
جريدة الحرة بيروت
بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش
تصاعدت المخاوف الأمنية في الساحة الأوروبية مؤخراً لتسلط الضوء مجدداً على شبكات النفوذ والأنشطة الاستخباراتية الروسية، لا سيما في العاصمة الألمانية برلين التي وجدت نفسها في قلب عاصفة دبلوماسية جديدة تتقاطع فيها خيوط الاستخبارات والسياسة والإعلام وسط توترات متصاعدة مع موسكو.
أزمة طرد الصحفية فيدوروفا
تصاعد التوتر بين باريس وموسكو مطلع الشهر الجاري إثر اتخاذ السلطات الفرنسية قراراً حاسماً بإبعاد الإعلامية الروسية كزينيا فيدوروفا، التي شغلت سابقاً منصب مديرة الفرع الفرنسي لقناة “آر تي”، وذلك بدعوى ترويجها لدعاية داعمة للكرملين. وقد ثبت القضاء الفرنسي هذا القرار رافضاً طعناً تقدمت به المعنية، بينما نددت روسيا بشدة بالخطوة واعتبرتها عملاً من أعمال الاضطهاد السياسي الموجه. وفي السياق ذاته، تعمل فيدوروفا حالياً معلقة لدى شبكة إعلامية تابعة للملياردير الفرنسي المحافظ فنسنت بولوري، وسط تقارير تؤكد أنها لا تكتفي بمجرد الدعاية، بل تسهم بفاعلية في نشر التضليل الإعلامي عبر القارة الأوروبية، وصولاً إلى سعيها الأخير لتولي مقاليد إدارة “البيت الروسي” في العاصمة الألمانية برلين.
وثائق فرنسية تلاحق “البيت الروسي”
أشارت وثائق رسمية صادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية، ونقلها موقع “تاغسشاو” الألماني الواسع الاطلاع، إلى أن “البيت الروسي للعلوم والثقافة” في برلين –الذي يعود تاريخ افتتاحه إلى عام 1984 إبان الحقبة الشيوعية– لا يقتصر دوره المعلن على استقطاب الجالية الروسية أو تعزيز الروابط الثقافية، بل يُستغل بفعالية كستار خفي لأجهزة الاستخبارات الروسية. وتدير هذه المؤسسة وكالة حكومية تابعة لوزارة الخارجية الروسية فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات صارمة عليها عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، مما فرض قيوداً مشددة جعلت البيت الروسي عاجزاً عن التصرف بحرية في حسابه لدى البنك المركزي الألماني، إذ بات لزاماً الحصول على موافقة البنك لكل تحويل مالي. وفي المقابل، سارعت إدارة المؤسسة إلى نفي هذه الاتهامات برمتها، مشددة على طابعها الثقافي البحت واستنادها إلى اتفاق حكومي ثنائي ساري المفعول، كما أنكرت وجود أي توجه أو معلومات بشأن تولي فيدوروفا إدارتها.
أصوات ألمانية تطالب بالإغلاق
ارتفعت حدة الضغوط السياسية والبرلمانية في ألمانيا للمطالبة بإنهاء وجود هذه المؤسسة الروسية وإغلاقها نهائياً، حيث برز موقف النائب عن حزب الخضر في البرلمان الألماني، روبين فاغنر، الذي اعتبر “البيت الروسي” بمثابة مركز دعائي بحت وأداة رئيسية من أدوات الحرب المعلوماتية الروسية. ورغم تصاعد هذه المطالب، تجنب السلطات الألمانية حتى الآن ربط المؤسسة علنياً ورسمياً بأجهزة الاستخبارات، مفرقةً بذلك بين وضعها ووضع السفارة والقنصليات العامة الروسية التي يقر “مكتب حماية الدستور” (الاستخبارات الداخلية) بوجود عناصر أمنية تعمل فيها تحت غطاء دبلوماسي وتتمتع بالحصانة. ويبدو أن الحكومة الألمانية تحرص بحذر شديد على عدم تبني موقف شديد الانتقاد تجاه المؤسسة الروسية، تفادياً لدفع الكرملين نحو اتخاذ إجراءات انتقامية مماثلة تستهدف المؤسسات الألمانية الحيوية في روسيا، وعلى رأسها معاهد “غوته”.
تعيش الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في ألمانيا حالة تأهب واستنفار قصوى وسط تزايد مطرد للمؤشرات التي تؤكد تعرض البلاد لمحاولات تجسس ومراقبة مكثفة تقف خلفها أجهزة الاستخبارات الروسية. فقد رصد كل من جهاز الاستخبارات الخارجية ونظيره الداخلي ارتفاعاً ملحوظاً في الحوادث المشبوهة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، متخوفين من تصاعد عمليات الاستطلاع الميداني، أو الترهيب، أو الهجمات الهجينة المحتملة التي تستهدف مؤسسات الدولة والبنى التحتية الحساسة. وتعكس هذه الإجراءات الاستثنائية حجم القلق العميق الذي يساور صناع القرار في برلين حيال التهديدات المتزايدة، مما يدفع الأجهزة المعنية إلى الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية وتعزيز منظومات الحماية لمقارها وموظفيها لمواجهة أي تطورات أمنية مفاجئة.
آفاق الصراع الأمني في برلين
تؤشر هذه التطورات المترابطة والمتلاحقة إلى دخول العلاقات الأمنية والسياسية بين برلين وموسكو مرحلة بالغة الحساسية والتعقيد، حيث يتوقع أن تزداد حدة الضغوط البرلمانية والحزبية داخل الساحة الألمانية لدفع الحكومة نحو اتخاذ خطوات أكثر صرامة وحسماً تجاه شبكات النفوذ والواجهات الروسية المتعددة. هذا الواقع يضع صانع القرار الألماني أمام معادلة استراتيجية شديدة الدقة؛ فهي تقوم على محاولة إيجاد توازن صعب بين حماية الأمن القومي الداخلي ومنع أي اختراقات استخباراتية،
وفي الوقت ذاته تجنب الانزلاق نحو مواجهة دبلوماسية مفتوحة وواسعة النطاق مع الكرملين قد تسفر عن تداعيات عكسية تضر بالمصالح الثقافية والدبلوماسية المتبادلة بين البلدين، مما يجعل التعامل مع ملف “البيت الروسي” اختباراً حقيقياً لمدى قدرة برلين على إدارة أزمات الحرب الهجينة بحكمة وحزم مدروس.
أبعاد أوروبية أوسع للمواجهة
من زاوية أخرى، تتجاوز هذه الأزمة الحدود الألمانية البحتة لتشكل اختباراً حقيقياً لمدى تضامن وتنسيق الأجهزة الأمنية والاستخباراتية داخل الاتحاد الأوروبي في مواجهة شبكات التأثير الروسية العابرة للحدود. فتبادل التقارير الاستخباراتية الحساسة –مثل الوثائق الفرنسية التي أماطت اللثام عن تحركات فيدوروفا– يعكس مساعي أوروبية جماعية لتوحيد الرؤى والجهود الرامية إلى تحصين الجبهة الداخلية للقارة ضد أساليب الحرب الهجينة والسيادة الرقمية والإعلامية.
وبذلك، فإن أي قرار تتخذه برلين حيال مستقبل “البيت الروسي” لن يقتصر صداه على الداخل الألماني فحسب، بل سيمثل مؤشراً رئيسياً على مدى قدرة العواصم الأوروبية على تبني استراتيجية موحدة وحازمة لتقويض أنشطة الاستخبارات الروسية والتصدي لحملات التضليل الممنهجة على مستوى القارة بأسرها.


