جريدة الحرة بيروت

بقلم – كارين القسيس ـ بيروت ـ مدونة الكاتبة كارين القسيس
يتصدّر المشهد السياسي والإعلامي في هذه المرحلة خطاب متضخم حول المرشد الإيراني علي خامنئي، مقروناً بسيناريوهات تتحدّث عن إسقاط النظام الإيراني، بل وتذهب إلى حد تصوير تدخل أميركي مباشر يطيح برأس النظام من داخل غرفة نومه. غير أنّ هذا النوع من الخطاب، على كثافة تداوله، يعكس في جوهره انفصالاً واضحاً عن منطق السياسة الدولية، ويقع في خانة التمنيات السياسيّة أكثر ممّا يستند إلى تحليل واقعي لسلوك القوى العظمى وآليات اشتغال النظام الدولي.
فالولايات المتحدة، بوصفها فاعلاً عقلانياً تحكمه اعتبارات المصلحة لا العاطفة، لا تتعاطى مع الأنظمة الخصمة بمنطق الإطاحة الشاملة إلاّ في حالات نادرة واستثنائيّة، أي حين يصبح بقاء النظام ذاته تهديداً مباشراً وغير قابل للاحتواء. والحالة الإيرانية، رغم حدّتها وتعقيداتها، لا ترقى في الحسابات الأميركيّة إلى هذا المستوى. وعليه، فإنّ الرهان على إسقاط النظام الإيراني يعكس سوء تقدير استراتيجي لطبيعة المقاربة الأميركية، التي تميل تاريخياً إلى إدارة الخصوم لا إسقاطهم.
فالسيناريو الأكثر ترجيحاً، في حال تصاعد التوتر، يتمثل في ضربات عسكرية محدودة، محسوبة السقف والتأثير، لا تهدف إلى تفكيك النظام، إنّما إلى إعادة ضبط سلوكه، فهذه الضربات تُستخدم كأدوات ضغط ضمن عمليّة تفاوضيّة أوسع، تُفضي في نهاية المطاف إلى صفقة جديدة حول البرنامج النووي الإيراني.
وعندها تسعى واشنطن إلى انتزاع تنازلات استراتيجيّة محدّدة، تتصل بالنووي، وبالنفوذ الإقليمي، وبأمن الحلفاء. وفي المقابل، يُظهر النظام الإيراني قدرة عالية على البراغماتية السياسية حين يتعلق الأمر ببقائه، فهو مستعد لتقديم تنازلات تكتيكية، بل وحتى مؤلمة في بعض الأحيان، شرط أن تبقى البنية الصلبة للنظام، أي مركز القرار الأمني–العقائدي، بمنأى عن الاستهداف.
وهكذا تتقاطع مصالح الطرفين، الولايات المتحدة تحصل على الحد الأدنى الذي يضمن مصالحها الاستراتيجية، والنظام الإيراني يحافظ على رأسه ويواصل لعب أدواره الإقليمية ضمن هوامش مضبوطة.
أمّا في السياق اللبناني، فيمكن تفهّم النزعة العاطفية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يعلّقون آمالهم على سقوط النظام الإيراني، باعتباره المدخل الحاسم لإنهاء معضلة سلاح حزب الله. غير أن هذا التصور، على وجاهته النفسية، يبقى سياسياً هشاً، لأنه يفترض علاقة سببية ميكانيكية بين العامل الخارجي والأزمة الداخلية، متجاهلاً البنية العميقة للمأزق اللبناني.
الإشكاليّة اللبنانية لا تختزل بسلاح حزب الله، مهما بلغت خطورته وتأثيره على مفهوم السيادة، إذ أنّ هذا السلاح هو عرضٌ لأزمة أعمق، لا سببها الوحيد، وبالتالي أزمة لبنان هي أزمة دولة فاشلة، ونظام طائفي مأزوم، ونخب سياسية عاجزة ومتواطئة، واقتصاد ريعي منهار، وعقد اجتماعي فقد شرعيته منذ عقود، فالتركيز على عامل واحد يمنح شعوراً “زائفاً” بالتفسير، لكنه يعفي البنية السياسيّة اللبنانية من المساءلة الحقيقية.
إن اختزال الأزمة اللبنانية بسقوط نظام إقليمي أو بقرار خارجي، هو في ذاته تعبير عن العجز عن إنتاج حل داخلي، فالدول لا تُبنى على الرهانات الخارجية، ولا تُستعاد السيادة بالنيابة وأي مشروع إنقاذي حقيقي للبنان لا يمكن أن يقوم على انتظار تحولات إقليمية، إنّما على تفكيك منظومة الفشل الداخلية، وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والمؤسسات والقانون، وفصل منطق الدولة عن منطق المحاور، في مسار طويل وشاق، لكنه المسار الوحيد القابل للحياة.


