جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

مع تزايد التوترات العسكرية في منطقة الخليج، أصبحت الجزر الإيرانية في مضيق هرمز محط أنظار القوى الدولية، خصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبحث عن موطئ قدم في المنطقة. ومع تصاعد المخاوف بشأن أمن الخليج وتهديدات حرية الملاحة، أُثيرت الكثير من الأسئلة حول مصير هذه الجزر التي تُمثل حلقة وصل حيوية في معادلات القوى العسكرية والجيوسياسية في المنطقة.
إن أهمية هذه الجزر في الصراع القائم بين إيران والدول الغربية، وخصوصًا الولايات المتحدة، التي لم تستبعد خيارات ميدانية من ضمنها إرسال قوات من مشاة البحرية الأمريكية. تلك التحركات العسكرية تأتي في وقت يشهد فيه الخليج تغييرات في الاستراتيجيات العسكرية، حيث تتراوح السيناريوهات المحتملة بين تعزيز السيطرة الأمريكية على بعض الجزر الإستراتيجية أو تنفيذ عمليات محددة لاحتواء النفوذ الإيراني في هذه النقاط الحساسة.
الجزر الإيرانية: مفاتيح الأمن والسيطرة في مضيق هرمز
تعد الجزر الإيرانية الواقعة في مدخل مضيق هرمز من أبرز النقاط الاستراتيجية التي تهيمن عليها إيران. هذه الجزر، مثل قشم وهرمز ولارك، تتحكم بشكل كبير في حركة السفن عبر ممرات ضيقة، لا يتجاوز عرض بعضها عشرة كيلومترات، ما يجعلها مثالية للمراقبة أو حتى تعطيل الملاحة في حال التصعيد العسكري وهي :
-جزيرة قشم: تعد من أكبر الجزر الإيرانية في الخليج، وهي تشكل قاعدة متقدمة لطهران بفضل قربها من الساحل واتصالها بميناء بندر عباس. الجزر تحتضن منشآت صاروخية وأنظمة دفاعية، كما يُمكن استخدامها لإطلاق الطائرات المسيرة والزوارق السريعة التي تضمن لإيران قدرة استجابة سريعة في حال التصعيد.
-جزيرة لارك: تتمتع هذه الجزيرة بموقع جغرافي حساس، فهي قريبة جدًا من خطوط الملاحة الدولية، ما يجعلها نقطة مراقبة متقدمة. تساهم الجزيرة في تقديم خدمات الدعم اللوجستي وحماية المنشآت العسكرية الإيرانية.
-جزيرة هرمز: على الرغم من صغر حجمها، فإن جزيرة هرمز تملك موقعًا حاكمًا في مدخل المضيق، حيث يمكن نشر أنظمة رصد وإنذار متقدمة، ما يجعلها مركزًا أساسيًا لأي محاولة لتهديد حركة السفن في مضيق هرمز.
-جزيرة كيش: تتميز جزيرة كيش بموقعها كداعم بحري واقتصادي، فهي لا تلعب دورًا مهمًا في استيعاب القوارب الهجومية فحسب، بل تمثل أيضًا نقطة جذب تجاري في المنطقة.
جزر أبو موسى، طنب الكبرى والصغرى: أوراق ضغط إيرانية إضافية
لا تقتصر الأهمية الإستراتيجية على الجزر الإيرانية في مضيق هرمز فقط، بل تشمل أيضًا الجزر المتنازع عليها مع الإمارات، مثل جزيرة أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى. هذه الجزر، التي تسيطر عليها إيران، تُمثل محاور رئيسية في شبكة مراقبة بحرية تمكن طهران من تهديد حركة السفن عبر المضيق، ما يمنحها نفوذًا مباشرًا على حركة النفط العالمية. جزيرة أبو موسى بشكل خاص تعتبر مركزًا استراتيجيًا لأن مراقبة السفن وتهديدها يعزز موقف إيران في المعادلة الأمنية البحرية.
جزيرة خارك: الهدف الأكبر في معادلة الصراع
من بين الجزر الإيرانية الأكثر أهمية، تبرز جزيرة خارك كأحد الأهداف المحتملة في أي تصعيد عسكري أمريكي. تُعد جزيرة خارك أكبر محطة لتصدير النفط الإيراني، وهي نقطة حيوية في شبكة تصدير النفط. تعرضت الجزيرة بالفعل لهجمات سابقة، ما يعكس حساسيتها العالية في المعادلة العسكرية والاقتصادية.
جزر لاوان وسيري: دور حيوي في مراقبة النشاط البحري
تلعب كل من جزيرة لاوان وسيري دورًا محوريًا في البنية الطاقية الإيرانية، حيث ترتبطان مباشرة بالحقول البحرية ومنشآت تحميل النفط. كما أن وجودهما بالقرب من خطوط الملاحة البحرية يتيح لإيران القدرة على مراقبة النشاط البحري في الشمال الخليجي، مما يعزز من استراتيجيتها الدفاعية.
استراتيجية “منع الوصول” ووسائلها المتعددة
يرتكز الدفاع الإيراني في الخليج على إستراتيجية “منع الوصول ومنع الحركة”، وفقًا للخبير العسكري العميد إلياس حنا. هذه الإستراتيجية تعتمد على شبكة من الجزر الإيرانية المتصلة التي تشكل ما يشبه الحاجز أمام أي محاولة للتسلل أو التحرك في الخليج. إيران تستخدم مجموعة متنوعة من الأدوات العسكرية لدعم هذه الإستراتيجية، مثل الألغام البحرية بأنواعها المختلفة، الرادارات المتقدمة، الزوارق السريعة، والطائرات المسيرة. في هذا السياق، تمثل جزر قشم ولارك وهرمز مركزًا رئيسيًا لهذه الشبكة المترابطة التي تمنح إيران قدرة عالية على مراقبة أي تحركات في المنطقة.
التحركات الأمريكية: سيناريوهات السيطرة على جزيرة خارك
من الجانب الأمريكي، هناك تحليلات تشير إلى أن إرسال قوات مشاة البحرية الأمريكية إلى المنطقة قد يكون تمهيدًا لسيناريوهات السيطرة على جزيرة خارك. فالقوات الأمريكية، بما تمتلكه من تجهيزات جوية ولوجستية، تتمتع بالقدرة على تنفيذ عمليات مستقلة لاحتلال هذه الجزيرة، ما قد يغير من موازين القوى في المنطقة. لكن الخبراء العسكريين يشيرون إلى أن السيطرة على جزيرة خارك وحدها لن تكون كافية. فالمعادلة الإستراتيجية تشمل جزرًا أخرى، مثل كيش وقشم، وهي جزر مترابطة تكمل بعضها البعض في شبكة الدفاع الإيرانية.
المعركة متعددة المجالات: تدخل جوي وصاروخي
فيما يتعلق بالتحركات الجوية، استخدمت الولايات المتحدة قاذفات “بي-1“ المزودة بذخائر خارقة للتحصينات، مثل جي بي يو-72، لاستهداف مواقع إيرانية في بندر عباس، وهناك ترجيحات بتوجيه الضربات نحو جزيرة قشم بسبب موقعها الاستراتيجي. كما تشير بعض التحليلات إلى أن القوات الأمريكية قد تركز جهودها على استهداف منظومة الدفاع الإيرانية عبر تكتيكات متعددة تشمل الطائرات الهجومية مثل إيه-10، وطائرات الهليكوبتر الهجومية أباتشي، بالإضافة إلى استخدام صواريخ جو-أرض.
مشهد متغير والمعركة مستمرة
على الرغم من أن المشهد العسكري في الخليج ما زال في مراحله الأولى، إلا أن تحركات القوات الأمريكية في المنطقة تفتح المجال أمام خيارات عديدة. يشير الخبراء إلى أن إرسال قوات مشاة البحرية قد يمهد الطريق لعمليات معقدة في الخليج، لكن القرار النهائي لم يُتخذ بعد. وما يزال مصير هذه الجزر الإيرانية، التي تلعب دورًا حيويًا في تأمين الملاحة البحرية وحركة النفط، رهنًا بالتحولات العسكرية والسياسية في المنطقة.
وتظل الجزر الإيرانية في الخليج نقطة محورية في معادلات الصراع الإقليمي والدولي، حيث تلعب دورًا إستراتيجيًا حاسمًا في تأمين مضيق هرمز وضمان حركة السفن في واحدة من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم. وبينما تواصل القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، تحركاتها العسكرية في المنطقة، تظل هذه الجزر حقلًا للمنافسة الجيوسياسية، إذ تجمع بين الأهمية الاقتصادية والأمنية التي تعزز من قدرة إيران على مراقبة كل التحركات في الخليج.
تُظهر هذه الجزر كيف أن السيطرة على نقاط مفصلية في البحر يمكن أن تعزز الهيمنة العسكرية والاقتصادية، وتُصبح أداة ضغط في الصراعات الإقليمية والدولية. بينما تستمر التوترات بين إيران والغرب في التصاعد، يبقى مصير هذه الجزر مفتوحًا على سيناريوهات متعددة تتراوح بين التصعيد العسكري والبحث عن حلول دبلوماسية. ورغم تحركات القوى الأجنبية في المنطقة، يظل دور إيران في حماية سيادتها على هذه الجزر محوريًا بالنسبة لمستقبل الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها المنطقة.
إن ما يحدث في الخليج اليوم قد يكون بداية لفصل جديد في تاريخ المنطقة، حيث يتداخل البُعد العسكري مع الاستراتيجي والاقتصادي في سباق لا يزال ميدان المعركة فيه غير مكتمل المعالم. المنطقة تمر بمرحلة فاصلة تتداخل فيها القوى الكبرى مع المصالح المحلية، ما يجعل موازين القوة في الخليج أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. في هذا السياق، لا يتعلق الصراع فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بمستقبل الثروات الطبيعية، والتحولات الاقتصادية التي قد تحدد مصير الأجيال القادمة. تحديات جديدة تفرض نفسها مع تصاعد التوترات بين القوى الإقليمية والدولية، مما يخلق بيئة غير مستقرة تهدد بتقويض الأمن الإقليمي. في ظل هذا الواقع، يظل السؤال الأهم: هل ستنجح دول الخليج في الحفاظ على سيادتها واستقلالها، أم ستبقى رهينة الصراعات الدولية التي تهدد استقرارها وأمنها؟


