش. كما رحب قادة دول البلطيق بمقتل المرشد الأعلى الإيراني في أواخر فبراير من العام 2026، مشيرين إلى ما يعتبرونه فرصة جديدة للشعب الإيراني لتحديد مستقبله بنفسه.
أبدت إستونيا استعدادها للنظر في نشر سفنها لإزالة الألغام في مضيق هرمز. أما ليتوانيا فقد ذهبت أبعد من ذلك، معربة عن استعدادها للنظر في إرسال قوات لمساعدة واشنطن في حال تقديم طلب بهذا الشأن. وقد أوضح الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا أفضل تفسير للأسباب الكامنة وراء هذا الدعم.
وأوضح: “لا يمكننا أن نقول من جهة أن وجود القوات الأمريكية على أراضي ليتوانيا أمر طبيعي وأننا نقبله ببساطة كأمر مسلم به، ولكن عندما يطلب منا المساهمة في البعثات الدولية، نقول إن هذا ليس من شأننا”.
بالنسبة لدول البلطيق، ينظر إلى دعم الولايات المتحدة، حليفها الأقوى، على أنه أمر بالغ الأهمية لأمنها الخاص، لا سيما فيما يتعلق بالتهديد الذي تشكله روسيا. حذرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في أبريل 2026 الدول الثلاث من “عواقب وخيمة” بسبب الاستخدام المزعوم لمجالها الجوي من قبل طائرات بدون طيار تهاجم روسيا وهي اتهامات تنفيها الدول الثلاث بشدة.
تجنب إثارة غضب دونالد ترامب
منذ اندلاع حرب إيران، وضعت دول البلطيق نفسها مرة أخرى كـ “حلفاء نموذجيين”. إلى جانب بولندا ودول الخليج، وصفها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بذلك. على غرار بولندا، كانت دول البلطيق من أوائل أعضاء حلف الناتو الذين استجابوا لدعوة الرئيس الأمريكي لزيادة الإنفاق الدفاعي، وهي الآن من الدول الرائدة في الحلف.
في عام 2025، خصصت بولندا 4.5% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، وليتوانيا 4%، ولاتفيا 3.7%، وإستونيا 3.4%. وبالمقارنة، أنفقت الولايات المتحدة 3.2% من ناتجها المحلي الإجمالي. وصف الباحث سيرجيس بوتابكينز من المعهد اللاتفي للشؤون الدولية هذه السياسة بأنها “أسلوب مميز راسخ”، يهدف إلى “محاولة عدم إثارة غضب دونالد ترامب، وبشكل عام، عدم الدخول في مجال اهتمامه، بحيث يستمر النهج المتبع تجاه دول البلطيق منذ عام 2022 لأطول فترة ممكنة”.
يقوم النهج الحالي، وهو الردع بالمنع، على افتراض أن الخصم لن يجرؤ على مهاجمة دول الناتو إذا اقتنع بأنه لا يستطيع تحقيق أهدافه. وكما صرح الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن والقادة الأوروبيون مرارا وتكرارا، فإن الناتو مستعد للدفاع عن كل شبر من أراضيه. استبدلت هذه الاستراتيجية الردع بالانتقام. ووفقا لبوتابكنز، فإن النهج السابق لم يكن مناسبا لدول البلطيق، لأنه كان ينطوي على إمكانية احتلال جزئي لأراضيها.
التخطيط للطوارئ
لم تقابل تصريحات ترامب المتشككة بشأن الدفاع عن حلفاء الناتو بمفاجأة تذكر في دول البلطيق. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع رأي أجري عام 2025 في لاتفيا أن 43% فقط من المستطلعين يعتقدون أو يميلون إلى الاعتقاد بأن الناتو سيكون على استعداد للقتال من أجل البلاد إذا تعرضت لهجوم، بينما يعتقد 41% أن هذا الأمر مستبعد.
وقد دفع هذا الوعي بمسؤوليتهم الخاصة عن الدفاع إلى تطوير الحرس الوطني في دول البلطيق وهي قوات دفاعية متطوعة مكلفة بجعل احتلال المنطقة مستحيلا في حالة وقوع هجوم روسي. قالت سيجيتا ستروبيرجا، الأمينة العامة لمنظمة عبر الأطلسي اللاتفية، إن اللاتفيين باتوا يفهمون بشكل متزايد أنه لا يوجد جيش منفصل لحلف الناتو، بل إن “الناتو هو نحن”.
تابعت ستروبيرجا”مع الأخذ في الاعتبار عدد الذين يؤدون الخدمة العسكرية الإلزامية، والجيش النظامي، فإن العدد لا يزال غير كاف. نحن بحاجة إلى الحرس الوطني”.
تعزيز وجود حلف شمال الأطلسي
وفي إطار الاستعدادات لتقليص مشاركة الولايات المتحدة في حلف الناتو، يشير بوتابكنز إلى نشر وحدات عسكرية حليفة من دول أخرى. وتتمركز هذه القوات في كل دولة من دول البلطيق. في ليتوانيا، يشمل ذلك اللواء المدرع الألماني الخامس والأربعين. ويبلغ عدد أفراده حاليا حوالي 1800 جندي، وهناك خطط لزيادة عددهم إلى 4800 عسكري و200 موظف مدني بحلول عام 2027.
تضم لواء متعدد الجنسيات بقيادة كندية في لاتفيا حوالي 2000 فرد. وفي إستونيا، يتمركز حوالي 1500 جندي كجزء من مجموعة قتالية متعددة الجنسيات بقيادة المملكة المتحدة.
أوضح بوتابكنز: “إن زيادة عدد القوات باتت الآن على رأس أولويات الدبلوماسيين والعسكريين على حد سواء في المحادثات مع الشركاء. وهذه إحدى الحالات التي يكون فيها العدد الأكبر أفضل”.
بالإضافة إلى ذلك، يرى أن على دول البلطيق الإسراع في تجهيز بنيتها التحتية العسكرية من خلال أنظمة مضادة للدبابات وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة تحسبا لمراجعة الولايات المتحدة لدورها في حلف الناتو. فإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن يركز حلفاء الناتو الآخرون على أمنهم الخاص، مما يترك لدول البلطيق مجالا ضيقا لمتابعة مثل هذه المشاريع.
يشير المسار الحالي إلى أن دول البلطيق تتجه نحو مرحلة إعادة تموضع إستراتيجي، قوامها تقليل الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة دون التخلي عن المظلة الأطلسية. فالتصريحات المتكررة التي تشكك في التزامات واشنطن، إلى جانب التحولات في أولوياتها العالمية، تدفع هذه الدول إلى تبني مقاربة مزدوجة: تعزيز القدرات الذاتية، وتعميق الارتباط بالشركاء الأوروبيين.
من المرجح أن تواصل دول البلطيق رفع إنفاقها الدفاعي وتوسيع قواتها الاحتياطية، خاصة الحرس الوطني، بهدف جعل أي تهديد روسي مكلفا وغير قابل للتحقيق. كما ستسعى إلى تسريع تحديث بنيتها العسكرية، مع التركيز على الدفاع الجوي والتصدي للطائرات المسيرة، وهي دروس مستخلصة بوضوح من حرب أوكرانيا.
من المتوقع أن يزداد الاعتماد على قوى مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وكندا لملء أي فراغ محتمل قد تتركه الولايات المتحدة. وقد يشهد ذلك تحولا تدريجيا داخل حلف الناتو نحو توزيع أكثر توازنا للأعباء، مع بروز دور أوروبي قيادي في الجناح الشرقي للحلف.
تبقى المخاطر قائمة. فإذا تزامن تراجع الالتزام الأمريكي مع تباطؤ أوروبي في التعويض، فقد تجد دول البلطيق نفسها في وضع أمني هش نسبيا، خصوصا في ظل استمرار التوتر مع روسيا. كما أن الإفراط في الرهان على الردع فقط دون تطوير أدوات دبلوماسية موازية قد يزيد من احتمالات التصعيد.
إن مستقبل الأمن في البلطيق سيتحدد بقدرة هذه الدول على تحقيق توازن دقيق بين الردع العسكري، والتكامل الأوروبي، والحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة، في بيئة دولية تتسم بتزايد عدم اليقين.


