جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد أزمة معيشية عابرة، بل بدأت تتحول إلى عامل ضغط على بنية النظام نفسه. فمع تفاقم أزمة الطاقة والوقود، وتراجع الموارد، وارتفاع كلفة المواجهة الخارجية، يتزايد التباين داخل السلطة حول كيفية التعامل مع الواقع الاقتصادي، وما إذا كان المطلوب احتواء الأزمة وإدارتها، أم الاعتراف بحجمها ومصارحة المجتمع بحقيقة الوضع.
الرئيس يصارح الشعب بالكارثة
تكتسب التحذيرات من تداول الحديث علنًا عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية داخل مؤسسات الحكم دلالة سياسية، لأنها تعكس خشية من أن يتحول الاعتراف بحجم الأزمة إلى مصدر خلاف داخل السلطة، أو إلى عامل إضافي لتأليب الشارع. غير أن الرئيس مسعود بيزشكيان اختار، في 29 أغسطس/آب، لهجة أكثر صراحة عندما تحدث عن صعوبة الوضع الاقتصادي وضرورة ترشيد الاستهلاك وتخفيف الأعباء، خصوصًا في ظل أزمة الطاقة التي تواجهها البلاد، وذلك خلال مقابلة صحفية مطولة مع صحفيين ووسائل إعلام هندية.
وتبدو أهمية موقف بيزشكيان في أنه يأتي في لحظة لم تعد فيها الحكومة قادرة على التعامل مع أزمة الطاقة باعتبارها مشكلة تقنية يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة. فالنقص في الوقود والكهرباء، وتراجع الموارد المالية اللازمة للاستيراد، والضغوط الناجمة عن العقوبات والحرب، كلها عوامل تجعل الأزمة جزءًا من معادلة سياسية وأمنية أوسع.
الحقيقة المؤلمة تظهر إلى العلن
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب بيزشكيان باعتباره محاولة لنقل حقيقة الأزمة من الغرف المغلقة إلى المجال العام. فهو لا يعلن فقط أن الموارد محدودة، وإنما يهيئ المجتمع نفسيًا لإجراءات قد تكون مؤلمة، من ترشيد الاستهلاك إلى إعادة النظر في الدعم والأسعار، وصولًا إلى مطالبة المواطنين بتحمل جزء من كلفة المرحلة المقبلة.
لكن اللافت أن هذا الاعتراف العلني يمكن أن يُفهم أيضًا بوصفه مؤشرًا على وجود مساحة من التباين داخل السلطة الإيرانية. فالرئيس، الذي يواجه ضغوطًا اقتصادية واجتماعية مباشرة، يجد نفسه مضطرًا إلى مخاطبة المجتمع بلغة واقعية، بينما تظل مؤسسات أخرى داخل النظام أكثر تمسكًا بأولوية الأمن والمواجهة الإقليمية والحفاظ على الخيارات الاستراتيجية القائمة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن بيزشكيان يوجه دعوة مباشرة إلى الإيرانيين لمواجهة المرشد أو الحرس الثوري، فهذا استنتاج يحتاج إلى دليل صريح. لكن مجرد انتقال الخطاب الرسمي من محاولة احتواء الحديث عن الأزمة إلى الاعتراف العلني بخطورتها يفتح بابًا سياسيًا مهمًا. فإذا كانت الحكومة نفسها تقول إن الموارد لم تعد كافية وإن البلاد مقبلة على مرحلة اقتصادية صعبة، فإن السؤال الطبيعي الذي قد يطرح داخل المجتمع هو: أين تذهب موارد الدولة، وما الأولويات التي ينبغي تقديمها في مرحلة الأزمات؟
الأزمة الاقتصادية ودور الحرس الثوري
وهنا تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع دور الحرس الثوري وخيارات إيران الإقليمية. فكلما اتسعت دائرة المواجهة الخارجية، ازدادت الكلفة التي تتحملها الدولة، في وقت تحتاج فيه إيران إلى توجيه موارد أكبر نحو الداخل لمعالجة أزمات الطاقة والوقود والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.
ومن ثم، فإن استمرار سياسة المواجهة قد يصبح موضوعًا للنقاش الداخلي، ليس فقط باعتباره خيارًا أمنيًا، بل باعتباره أيضًا خيارًا اقتصاديًا له ثمن مباشر على حياة الإيرانيين. وكلما ازدادت الضغوط على موارد الدولة، أصبح السؤال حول أولويات الإنفاق أكثر إلحاحًا، خصوصًا عندما يجد المواطن نفسه أمام نقص في الوقود والطاقة وارتفاع في تكاليف المعيشة.
المرحلة المقبلة صعبة على إيران
وهذه هي النقطة الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة. فالنظام الإيراني استطاع لسنوات امتصاص آثار العقوبات والأزمات الاقتصادية من خلال تحميل المجتمع جزءًا كبيرًا من الكلفة، لكن استمرار تراجع القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية قد يجعل المعادلة أكثر صعوبة. فعندما يصبح الوقود والطاقة والغذاء والخدمات اليومية جزءًا من الأزمة، يتراجع هامش قدرة السلطة على فصل الاقتصاد عن السياسة.
لذلك، فإن تصريحات بيزشكيان في 29 أغسطس/آب يمكن النظر إليها باعتبارها أكثر من مجرد تحذير اقتصادي. إنها إشارة إلى أن الأزمة أصبحت بالغة العمق، بحيث لم يعد ممكنًا إخفاؤها خلف الخطاب السياسي أو الأمني. وقد تكون الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذا الموقف أن الدولة الإيرانية نفسها بدأت تعترف بأن قدرتها على إدارة الأزمات تتعرض لضغط متزايد.
وفي حال استمرت الأزمة، فإن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار أو نقص الوقود، بل في انتقال الأزمة من أزمة موارد إلى أزمة ثقة. وعندما يبدأ المواطن في التساؤل عن قدرة الدولة على تأمين احتياجاته الأساسية، وعن الأولويات التي تُنفق عليها موارد البلاد، فإن الاحتقان الاقتصادي يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى اعتراض سياسي.
المواجهة الاقتصادية تفرض تبديل الأولويات
ومن هنا، فإن مواجهة الأزمة الاقتصادية قد تصبح في المرحلة المقبلة جزءًا من الصراع على اتجاه الدولة الإيرانية نفسها: هل تستمر في إعطاء الأولوية للمواجهة الخارجية وبناء النفوذ الإقليمي، أم تضطر إلى إعادة توجيه جزء أكبر من مواردها نحو الداخل؟
وهذا السؤال قد يصبح أكثر إلحاحًا كلما طال أمد الأزمة، لأن الاقتصاد لم يعد مجرد ملف حكومي منفصل عن السياسة الخارجية، بل بات مرتبطًا مباشرة بقدرة النظام على الحفاظ على استقراره الداخلي وتمويل خياراته الاستراتيجية.
وفي هذه المعادلة، قد يجد بيزشكيان نفسه بين ضغط الشارع من جهة، ومراكز القوة داخل النظام من جهة أخرى. فالرئيس الذي يواجه مطالب اجتماعية متزايدة سيكون أمام ضرورة تحقيق توازن صعب بين متطلبات الداخل وحسابات المؤسسات النافذة، بينما يصبح الاقتصاد تدريجيًا أحد أهم ميادين الصراع السياسي داخل إيران.
وبذلك، قد لا تكون المعركة المقبلة في إيران مجرد معركة حول سعر البنزين أو تأمين الطاقة، وإنما معركة حول أولويات الدولة نفسها. فكلما ضاقت الموارد واتسعت الاحتياجات، أصبح على السلطة أن تختار بين الاستمرار في تحمل كلفة المواجهة الخارجية، أو إعادة ترتيب حساباتها بما يمنح الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي أولوية أكبر. وفي هذه اللحظة تحديدًا، قد يتحول الاعتراف بالأزمة من مجرد خطاب حكومي إلى بداية نقاش أوسع حول مستقبل النظام وخياراته.


