
جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تشكل معادلة الأمن القومي اللبناني ركناً محورياً لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الحسابات الجيوسياسية والتوازنات السيادية في فضاء يتأثر استقراره مباشرة بالمعادلات المحيطة. ويتعدى البعد المفهومي للأمن القومي الحدود العسكرية المباشرة المتمثلة في حماية الأراضي والحدود البرية والبحرية والجوية ومواجهة التهديدات، ليمتد إلى تحصين الاستقرار السياسي، والصون الدستوري، وإدارة التنوع الوطني بروح الحوار والتوافق بين جميع المكونات اللبنانية، بعيداً عن الاتهام والتحدي، فضلاً عن تحصين الأمن الاجتماعي والاقتصادي كشرط بنيوي لمعالجة الأزمات الراهنة وتحقيق التعافي المستدام.
وفي هذا السياق، تضطلع المؤسسات الرسمية والأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، والمديرية العامة لأمن الدولة، والأمن العام، بالدور الضامن للسيادة الوطنية وحماية الاستقرار الداخلي والخارجي، بما يضمن حصر القرار السيادي والمؤسسي بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، ويفسح المجال أمام تدعيم أركان الحكم الرشيد وإعلاء المصلحة الوطنية العليا.
ويتأصل هذا المسار السياسي والأمني في التفاعل المباشر مع محددات البيئة الإقليمية، وفي صدارتها طبيعة المواجهة المستمرة مع العدو الإسرائيلي وما تفرضه من تحديات ومخاطر على امتداد الحدود الجنوبية، إضافة إلى التنافس الجيوسياسي وتداعيات أزمات النزوح والتهجير القسري التي أثقلت كاهل البنى التحتية والاقتصادية.
لقد أدت التداعيات الميدانية والاعتداءات المتواصلة للعدو الإسرائيلي إلى خسائر بنيوية واقتصادية جسيمة قدرتها التقييمات الرسمية والتقريرية بأكثر من أربعة عشر مليار دولار، تشمل الأضرار المادية المباشرة والخسائر في القطاعات الحيوية، فضلاً عن مخاطر الاقتلاع الديموغرافي المحيط ببلدات الحافة الحدودية ومحاولات فرض مناطق عازلة تقتطع من السيادة الوطنية.
وأمام هذه التحديات، تثبت الدبلوماسية الرسمية مركزيتها في خوض جولات الحوار السياسي والدبلوماسي، ولا سيما عبر المحافل والمبادرات الدولية، لانتزاع انسحاب كامل لقوات العدو الإسرائيلي، ورفض الشروط المقيدة للسيادة، وتأمين الضمانات الدولية المكتوبة لحماية المدنيين، وتوفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار وضمان العودة الآمنة للنازحين إلى أراضيهم.
وفي إطار تعزيز الموقف اللبناني وتوسيع خيارات التوازن الداعم للسيادة، يبرز المحور العربي والإقليمي كعمق حيوي لا غنى عنه، وتحديداً من خلال العلاقات المتوازنة مع جمهورية العراق والشراكة مع جمهورية مصر العربية، فضلاً عن الانفتاح الدبلوماسي الوازن باتجاه تركيا. تشكل زيارة الرئيس جوزيف عون الأخيرة إلى أنقرة ومباحثاته مع الرئيس رجب طيب أردوغان محطة استراتيجية لتأطير مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، حيث جرى بحث تطوير التعاون الدفاعي، وتدريب الجيش اللبناني ودعمه بالمعدات والتجهيزات، إلى جانب المساهمة التركية في عمليات إعادة إعمار الجنوب والبنى التحتية.
وقد أظهرت هذه المحادثات حرص بيروت على بناء شراكات متوازنة تُبقي تركيا كطرف موازن وداعم لسيادة الدولة ومبادرات الاستقرار، لا سيما مع طرح ترتيبات الأمن والتنسيق الدولي في مرحلة ما بعد اليونيفيل. وفي الوقت ذاته، حرص لبنان على تقديم إيضاحات دبلوماسية تطمئن أنقرة بشأن الاتصالات والاتفاقات البحرية مع قبرص، متسلحاً بقواعد التوازن الدولي لتوضيح أن هذه التفاهمات تهدف حصراً لتثبيت الحقوق السيادية وإبعاد المنطقة عن التكتلات الصارمة.
وتكتمل هذه المعادلة بالتعاطي الحذر مع التفاهمات المسجلة على المسار الإيراني-الأمريكي، حيث تسعى بيروت لاستغلال أجواء التهدئة لخفض التوتر الحدودي وتحصين الساحة الوطنية من تداعيات تجاذبات المحاور. ويثبت الشريان الاقتصادي العراقي سنداً أساسياً لبيروت عبر استمرار التسهيلات النفطية، والوساطة لتمرير رسائل التهدئة، والتنسيق الاستخباري الفعال مع بغداد والقاهرة لمكافحة الإرهاب، بما يرسخ ركائز الاستقرار الأمني والاجتماعي.
ومن جانب آخر، لا يمكن للأمن القومي اللبناني أن يتشكل بالاعتماد على موازين القوى العسكرية البحتة، بل يمثل القانون الدولي خط الدفاع الأول للجمهورية. وفي هذا السياق، يتمسك لبنان بالمرجعيات القانونية للأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار 1701 وما تبعه من قرارات ذات صلة، باعتبارها الأداة الشرعية لإلزام العدو الإسرائيلي بالانسحاب الشامل ووقف الخروقات الجوية والبرية والبحرية.
إن أي نقاش حول تغيير مهمة القوات الدولية أو التعاطي مع الدور التركي أو العروض الإقليمية يجري تأطيره لبنانياً تحت مظلة الأمم المتحدة لضمان الاعتراف الدولي والحفاظ على المظلة الجامعة. وتتكامل هذه الرؤية مع اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لتثبيت الحدود البحرية وحماية حقول النفط والغاز من محاولات فرض الأمر الواقع، مما يحول ثروات المتوسط من فتيل صراع إلى درع اقتصادي محمي بالقانون الدولي.
تتوج هذه المقاربة الشاملة بقراءة استراتيجية تتضمن استنتاجات عميقة وتوقعات واقعية لمسار الأمن القومي والتعافي الوطني. فعلى صعيد الاستنتاجات الاستراتيجية، أثبتت الوقائع أن انتظام القرار الأمني والعسكري حصراً تحت مظلة المؤسسات الشرعية للدولة يشكل صمام الأمان الأساسي لتثبيت الموقف التفاوضي لصالح بيروت وتجنب الاستباحة الخارجية.
كما أن نجاح الدبلوماسية اللبنانية في الاستفادة من الانفتاح على أنقرة وتفادي الحساسيات المترتبة على الاتصالات مع قبرص، إلى جانب استثمار مناخات التفاهم حول الملف الإيراني، يتيح فصل المسار الوطني عن أزمات المنطقة المعقدة، مما يمنح الدولة الفرصة لصياغة ترتيباتها الأمنية الخاصة. ويظل التوازن المستدام رهيناً بالاستناد إلى شرعية القانون الدولي وبناء التحالفات العربية والإقليمية الوازنة التي تُقيد الأطماع الإسرائيلية وتصون السيادة والاستقلال.
أما على صعيد التوقعات الواقعية والمسارات المحتملة، فمن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة نجاحاً تدريجياً لتطبيق الترتيبات الأمنية في بلدات جنوب نهر الليطاني، مما يتيح للجيش اللبناني بسط سيطرته الكاملة بدعم الدعم العسكري التركي والعربي والدولي، مع بقاء التوتر رهناً بحسم النقاط الحدودية المتنازع عليها قانونياً وضمان الوقف التام لخروقات العدو الإسرائيلي.
وفي الشأن الداخلي، يتوقع اتجاه مختلف الأطراف نحو التكيّف التكتيكي والتراجع عن مظاهر التوتر تحت ضغط التفاهمات الإقليمية والرغبة الشعبية العارمة في التعافي، حيث تتزايد الحاجة لإدارة ملف السلاح عبر حوار توافقي وطني شامل تجنباً لأي اضطراب داخلي.
وسيتجه لبنان نحو تبني سياسة التوازن الإيجابي الذكي، مستنداً إلى التنسيق الدبلوماسي والدعم الاقتصادي الإقليمي، مع الاستفادة من كافة المبادرات الدولية لتأمين الاستحقاقات الأمنية الحرجة، وتثبيت المواطنين في أرضهم، وتأمين التمويل لإعادة الإعمار، وبناء مستقبل آمن يضمن استقلال القرار السياسي وحصانة الدولة.


