الأكثر قراءة

الأسطول السري لناقلات النفط في مضيق هرمز والموقف الروسي

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي


يمتلك مضيق هرمز، وفقًا لبعض التقارير، أسطولًا سريًا خاصًا به، إذ بدأت ناقلات النفط المكوكية بالإبحار عبر المضيق متخفية عن إيران من خلال إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها. وإذا صحّت هذه المعلومات، فإن ذلك يعني وجود أسطول سري ثانٍ في العالم. غير أن هذه الرواية تثير العديد من التساؤلات حول مدى صحتها، والأسباب التي قد تدفع إلى نشر مثل هذه الأخبار، والجهات التي يمكن أن تستفيد منها.

ولا يقتصر تأثير التأخير في حل الأزمة في مضيق هرمز على خلق حالة من عدم اليقين في الأسواق، حيث يمكن أن ترتفع أسعار النفط ثم تنخفض بشكل حاد في غضون أيام، بل تشير التقارير إلى أن ناقلات نفط مكوكية سرية بدأت بالإبحار عبر المضيق. ووفقًا لتقرير بلومبيرغ، تعبر هذه الناقلات مضيق هرمز خلسةً بعد إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال لتجنب رصدها، ثم تُسلّم النفط إلى سواحل خليج عُمان، حيث تُنقل الشحنة إلى سفن أكبر تبحر بدورها علنًا إلى مشترين حول العالم.

الولايات المتحدة وأسعار النفط العالمية

برزت مسألة تأثير الولايات المتحدة في أسعار النفط العالمية، خاصة مع تصريحات وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، الذي صرّح بأن تسعة ملايين برميل يوميًا كانت تعبر المضيق خلال الأسبوع الماضي. غير أن هذه الكمية تُعد كبيرة، إذ تُقدّر السوق الشحنات بأربعة ملايين برميل فقط يوميًا، الأمر الذي أثار مزيدًا من التساؤلات حول دقة هذه الأرقام وحقيقة حركة النفط عبر المضيق.

ويرى الخبراء أن نظام النقل المكوكي ممكن تمامًا، معتبرين أن لمضيق هرمز أسطولًا خفيًا خاصًا به، بالمعنى الحرفي وليس بالمعنى المرتبط بالعقوبات. وتشير هذه الرؤية إلى أن هذه الناقلات تعود إلى دول الخليج، وأنها تخفي مساراتها لأسباب أمنية، فيما تتمثل الجهات الرئيسية المستخدمة لهذا النظام في الإمارات والعراق والكويت وقطر. وتتحمل هذه الدول مخاطر كبيرة، لأن توقف صادراتها قد يلحق بها ضررًا اقتصاديًا أكبر من المخاطر المرتبطة بالرحلة نفسها.

ومع ذلك، يظل تحديد حجم هذه الشحنات أمرًا صعبًا، إذ إن إيقاف نظام التعرّف الآلي (AIS) لا يجعل الناقلة غير مرئية للأقمار الصناعية والرادارات الساحلية، لكنه يخرجها من الإحصاءات التجارية القياسية. كما أن السفن الصغيرة تعبر المضيق وتنقل النفط إلى ناقلات أكبر بالقرب من عُمان، وهو ما قد يؤدي إلى احتساب البرميل الواحد مرتين إذا لم تتم عملية الحساب بدقة. ولذلك، فإن عبور تسعة ملايين برميل يوميًا يظل ممكنًا من الناحية العملية، لكنه لا يمكن اعتباره مؤكدًا في الوقت الحالي، ويمكن التحقق من هذه الأرقام خلال أسابيع قليلة باستخدام إحصاءات تفريغ الشحنات في الموانئ الآسيوية.

تهريب النفط عبر مضيق هرمز

يبدو وضع شحنات النفط عبر مضيق هرمز، بحسب بافيل سيفوستيانوف، الحاصل على دكتوراه في العلوم السياسية والأستاذ المشارك في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، واقعيًا للغاية. فالمخاطر تتحملها بالدرجة الأولى الجهات التي تعتبر الحفاظ على صادراتها أمرًا بالغ الأهمية من الناحية الاقتصادية. وتسمح عمليات الشحن العابر بنقل النفط من منطقة الخطر ثم شحنه عبر الطرق المعتادة، رغم أن ذلك يؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين.

الموقف الروسي من عمليات تهريب النفط الإيراني

في المقابل، يرى إيغور يوشكوف، الخبير في الصندوق الوطني لأمن الطاقة، أن هذه القصة قد تكون مجرد خبر زائف. ويستند في ذلك إلى عدة أسباب؛ أولها أن المعلومات تستند إلى مصادر مجهولة لم يؤكدها أحد، وثانيها عدم وضوح سبب انتقال شركات التأمين من الخوف سابقًا من تأمين ناقلات النفط التي تحاول عبور المضيق إلى السماح بذلك فجأة، فضلًا عن عدم وضوح ملكية هذه الناقلات. كما وردت تقارير متكررة عن ناقلات نفط حاولت الإبحار في طرق خارجة عن سيطرة إيران، لكنها اصطدمت بالألغام.

ومن هنا يمكن طرح تساؤل حول سبب عدم اصطدام هذه الناقلات بالألغام في الوقت الحالي، رغم إبحارها بأعداد كبيرة مع إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها. فإذا كان الأمر يتعلق بتحرك جماعي للناقلات، فمن المفترض أن تكون إيران قد رصدتها على أي حال، وهو ما كان سيجعل استهدافها أكثر سهولة. إلا أن الأمر يبدو مختلفًا، إذ لا أحد يلاحظ هذه الناقلات، بينما بدأت بلومبيرغ فجأة في نشر هذه المعلومات، وهو ما يثير الشكوك حول حقيقة هذه الرواية.

تسريب المعلومات ودور الولايات المتحدة

يرى يوشكوف أن تسريب هذه المعلومات قد يكون بتدبير من الولايات المتحدة، التي تسعى إلى خفض أسعار النفط العالمية، وبالتالي خفض أسعار الوقود المحلية قبل انتخابات الكونغرس، بما قد يسهم في تخفيف حدة الاحتجاجات ضد الجمهوريين ودونالد ترامب. كما لا يستبعد أن تكون هذه المعلومات جزءًا من مناورة أمريكية إيرانية تهدف إلى تعزيز موقف واشنطن التفاوضي.

ويطرح في هذا السياق تساؤلًا مفاده: لماذا قد تقدم الولايات المتحدة أي شيء لإيران أو تتفاوض معها إذا كان المضيق قد بدأ بالفعل بالعمل؟ وبذلك، يظل الوضع الحقيقي غير معروف، في ظل وجود أسباب عديدة وجهات فاعلة متعددة وراء هذا النوع من التكهنات.

وفي الوقت نفسه، بدأت دول الشرق الأوسط في تحويل تركيزها إلى طرق بديلة لإمدادات النفط. فالمملكة العربية السعودية تشغّل خط أنابيب الالتفاف بين الشرق والغرب بسعة تصل إلى سبعة ملايين برميل يوميًا، بينما تشغّل الإمارات العربية المتحدة خط أنابيب حبشان-الفجيرة بسعة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل. أما العراق، فينقل ما يزيد قليلًا على نصف مليون برميل يوميًا من حقل كركوك عبر تركيا إلى ميناء جيهان.

الموقف الروسي من محاولات حل الأزمة الإيرانية

يمكن القول إن الجميع يجري مفاوضات غير رسمية مع إيران نفسها. فالإمارات العربية المتحدة، وفقًا لتقارير إعلامية غربية، تقدم وعدًا ضمنيًا بالإفراج عن احتياطيات إيران المجمدة من العملات الأجنبية مقابل توقف إيران عن استهداف ناقلاتها أو قصفها. غير أن قرارات أبوظبي الأخيرة، وفقًا لما يطرحه النص، قد تشير إلى توجهات مختلفة عن التصورات الروسية، في حين تحاول روسيا الإيحاء بأن مختلف الأطراف مهتمة بإجراء صفقات مع إيران، كما تشير إلى أن الدول الأخرى قد تكون بصدد إجراء مفاوضات مماثلة بشأن فتح المضيق أمام سفنها.

ولا تستبعد روسيا أن ما يحدث ليس صفقة مباشرة، وإنما حيلة تقوم على تعطيل أجهزة الإرسال والاستقبال، بحيث تدفع دول الشرق الأوسط لإيران مقابل تجاهل ناقلاتها. فإيران بحاجة إلى المال، كما أنها تعاني من عدم قدرتها على بيع نفطها، في حين تواصل الولايات المتحدة منع ناقلات النفط الإيرانية من الخروج من مضيق هرمز، وهو ما يمثل مشكلة بالنسبة إلى إيران.

أما أسعار النفط، فتتأثر بصورة مباشرة بالأخبار المتداولة حول وضع المضيق. فعندما تظهر معلومات، حتى وإن كانت غير رسمية، حول مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران وإمكانية التوصل قريبًا إلى اتفاق لفتح مضيق هرمز، تنخفض أسعار النفط بسرعة. وفي المقابل، عندما تنتشر أخبار عن إغلاق المضيق، أو انفجار ناقلة نفط بسبب لغم، أو تعرضها لإطلاق نار من إيران، ترتفع الأسعار. وهكذا يحاول المتعاملون في الأسواق استشراف الوضع اعتمادًا على الأخبار المتغيرة.

روسيا وأزمة مضيق هرمز

وبالنسبة إلى روسيا، يرى النص أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يبقى مفيدًا من ناحية ارتفاع أسعار النفط نسبيًا. ويشير يوشكوف إلى أنه عند توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران انخفضت الأسعار خلال أسبوع من نحو 100 دولار إلى 75-80 دولارًا للبرميل، أي أنها انخفضت بصورة حادة وسريعة. ومن ثم، فإن حالة عدم اليقين الحالية، مع تذبذب الأسعار حول 85-90 دولارًا للبرميل، تصب في مصلحة روسيا، رغم أن الوضع قد يكون أسوأ بكثير.

وفي النهاية، يؤكد النص أن استمرار الأزمة أمر خطير، لأن ارتفاع أسعار النفط يضر بالطلب العالمي، ويزيد من تكاليف الشحن، ويضاعف الضغط على سوق الوقود المحلي. ولذلك، فإن تحقيق هامش ربح محدود يُعد أكثر فائدة لروسيا من الإغلاق الكامل لمضيق هرمز، في ظل استمرار ارتباط الاقتصاد العالمي بحركة النفط عبر هذا الممر الحيوي.

https://hura7.com/?p=83503

الأكثر قراءة