جريدة الحرة بيروت
خاص ـ اختتمت دولة الإمارات أسبوعاً حافلاً بالاجتماعات والمشاركات رفيعة المستوى على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة وأسبوع نيويورك للمناخ، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الاستعدادات النهائية لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، المقرر عقده في أبوظبي. وحاولت أبوظبي خلال هذه اللقاءات توسيع دائرة المشاركين في النقاش حول مستقبل المياه، لتشمل الحكومات والشركات والمستثمرين والمبتكرين والمؤسسات الإنسانية والباحثين والشباب والمجتمع المدني.
وترأس عبدالله بالعلاء، مساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة والاستدامة، وفد الإمارات المعني بالمياه، حيث قاد سلسلة من النقاشات مع شركاء دوليين ركزت على تحويل الاهتمام العالمي بأزمة المياه إلى التزامات قابلة للتنفيذ. وتوزعت المحادثات بين تعزيز الإرادة السياسية، وجذب الاستثمارات، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب معالجة الاحتياجات الإنسانية، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”. وشملت التحركات أيضاً لقاءات ثنائية هدفت إلى التعريف بأهداف مؤتمر المياه واستكشاف مساحات جديدة للتعاون الدولي، بما يعكس اتجاهاً نحو التعامل مع قضية المياه باعتبارها ملفاً يتجاوز الإدارة التقليدية للموارد، ويمتد إلى التنمية والاقتصاد والأمن الإنساني والتكنولوجيا.
من الاستجابة الإنسانية إلى بناء القدرة على الصمود
ركزت إحدى الفعاليات التي نظمتها وزارة الخارجية على العلاقة بين المياه والعمل الإنساني تحت عنوان “من الاستجابة إلى الصمود: تحويل الاستثمارات في مجال المياه في البيئات الضعيفة والإنسانية”. وناقشت الجلسة سبل الانتقال من معالجة أزمات المياه بعد وقوعها إلى بناء أنظمة أكثر قدرة على مواجهة الصدمات واستمرار الخدمات الأساسية في البيئات الهشة.
وطرح المشاركون أهمية الجمع بين التمويل والاستثمار وبناء القدرات والتكنولوجيا والحلول المحلية والقائمة على الطبيعة، بما يسمح بتحقيق نتائج مستدامة تتجاوز الاستجابة المؤقتة للأزمات. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في المناطق التي تتقاطع فيها ندرة المياه مع النزاعات والكوارث والنزوح وضعف البنية التحتية. وبعد عامين من المشاورات مع الدول الأعضاء والشركاء، استضافت الإمارات في مقر الأمم المتحدة جلسة رفيعة المستوى حملت عنوان “المياه أولوية استراتيجية: من التحديات العالمية إلى العمل الجماعي”، حيث دعا بالعلاء إلى الحفاظ على الزخم السياسي المحيط بقضايا المياه وترجمته إلى إجراءات عملية.
وضمت الجلسة ممثلين عن دول ومنظمات دولية، إلى جانب مسؤولين رفيعي المستوى من الاتحاد الأفريقي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمم المتحدة والإسكوا والبنك الدولي. وأظهرت المشاركة الواسعة أن قضية المياه باتت ترتبط على نحو متزايد بأجندات التنمية والاقتصاد والتعاون الدولي، وليس فقط بالقطاعات المعنية بإدارة الموارد المائية.
الاستثمار يحدد قدرة الحلول على الانتشار
انتقل النقاش كذلك إلى دور القطاع الخاص والأسواق المالية في معالجة أزمة المياه، من خلال لقاءات مع قادة الاستثمار والأعمال ضمن جلسة “عام المياه” التي نظمها المنتدى الاقتصادي العالمي، واجتماع نظمته غرفة التجارة الأمريكية حول دور التكنولوجيا في مواجهة التحدي المائي العالمي. وركز بالعلاء على فجوة أساسية بين توافر الحلول التقنية والقدرة على تطبيقها على نطاق واسع، موضحاً أن التحدي لا يكمن دائماً في ابتكار التكنولوجيا، بل في توفير التمويل اللازم لتوسيع استخدامها. وأشار إلى أن بناء أنظمة مياه قادرة على الصمود حول العالم يتطلب استثمارات تفوق ما تستطيع الحكومات توفيره منفردة.
وتفتح هذه الرؤية الباب أمام دور أكبر للبنوك التجارية والمستثمرين المؤسسيين ومؤسسات تمويل التنمية والبنوك متعددة الأطراف والمؤسسات الخيرية والشركات الخاصة. فتعامل الأسواق مع المياه باعتبارها أولوية اقتصادية واستثمارية يمكن أن يغير حجم الموارد المتاحة للمشروعات المائية، خصوصاً مع ارتفاع الضغوط المرتبطة بالإجهاد المائي وتغير المناخ.
الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة المياه
فرض الذكاء الاصطناعي نفسه بقوة على النقاشات الإماراتية في نيويورك، بعدما نظم وفد المياه سلسلة من الجلسات حول العلاقة المتشابكة بين المياه والطاقة والتكنولوجيا، بمشاركة قادة من القطاع الخاص والمبتكرين والمؤسسات المالية والمستثمرين والشباب. وفي “جولز هاوس”، ناقش بالعلاء مع مسؤولين من مايكروسوفت و500 غلوبال وإكساتومز الحاجة إلى الجمع بين الابتكار والاستثمار والإدارة المسؤولة للموارد. وطرح النقاش تصوراً يتجاوز استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة تقنية منفصلة، إلى اعتباره جزءاً من منظومة أوسع ترتبط بالبنية التحتية للطاقة والمياه التي تحتاجها الاقتصادات الرقمية. ويرتبط هذا التحول بصورة مباشرة بمراكز البيانات، التي تستهلك كميات متزايدة من الطاقة والمياه لتشغيل البنية التحتية الرقمية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى النظر إلى التوسع في الذكاء الاصطناعي بالتوازي مع قدرة شبكات المياه والطاقة على مواكبته، خصوصاً في المدن التي تسعى إلى استقطاب الاستثمارات الرقمية.
مراكز البيانات كجزء من الحل
أكد بالعلاء أن التحول في مجال الذكاء الاصطناعي يرتبط بدوره بتحول في مجال المياه، مشيراً إلى أن مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 سيتيح مساحة لمناقشة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمياه والطاقة، ليس فقط من زاوية مساهمة التكنولوجيا في نمو الاقتصادات، وإنما أيضاً من زاوية استدامة البنية التحتية التي تقوم عليها الثورة الرقمية. ويطرح هذا التصور إمكانية تحويل مراكز البيانات من مجرد مستهلك للبنية التحتية إلى منصة للابتكار المحلي، من خلال توظيف البيانات والخوارزميات لمساعدة المدن على تحسين إدارة المياه والطاقة، والتنبؤ بالمخاطر، وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات، وبناء شبكات أكثر كفاءة للأجيال المقبلة. وخلال جلسة حوارية مع إيان بريمر ضمن الاجتماع السنوي لمبادرة كلينتون العالمية، اتسع النقاش ليشمل البعد الاقتصادي للمياه، حيث جرى التأكيد على أن الاستثمار في هذا القطاع لا يرتبط بالبنية التحتية وحدها، بل يمتد إلى الإنسان نفسه، بما يحمله ذلك من آثار على الصحة والتعليم والإنتاجية والتنمية الاقتصادية.
التكنولوجيا في مواجهة الجفاف والفيضانات
وفي مقر البعثة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، ناقش وفد المياه الإماراتي مع مسؤولين ومبتكرين سبل توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات عملية، من بينها تحسين التنبؤات الهيدرولوجية والتخطيط لمواجهة الفيضانات والاستجابة للجفاف وإدارة الري، إلى جانب رفع كفاءة تخصيص الموارد المائية. وقد يفتح توظيف هذه التقنيات مجالاً لتغيير طريقة التعامل مع الأزمات المائية، عبر الانتقال من الاستجابة بعد وقوع المشكلة إلى التنبؤ بها والاستعداد لها مسبقاً. وتصبح البيانات في هذه الحالة جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار، خصوصاً عندما تتوافر أنظمة قادرة على معالجة كميات كبيرة من المعلومات وتحويلها إلى مؤشرات تساعد على التدخل المبكر.
ولم يقتصر النقاش على المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، إذ التقى بالعلاء مجموعة من طلبة جامعة نيويورك أبوظبي ومؤسسات أكاديمية أخرى، واستمع إلى أفكارهم بشأن توظيف الابتكار في إحداث تغيير ملموس في قطاع المياه.
الجامعات والشباب في قلب التحول
شارك بالعلاء والشيخة الدكتورة موزة بنت طحنون آل نهيان في كرنفال أكاديمي استعرض جانباً من جهود البحث والتطوير والابتكارات الرقمية التي تعمل عليها الجامعات الإماراتية لتعزيز القدرة على مواجهة تحديات المياه. وتعكس مشاركة المؤسسات الأكاديمية والشباب في هذه النقاشات توجهاً نحو توسيع مفهوم الحلول المائية، بحيث لا تبقى مسؤولية الحكومات والمؤسسات المتخصصة وحدها، بل تصبح مجالاً مفتوحاً للبحث العلمي وريادة الأعمال والتكنولوجيا والاستثمار. وتقود هذه المقاربة إلى تصور أوسع لمستقبل المياه؛ فالتحديات المقبلة لن تتحدد فقط بكمية الموارد المتاحة، وإنما بقدرة المجتمعات على إدارة هذه الموارد بكفاءة، وتوظيف التكنولوجيا لتوقع المخاطر، وتوفير التمويل اللازم، وتحويل الابتكارات إلى مشروعات قابلة للتوسع.
مؤتمر أبوظبي يبحث تحويل الطموحات إلى واقع
أظهرت المشاركات الإماراتية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وأسبوع نيويورك للمناخ أن ملف المياه يتحرك نحو مساحة أوسع تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والعمل الإنساني والبحث العلمي. وبذلك لم يعد مستقبل المياه شأناً خاصاً بالمؤسسات المائية، بل بات مرتبطاً أيضاً بقرارات شركات التكنولوجيا، واتجاهات المستثمرين، وأولويات المؤسسات الإنسانية، وأفكار الباحثين ورواد الأعمال، وقدرة المنصات الثقافية والمجتمعية على الوصول إلى الجمهور.
ومع اقتراب مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 في أبوظبي، تبدو المهمة الأساسية أمام المشاركين مرتبطة بتحويل هذا التوافق الدولي المتزايد إلى مشروعات وتمويلات وشراكات قابلة للتنفيذ. فالمؤتمر لا يأتي في لحظة تبحث فيها الدول عن حلول تقنية فحسب، وإنما في مرحلة تحتاج فيها تلك الحلول إلى أسواق وتمويل ومؤسسات قادرة على تطبيقها على نطاق واسع.
وتدعو الإمارات مختلف الأطراف إلى المشاركة في “الواحة” التابعة لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، مع فتح التسجيل المجاني أمام الراغبين في الانضمام إلى التحضيرات المرتبطة بالمؤتمر. ويمنح ذلك المسار مساحة إضافية للحكومات والشركات والباحثين والشباب والمجتمع المدني للمساهمة في النقاش العالمي حول كيفية تحويل التطلعات المتعلقة بالمياه إلى خطوات عملية قابلة للقياس والتنفيذ.
https://hura7.com/?p=85608