الأكثر قراءة

الأسرى يعودون وإسرائيل تتقدم… من يرسم قواعد اللعبة الجديدة في لبنان؟

جريدة الحرة بيروت

الدكتور محمد حلاوي

بقلم د. محمد حلاوي
في أقل من أربع وعشرين ساعة، حمل المشهد اللبناني–الإسرائيلي صورتين تبدوان متناقضتين: الأولى تمثلت في إعادة محتجز لبناني يوم امس الخميس من إسرائيل عبر الصليب الأحمر الدولي والجيش اللبناني إضافة إلى إطلاق أربع اخرين صباح اليوم الجمعة 4 سبتمبر، كأول نتيجة ملموسة لمسار تفاوضي رعته واشنطن وتعرض لكثير من التشكيك. والثانية تمثلت في إعلان بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيلي تحقيق «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر في الجنوب، بعد عملية استهدفت موقعاً تعتبره تل أبيب مركزاً حيوياً للبنية العسكرية لحزب الله.
لا دليل ميدانياً حتى الآن على وجود صفقة مباشرة بين الملفين، لكن الدور الأميركي في ملف الأسرى، والحضور الأميركي–الإيراني في خلفية أزمة علي الطاهر، يجعلان التزامن جديراً بالقراءة؛ لمعرفة ما إذا كنا أمام ملامح مرحلة جديدة تتحرك فيها المفاوضات والعمليات العسكرية بالتوازي.

الأسرى… أول ثمار التفاوض
لم يبدأ ملف المحتجزين مع زيارة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى إسرائيل، بل كان حاضراً في الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلي في روما. لكن زيارة عيسى ولقاءه نتنياهو نقلا الملف من التفاوض إلى التنفيذ، مانحين الحكومة اللبنانية النتيجة التي افتقدتها لتقديمها للرأي العام، وهو ما يفسر ترحيب رئيس الحكومة نواف سلام وشكره السفير وواشنطن معاً.
في المقابل، لم تكن الخطوة «هدية إسرائيلية»؛ إذ ربطها مكتب نتنياهو بالتعاون اللبناني في البحث عن رفات شخصيات يهودية فقدت خلال ثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى نفي التحقيقات انتماء المفرج عنهم لتنظيمات مسلحة. ونحن هنا أمام تفاهم محدود ومتبادل لا بادرة حسن نية أحادية، خصوصاً أن الإفراج تزامن مع عملية إسرائيلية في «حلتا» انتهت باقتياد أشخاص جدد؛ في مفارقة تختصر المرحلة: إسرائيل تفرج وتعتقل، وتفاوض وتقاتل في الوقت نفسه.

علي الطاهر… الرهان على البقاء
تتجاوز أهمية مرتفعات علي الطاهر ما تعلنه إسرائيل عن وجود أنفاق ومراكز قيادة؛ إذ يمنحها موقعها وارتباطها بالعمق باتجاه إقليم التفاح قيمة عسكرية وجغرافية استثنائية. ووفق تقارير دولية، سبقت العملية اتصالات إيرانية–أميركية غير مباشرة عبر سلطنة عُمان تحذر من تداعيات الهجوم.
غير أن مصطلح «السيطرة العملياتية» لا يعني احتلالاً دائماً بالضرورة. السؤال الحقيقي ليس هل دخلت إسرائيل علي الطاهر، بل هل ستبقى؟ فإن أعادت قواتها الانتشار بعد التدمير، سنكون أمام توسع خطير في حرية العمل العسكري الإسرائيلي داخل لبنان. أما إذا تحول المرتفع إلى موقع ثابت، فسنكون أمام تغيير في خريطة السيطرة الميدانية. وفي الحالتين، تجب الملاحظة أن حرب الروايات تسير بالتوازي مع الميدان، خصوصاً بعد تراجع التقديرات الإسرائيلية التي تحدثت أولاً عن وجود عناصر وضباط إيرانيين في المنطقة.

حسابات حزب الله وخلاف السلطة
سياسياً، هاجم حزب الله اتفاق الإطار ومسار السلطة التفاوضي معتبراً أنه يوفر غطاءً للعمليات الإسرائيلية، لكنه لم يقدم رواية عسكرية مضادة بشأن علي الطاهر. هذا التريث قد يعود لانتظار اتضاح طبيعة التواجد الإسرائيلي (مؤقت أم دائم)، أو لحسابات ميدانية وسقف إقليمي يتجنب توسيع الحرب.
في الداخل اللبناني، كشفت التطورات عمق الخلاف حول مفهوم التفاوض: فالرئيس جوزيف عون يتمسك باتفاق الإطار شاملاً الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح والسلطة الأمنية بيد الدولة، بينما يجدد الرئيس نبيه بري رفض الاتفاق والتفاوض تحت النار، متسائلاً عما حققته الجولات السبع في ظل استمرار الاحتلال.
وهنا تبرز المعضلة الأكبر: الدولة تملك الشرعية الدستورية للتفاوض لكنها لا تحتكر القرار العسكري، وحزب الله يمتلك القدرة العسكرية الميدانية دون شرعية التفاوض باسم الدولة.

إدارة الصراع وشبح الواقع الدائم
لا يمكن فصل تحركات الجنوب عن الصراع الإقليمي؛ فعندما تصبح تلة لبنانية موضوع رسالة تحذير إيرانية لواشنطن عبر مسقط، يتضح أن الحدود باتت جزئية من مواجهة أكبر. والربط بين ملف الأسرى وعلي الطاهر يكمن في واشنطن نفسها، التي تسعى لإحراز مكاسب تفاوضية محدودة للدولة اللبنانية، مع الإبقاء على الضغط العسكري الإسرائيلي ضد حزب الله تحت سقف يمنع الانفجار الإقليمي.
لكن السيناريو الأخطر ليس انهيار المفاوضات، بل “نجاحها الجزئي”: أن يعود الأسرى وتتراجع إسرائيل عن بعض النقاط مع احتفاظها بمرتفعات حيوية، لينتهي الأمر بتحول الواقع المؤقت إلى دائم، وهي تجربة شديدة الحساسية في الذاكرة اللبنانية.
إن المعيار الحقيقي لنجاح اتفاق الإطار لا يقاس بعدد الاجتماعات أو الملفات الجزئية، بل بمدى قدرته على استعادة سيادة الدولة الكاملة، بدلاً من إدارة تفاوضية لاحتلال يتراجع في مكان ويترسخ في آخر.

خلاصة القول، خلال أربع وعشرين ساعة، ملف الأسرى وعلي الطاهر نموذجاً مصغراً عن المرحلة المقبلة:
– إسرائيل تفاوض وتقاتل.
– ⁠الدولة تفاوض وتطالب بالانسحاب.
– ⁠حزب الله يرفض المسار ويتريث ميدانياً.
– ⁠واشنطن تحاول تحويل الاختراقات الصغيرة إلى مسار سياسي.
– ⁠وإيران تحاول التأثير في حدود اللعبة.

ويبقى السؤال الأكبر:

هل يستطيع لبنان توحيد القرار السياسي والأمني داخل الدولة قبل أن تتحول الوقائع المؤقتة التي تفرض اليوم على الأرض إلى خريطة دائمة للغد؟
ذلك، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لاتفاق الإطار… وللدولة اللبنانية نفسها.

https://hura7.com/?p=84200

الأكثر قراءة