الأكثر قراءة

الإخوان المسلمون في أمريكا، جدل النفوذ وحدود التأثير

جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد

وصف بحثٌ أجرته مجموعة ISGAP حول التغلغل الاستراتيجي لجماعة الإخوان المسلمين في أمريكا الشمالية حملةً استمرت قرنًا من الزمان، تُفصّلها وثائقها الداخلية بوضوح. ويصف “المشروع” الصادر عام 1982 و”المذكرة التفسيرية” الصادرة عام 1991، وهما دليلان قُدّما إلى المحكمة الفيدرالية، استراتيجيةً يُطلق عليها مؤلفوها اسم “جهاد الحضارة”: استغلال حريات الديمقراطيات الغربية لإضعافها تدريجيًا من الداخل، بصبر، وعلى مدى أجيال، حتى لا يعود المجتمع يُدرك ما جرى له.

كما تطرح تصريحات سارة آدامز، الضابطة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمتخصصة في استهداف الأفراد، قراءة مثيرة للاهتمام بشأن طبيعة حضور جماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة، معتبرة أن نفوذ الجماعة قد يكون أكثر رسوخًا مما يدركه كثير من الأمريكيين. وتستند هذه الرؤية إلى تصور يقوم على أن بناء النفوذ لم يقتصر على العمل السياسي المباشر، وإنما امتد عبر شبكة واسعة من العلاقات والمؤسسات المحلية.

بحسب آدامز، أمضت الجماعة عقودًا في بناء علاقات سياسية واجتماعية من القاعدة إلى القمة، من خلال دعم مرشحين سياسيين، والانخراط في الجامعات والمنظمات الدينية وغرف التجارة ومؤسسات المجتمع المدني. وترى أن هذا النوع من النشاط يجعل من الصعب أحيانًا تحديد طبيعة الارتباطات أو قياس حجم التأثير بصورة دقيقة، خصوصًا عندما يجري النشاط عبر مؤسسات تحمل أسماء مستقلة ولا تعلن صراحة ارتباطها بالجماعة.

تشير هذه الرؤية إلى أن النفوذ السياسي لا يُبنى بالضرورة من خلال المؤسسات المركزية أو الواجهات التنظيمية المباشرة، بل قد يتشكل تدريجيًا عبر المشاركة في الحياة المحلية، وإقامة العلاقات مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، والانخراط في المنظمات المدنية والدينية. وفي هذا السياق، ترى آدامز أن مستوى الاندماج المحلي يمثل أحد الجوانب التي تجعل فهم الظاهرة أكثر تعقيدًا.

أثارت تصريحاتها بشأن المرشح لمجلس شيوخ ولاية ميشيغان عبد الإله السيد مثالًا على هذا الجدل، بعد تداول تقارير تتحدث عن تلقيه تمويلًا مرتبطًا بجماعة الإخوان المسلمين. غير أن الإشارة إلى مثل هذه التقارير لا تعني بالضرورة إثبات وجود علاقة تنظيمية مباشرة، وهو ما يستدعي التمييز بين التمويل السياسي، والعلاقات الاجتماعية، والانتماء التنظيمي الفعلي.

تؤكد آدامز أن تحديد هذه الروابط داخل الولايات المتحدة يظل مسألة معقدة؛ إذ لا تظهر الجماعة بالضرورة من خلال مؤسسات تحمل اسمها بصورة مباشرة. وقد تعمل بعض الجهات، وفقًا لهذا التصور، تحت مسميات مدنية أو دينية أو ثقافية مختلفة، ما يجعل اكتشاف الروابط التنظيمية أمرًا يحتاج إلى أدلة موثقة وتحقيقات دقيقة، وليس مجرد الاستناد إلى التشابه في المواقف أو العلاقات.

تفتح هذه المسألة نقاشًا أوسع حول حدود النفوذ السياسي والاجتماعي للجماعات ذات الأجندات العابرة للحدود، ومدى قدرة المؤسسات الأمريكية على التمييز بين النشاط المدني المشروع وبين محاولات بناء النفوذ السياسي المنظم. وفي المقابل، فإن توسيع الاتهامات دون أدلة واضحة قد يؤدي إلى الخلط بين العمل المجتمعي المشروع والانتماء إلى تنظيم محدد.

تبدو القضية بحاجة إلى مقاربة أكثر توازنًا، تقوم على فحص مصادر التمويل، وطبيعة العلاقات المؤسسية، والارتباطات التنظيمية الفعلية، بدلًا من الاكتفاء بالانطباعات أو التقارير غير الحاسمة. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في تقدير حجم النفوذ، بل في تحديد طبيعته وحدوده وأدواته، مع الحفاظ في الوقت نفسه على معايير الشفافية والتمييز بين النشاط السياسي المشروع وأي ارتباطات تنظيمية مثبتة.

https://hura7.com/?p=83579

الأكثر قراءة