الإثنين, ديسمبر 15, 2025
16.3 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الإسلاموفوبيا وصراع الهويات يهدد وحدة أوروبا الثقافية

جريدة الحرة

خاص ـ تشير البيانات إلى أن الحوادث المعادية للمسلمين داخل الاتحاد الأوروبي ارتفعت منذ هجمات “حماس” في أكتوبر 2023، خاصة في النمسا وبلجيكا وبلغاريا. ووفقًا لأحدث تقرير سنوي صادر عن منظمة التعاون الإسلامي نشرته EURONEWS في السادس من نوفمبر 2025، كانت أوروبا ثاني أكبر بؤرة عالمية لحوادث الإسلاموفوبيا في عام 2024. تأخذ الإسلاموفوبيا في كثير من الأحيان شكل كراهية عبر الإنترنت، وهي مرتفعة نسبيًا في أوروبا مقارنة بالمناطق الأخرى حول العالم. وجاء في تقرير المنظمة أن في أغسطس وسبتمبر 2025 شهدا زيادة مطّردة في مظاهر الإسلاموفوبيا، خصوصًا في المملكة المتحدة، حيث تصاعدت النقاشات حول سياسة الهجرة، وفي ألمانيا التي شهدت تظاهرات لليمين المتطرف استهدفت المجتمعات المسلمة.

زيادة ملحوظة في الحوادث المعادية للمسلمين

يمثل المسلمون ثاني أكبر مجموعة دينية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يعيش نحو 26 مليون مسلم ينحدرون من خلفيات ثقافية وإثنية متعددة تمتد من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى جنوب آسيا. هذا التنوع، الذي يُعد أحد مكونات الهوية الأوروبية الحديثة، لم يمنع تصاعد مظاهر التمييز ضد المسلمين في مجالات الحياة اليومية. وتشير بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية إلى أن نحو واحد من كل مسلمين اثنين في الاتحاد الأوروبي يقول إنه تعرّض لشكل من أشكال التمييز العنصري، وهي نسبة ارتفعت مقارنة بعام 2016 عندما بلغت 39%.

وقد أظهرت نتائج المسح أن الشعور بالتمييز كان أكثر وضوحًا في مجالي العمل والسكن خلال السنوات الخمس التي سبقت عام 2022، حيث يواجه المسلمون صعوبات في الحصول على فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم، إلى جانب عراقيل خفية تتعلق بالهوية الدينية في سوق الإيجارات والعقارات. كما أكدت الوكالة وجود زيادة ملموسة في الحوادث المعادية للمسلمين منذ هجمات “حماس” على إسرائيل في أكتوبر 2023، إذ ارتبطت تلك الأحداث بارتفاع ملحوظ في خطاب الكراهية ضد الجاليات المسلمة في عدد من الدول الأوروبية.

وفي هذا السياق، شهدت النمسا ارتفاعًا قياسيًا في جرائم الكراهية ضد المسلمين، حيث تم تسجيل أكثر من 1500 حادثة في عام 2023، وهو أعلى رقم منذ عام 2015. كما سجّلت النمسا (71%) وألمانيا (68%) وفنلندا (63%) أعلى معدلات للتمييز بين 13 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2022، ما يعكس عمق التحدي الذي يواجه سياسات الاتحاد في مكافحة العنصرية وتعزيز التعددية الثقافية.

بؤر الإسلاموفوبيا في أوروبا

تشير التقارير الحديثة إلى أن ظاهرة الإسلاموفوبيا لم تعد مجرد حوادث فردية، بل تحولت إلى نمط متكرر ومترابط تغذّيه التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا والعالم. فوفقًا للبيانات المتاحة، تمثل الحملات المنظمة التي تقودها الحركات اليمينية المتطرفة نحو (25%) من مجموع الحوادث المرتبطة برهاب الإسلام، بينما تأتي خطابات الكراهية في المرتبة الثانية لتشكل قرابة خُمس الحالات، ما يعكس الانتشار الواسع للخطاب العدائي عبر الإنترنت ووسائل الإعلام. أما التمييز المباشر والاعتداءات اللفظية والجسدية، فتسهم مجتمعةً بأكثر من ربع إجمالي الحوادث المسجلة، في دلالة واضحة على تصاعد العنف الاجتماعي ضد المسلمين.

ويُنظر إلى فرنسا وألمانيا، ضمن دول الاتحاد الأوروبي، على أنهما أبرز بؤر الإسلاموفوبيا، نتيجة ارتفاع وتيرة الأنشطة المناهضة للإسلام فيهما، سواء من خلال الخطابات السياسية أو عبر الممارسات اليومية في الفضاء العام. كما يُعزى المعدل المرتفع لهذه الحوادث إلى عودة صعود الحركات السياسية اليمينية المتطرفة في دول مثل فرنسا وألمانيا والسويد، حيث يتجسد الشعور المعادي للهجرة غالبًا في شكل معاداة للإسلام، وتتحول المخاوف من “الآخر الثقافي” إلى مبرر للتمييز والعنف.

ومع ذلك، تحاول التشريعات الأوروبية المناهضة للتمييز الحدّ من هذه الظاهرة عبر تطبيق سياسات تحمي حرية المعتقد وتضمن المساواة في الفرص. وتسعى المؤسسات الأوروبية إلى إيجاد توازن دقيق بين حماية الأمن العام وصون التعدد الثقافي، بوصفه أحد أعمدة الهوية الأوروبية الحديثة.

هل ينجح الاتحاد في كبح موجة الإسلاموفوبيا؟

لا تقتصر العوامل الدينية على تشكيل السلوك المعادي للإسلام داخل دول الاتحاد الأوروبي، بل تتشابك مع عناصر أخرى كالبشرة والعرق والأصول المهاجرة للمسلمين الأوروبيين، ما يجعلهم عرضةً لتمييز متعدد الأبعاد. وترى مديرة وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية، سيربا راوتيو، أن الظاهرة “تُغذّيها الصراعات في الشرق الأوسط وتتفاقم بسبب الخطاب المعادي للمسلمين المنتشر في الخطاب العام ووسائل الإعلام في أنحاء القارة”. وهذا يعني أن الإسلاموفوبيا لم تعد مجرد رفض ديني أو ثقافي، بل باتت انعكاسًا لبنية اجتماعية وسياسية تستحضر المخاوف الأمنية والهوياتية في آنٍ واحد.

يتجلى هذا الرهاب بصورة واضحة في مجالي التوظيف والسكن، وهما المجالان الأكثر حساسية في حياة الأفراد. فوفقًا لاستطلاع للرأي أُجري في 24 أكتوبر 2025، تعرّض نحو (39%) من المسلمين في الاتحاد الأوروبي للتمييز عند البحث عن عمل، بينما واجه (35%) منهم التمييز في أماكن العمل نفسها، وهي زيادة ملموسة مقارنة بعام 2016 حين بلغت النسب (31%) و(23%) على التوالي. وتزداد حدة الظاهرة عند النظر إلى النساء المسلمات، إذ يواجهن تمييزًا متضاعفًا بسبب ارتداء الرموز الدينية كالطرحة أو الحجاب، حيث أظهرت البيانات أن (45%) من النساء المسلمات يتعرضن للتمييز خلال عملية التوظيف فقط بسبب مظهرهن الديني.

وفي ميدان السكن، يواجه المسلمون تحديات متزايدة، إذ أفاد ثلث المشاركين في الاستطلاع بأنهم مُنعوا من شراء أو استئجار شقق بسبب خلفيتهم الدينية، وهي نسبة ارتفعت بشكل كبير مقارنة بعام 2016 عندما كانت (22%). وتنعكس هذه الصعوبات أيضًا على التعليم، إذ رصدت وكالة حقوق الإنسان الأوروبية فجوةً مقلقة في هذا القطاع، حيث يُعد المسلمون أكثر عرضةً للتسرب المبكر من المدارس بثلاث مرات مقارنة بعامة السكان الأوروبيين ((30%) مقابل (9.6%)).

وتؤدي هذه المعطيات مجتمعةً إلى تفاقم خطر الفقر والتهميش الاجتماعي، إذ تُظهر الإحصاءات أن (31%) من الأسر المسلمة تكافح لتغطية نفقاتها المعيشية، مقارنة بـ(19%) فقط من مجموع الأسر الأوروبية، ما يعكس ترابط التمييز الاقتصادي والاجتماعي ضمن حلقة مغلقة من الحرمان.

كما تُظهر بيانات الوكالة أن واحدًا من كل ثلاثة مسلمين ((27%)) يتعرضون لمضايقات عنصرية، وأن نصف الذين أوقفتهم الشرطة في عام 2023 يعتقدون أنهم كانوا ضحايا لتمييز عنصري. وفي مواجهة هذا الواقع، أطلقت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في سبتمبر 2020 خطة عمل الاتحاد الأوروبي لمكافحة العنصرية، معلنة أمام البرلمان الأوروبي أن “الوقت قد حان للانتقال من الإدانة إلى الفعل”. وتضغط وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية اليوم لتجديد هذه الخطة لما بعد عام 2025، بحيث تتضمن إجراءات محددة وواضحة لمكافحة العنصرية ضد المسلمين، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من التزام أوروبا بحقوق الإنسان والتعدد الثقافي.

https://hura7.com/?p=69866

الأكثر قراءة