الأكثر قراءة

الإدارة الأمريكية وتضييق الخناق على إيران

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لم تكتفِ الإدارة الأمريكية بالإبقاء على العقوبات المفروضة على إيران، بل باتت تتحرك نحو مرحلة أكثر تشددًا، عنوانها تضييق الخناق على طهران ومنع تدفق شريان الحياة إليها. فالمسألة، وفق هذا المسار، لم تعد مرتبطة بالعقوبات المالية التقليدية وحدها، بل أصبحت تقوم على محاولة التحكم في المنافذ التي تسمح لإيران بالحصول على الأموال، وتأمين السلاح والمواد اللوجستية، والاستفادة من شبكات التجارة والتهريب التي تساعدها على الالتفاف على العقوبات الغربية.

ويبدو أن واشنطن وصلت إلى قناعة بأن معاقبة إيران عسكريًا بصورة مباشرة ليست بالضرورة الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق أهدافها، وأن الضغط الاقتصادي واللوجستي يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل. ومن هنا تأتي محاولة التعامل مع مصادر القوة الإيرانية وممراتها الخارجية، من خلال الضغط على روسيا والصين وتركيا والإمارات، باعتبار أن هذه الدول تشكل، بدرجات مختلفة، أجزاء أساسية من البيئة التي تستطيع إيران من خلالها المحافظة على قدرتها على الحركة.

السيطرة على “شاهد” وإضعاف إيران

الطريقة الأولى تتمثل في السيطرة  على مصانع طائرات “شاهد” الرخيصة التي تمد بها إيران روسيا لاستخدامها في ضرب أوكرانيا. فهذه الطائرات المسيرة أصبحت جزءًا مهمًا من منظومة الحرب الروسية، واستمرار إيران في توفيرها لموسكو يعني استمرار أحد أهم أوجه التعاون العسكري بين البلدين.

ومن هنا، فإن الضغط على هذا المسار لا يستهدف إيران وحدها، وإنما يطال العلاقة الإيرانية الروسية أيضًا. فإذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من الحد من قدرة إيران على إنتاج وتصدير هذه الطائرات، فإن ذلك يعني إضعاف أحد مصادر القوة الإيرانية، وفي الوقت نفسه تقليص جزء من القدرات التي تعتمد عليها روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

وهنا تبرز أهمية المسألة الأوسع: من يملك القدرة على التأثير في مسار الحرب الأوكرانية، يملك جزءًا مهمًا من القرار السياسي والعسكري في مواجهة روسيا. ولذلك فإن التضييق على إيران في هذا المجال لا ينظر إليه باعتباره قضية إيرانية منفصلة، بل باعتباره جزءًا من معركة أكبر تمتد من طهران إلى موسكو وكييف.

بحر قزوين وورقة النفط الإيراني

أما النقطة الثانية، فتتمثل في إعلان الولايات المتحدة أنها استطاعت تأمين ممر آمن لخروج ودخول الناقلات إلى بحر قزوين. وإذا تمكنت واشنطن من التحكم بهذا المسار أو التأثير فيه، فإنها ستكون أمام ورقة استراتيجية بالغة الأهمية، لأن بحر قزوين يمثل أحد المسارات المرتبطة بحركة النفط والتجارة في المنطقة.

وهنا يدخل العامل الصيني بقوة. فالصين تحتاج إلى النفط الإيراني، وإيران تحتاج إلى السوق الصينية. وبالتالي، فإن النفط يمثل نقطة اتصال يمكن للولايات المتحدة أن تستخدمها للضغط على الطرفين في الوقت نفسه.

والفكرة، وفق هذا المسار، ليست بالضرورة منع الصين من الحصول على النفط الإيراني بصورة كاملة، وإنما إبقاء حاجتها النفطية مؤمّنة بالسعر نفسه وبالكميات نفسها، مقابل شرط أساسي: ألا تتحول الصين إلى مصدر لتزويد إيران بالسلاح أو المواد اللوجستية، وألا تستخدم تجارتها مع طهران كوسيلة للتهرب من الحصار أو الالتفاف على العقوبات الغربية.

وهنا تتحول ورقة النفط من مجرد قضية اقتصادية إلى أداة تفاوض سياسي. فبدل أن يكون النفط الإيراني وسيلة لتمويل إيران وتعزيز قدرتها على تجاوز العقوبات، يمكن أن يتحول إلى ورقة تستخدمها واشنطن في الضغط على طهران وعلى الأطراف التي تتعامل معها.

التضييق على الصين وروسيا في إيران

وفي الحالتين، سواء تعلق الأمر بالنفط أو بالسلاح والمواد اللوجستية، تحاول الإدارة الأمريكية أن تبني معادلة جديدة مع الصين وروسيا.

مع الصين، تقوم الرسالة على أن استمرار حصولها على النفط الإيراني ممكن، ولكن ضمن حدود لا تسمح بتحويل هذه العلاقة الاقتصادية إلى شريان عسكري ولوجستي لإيران.

أما بالنسبة إلى روسيا، فإن الرسالة مختلفة، وتقوم على عدم الالتفاف على العقوبات من خلال استخدام الممر الخلفي لتهريب السلع والمواد الخام إلى إيران، أو استخدام بحر قزوين كطريق بديل يسمح باستمرار تدفق المواد التي تحتاج إليها طهران.

فإن أي محاولة لاستخدام هذه الممرات لتأمين مصالح إيران قد تجعلها عرضة لضغوط ومخاطر إضافية، خصوصًا لقد دخل العامل الأوكراني بدعم أمريكي في معادلة بحر قزوين، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تهديد للممرات التجارية والأسطول التجاري الروسي.

فإن واشنطن لا تضغط على إيران في نقطة واحدة، وإنما تحاول بناء شبكة ضغط حولها، بحيث يصبح كل طريق يمكن أن تستخدمه طهران للحصول على المال أو السلاح أو المواد الخام خاضعًا للمراقبة والضغط.

تركيا… ممر تهريب للنظام الإيراني

لكن كل ذلك لا يزال غير كافٍ. فعمليات التهريب والالتفاف على الحصار لم تتوقف، ولا تزال هناك طرق وممرات تستطيع إيران استخدامها من خلال دول المنطقة، وفي مقدمتها تركيا والإمارات العربية المتحدة.

وهذا ما دفع الإدارة الأمريكية إلى الكشف عن شبكة تهريب كبيرة تمتد من إيران عبر تركيا وصولًا إلى لبنان، حيث ظهرت أسماء المهربين والشركات والذهب والملايين الضخمة التي جرى تهريبها ضمن هذه الشبكات.

وهنا تبرز علامة استفهام كبيرة أمام الدور التركي: هل كانت هذه العمليات تتم خارج علم الدولة التركية، أم أن بعض الجهات كانت تعرف بها وتغض الطرف عنها؟

هذا السؤال يصبح أكثر أهمية كلما اتسعت الشبكات التي تعمل عبر الأراضي التركية، لأن استمرارها يعني أن العقوبات الأمريكية والغربية يمكن الالتفاف عليها عبر بوابات إقليمية، وأن الأموال والذهب والسلع تستطيع الانتقال من إيران إلى وجهات أخرى، ثم العودة إلى منظومة الدعم الإيرانية بطريقة غير مباشرة.

ومن هنا، فإن واشنطن ستجد نفسها أمام ضرورة الضغط على أنقرة لاتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة، لأن استمرار هذه العمليات يعني بقاء أحد أهم منافذ الالتفاف على العقوبات مفتوحًا.

الإمارات العربية… إغلاق الممرات المالية

أما الممر الآخر الذي يشكل أهمية كبيرة في هذه المعادلة فهو الإمارات العربية المتحدة، التي تمثل مركزًا ماليًا وتجاريًا مهمًا في المنطقة.

وبعد التطورات الأخيرة المرتبطة بإطلاق إيران صاروخين باتجاه المياه الإقليمية الإماراتية وإسقاطهما، أعلنت أبو ظبي أنها ستتخذ خطوات سريعة لمنع تمرير عمليات مالية إلى إيران، وبالأخص منع استخدام الموانئ الإماراتية لتهريب أي مواد إلى إيران، إضافة إلى تجميد الأموال الإيرانية الموجودة في البنوك الإماراتية.

وإذا تحولت هذه الإجراءات إلى سياسة مستمرة وشاملة، فإن تأثيرها سيكون كبيرًا على قدرة إيران على استخدام الإمارات كنافذة مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات.

فأهمية الإمارات بالنسبة إلى إيران لا ترتبط فقط بالمصارف، وإنما أيضًا بحركة التجارة والشحن والموانئ والشركات والوسطاء. ولذلك فإن إغلاق هذه القنوات، أو إخضاعها لرقابة شديدة، يعني تضييق مساحة الحركة أمام الأموال والسلع الإيرانية.

الخناق يشتد على النظام الإيراني

وفي ظل هذه الخطوات، وإذا ما تبعتها خطوات جديدة خلال الفترة المقبلة، فإن الإدارة الأمريكية قد تكون قادرة، خلال ثلاثة أشهر، على إحكام السيطرة بدرجة أكبر على عمليات التهريب والالتفاف على العقوبات الغربية.

وهنا تبدأ المرحلة الأكثر حساسية بالنسبة إلى النظام الإيراني. فالعقوبات وحدها يمكن لطهران أن تحاول الالتفاف عليها، لكن عندما يتم إغلاق الممرات التي تسمح بهذا الالتفاف، تصبح العقوبات أكثر فاعلية وتأثيرًا.

فإذا أغلقت واشنطن أو ضيقت المنافذ المالية، وشددت الرقابة على طرق التجارة، وضغطت على شبكات التهريب، وقلصت قدرة إيران على الحصول على المواد الخام والسلع الحساسة، فإن قدرة النظام على تمويل نشاطاته الخارجية ستتراجع تدريجيًا.

وهذا يعني عمليًا تضييق الخناق على نظام الملالي في طهران، وهو ما يترتب عليه أمور كثيرة، ليس فقط على مستوى الاقتصاد الإيراني، وإنما أيضًا على مستوى قدرة إيران على دعم حلفائها وتمويل شبكاتها وتوفير السلاح والمواد اللوجستية التي تحتاج إليها للاستمرار في سياستها الإقليمية.

المعركة لم تعد اقتصادية فقط

فإن المعركة لا تبدو محصورة في العقوبات الاقتصادية التقليدية، بل تتجه نحو السيطرة على طرق التجارة والنفط والتمويل والممرات اللوجستية التي تشكل شريان الحياة بالنسبة إلى إيران.

وهذه النقطة هي الأهم في التحول الذي تحاول واشنطن إحداثه. فبدل الذهاب مباشرة إلى مواجهة عسكرية واسعة مع إيران، يجري العمل على إضعاف قدرتها على الحركة، وتجفيف مصادر تمويلها، ومراقبة الطرق التي تحصل من خلالها على حاجاتها، والضغط على الدول التي يمكن أن تساعدها في الالتفاف على العقوبات.

وفي حال نجحت الولايات المتحدة في إغلاق هذه المنافذ أو الحد منها بصورة كبيرة، فإن الضغط على طهران سيدخل مرحلة جديدة، وقد يصبح الخناق الاقتصادي واللوجستي أكثر تأثيرًا من أي ضربة عسكرية مباشرة.

فالهدف في النهاية ليس فقط منع إيران من بيع النفط أو الحصول على الأموال، وإنما منعها من امتلاك القدرة على تحويل هذه الأموال إلى سلاح وشبكات نفوذ وممرات لوجستية تمتد من إيران إلى روسيا ولبنان وغيرها.

وعندها، يصبح السؤال الأساسي: هل تستطيع طهران فتح ممرات بديلة، أم أن شبكة الضغط التي تعمل واشنطن على بنائها حولها ستصبح محكمة إلى درجة تجعل النظام الإيراني أمام خيارين صعبين: إما تقديم تنازلات سياسية، أو مواجهة أزمة اقتصادية ولوجستية متزايدة قد تؤثر في قدرته على الاستمرار في سياسته الحالية؟

ومن هنا، فإن الأشهر المقبلة قد تكون حاسمة، لأن نجاح واشنطن في إغلاق منافذ الالتفاف على العقوبات سيعني انتقال المواجهة مع إيران من مرحلة العقوبات إلى مرحلة خنق قنوات التمويل والتجارة والتهريب، وهي مرحلة يمكن أن تكون لها تداعيات أوسع بكثير على إيران وعلى علاقاتها مع روسيا والصين ودول المنطقة.

https://hura7.com/?p=83743

الأكثر قراءة