جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تُمثّل “اتفاقية الإطار الثلاثي” بين لبنان والعدو الإسرائيلي، والتي جرت برعاية مباشرة من إدارة الرئيس دونالد ترامب ووزارة الخارجية الأميركية، مقاربة سياسية ودبلوماسية تسعى واشنطن من خلالها إلى فصل المسار اللبناني عن سياق التفاهمات الأميركية الإيرانية الأوسع في المنطقة.
ويرتكز هذا الطرح، المستند إلى دوائر صنع القرار في العاصمة الأميركية، على محاولة إعادة صياغة الواقع الميداني والسياسي في جنوب لبنان عبر آليات تهدف إلى بسط سلطة الدولة والجيش اللبناني كقوة عسكرية شرعية وحيدة، بالتوازي مع تفكيك البنية التحتية العسكرية للمجموعات غير الحكومية، بغية تأمين الحدود وإرساء قواعد استقرار مستدام يتجاوز الترتيبات السابقة.
وتتضمن بنود هذا الاتفاق الإطاري المكون من أربعة عشر بنداً إعلان نية واضحة لإنهاء النزاع بشكل دائم وتثبيت القرار الوطني الشامل، مع طرح مفهوم “المناطق التجريبية” في بلدات ومحاور محددة من جنوب لبنان، وتحديداً في قطاعات الناقورة وعيتا الشعب وشمال وجنوب نهر الليطاني، حيث يقترن الانسحاب المرحلي لقوات العدو الإسرائيلي بانتشار فوري ومكثّف للجيش اللبناني.
وفي المقابل، تثير هذه الشروط نقاشاً داخلياً معقداً في بيروت وسط تباين القراءات؛ فبينما ترى الدوائر الرسمية والحكومية في هذا المسار فرصة لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي واستعادة الاستقلال الكامل، تبدي مكونات أساسية هواجس جدية حيال طبيعة هذه الإملاءات الخارجية والمخاطر الكامنة في ربط الانسحاب بملف السلاح تحت وطأة الضغط، مما قد يفرز مناخاً من التوتر، وهو ما يتطلب معالجة وطنية حكيمة ترتكز على الحوار والتفاهم والتنسيق الوثيق بين جميع المكونات اللبنانيّة لحماية السلم الأهلي وتعزيز المنعة الوطنية، وبعيداً عن لغة الاتهام أو التحدي والصراع الداخلي.
ميدانياً، يتعامل العدو الإسرائيلي مع هذا الإطار الدبلوماسي من موقع فرض الشروط الإستراتيجية وليس كمعاهدة انسحاب تقليدية، وتتحرك آلياته بموجب مستويات متعددة من الاحتمالات؛ حيث يبرز سيناريو “الشرط المسبق الصارم” كمسار أساسي ترفض فيه تل أبيب أي إخلاء عسكري للشريط الأمني إلا بعد إتمام تفكيك القدرات العسكرية في تلك المناطق التجريبية وتحت إشراف لجان مراقبة دولية وبحضور أميركي، مع التمسك بحرية الحركة العسكرية الكاملة لضرب أي إمداد أو إعادة تموضع تحت ذريعة الدفاع عن النفس.
وفي سياق تكتيكي موازٍ، قد يلجأ العدو إلى خيار “الانسحاب الشكلي المحدود” لتخفيف الضغوط الدبلوماسية الدولية وإلقاء التبعة على عاتق الدولة اللبنانية، مع الاحتفاظ بالسيطرة النارية المطلقة عبر الأجواء، بينما يظل سيناريو “الانهيار والتوغل مجدداً” قائماً في حال رصد أي خرق، مما يعني العودة إلى تثبيت الطوق العسكري وتوسيع الحزام الأمني.
أمام هذه التقديرات، تبرز الضمانات الأميركية التي تقودها الخارجية بإشراف الوزير ماركو روبيو كركيزة أساسية لمحاولة منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وذلك عبر تفعيل “مجموعة التنسيق العسكري المباشر” لفحص الخروقات أمنياً ووضع كوابح متبادلة، والاعتماد على مشروطية المساعدات المالية وحزم إعادة الإعمار لضبط الميدان، فضلاً عن الرهان على قنوات التواصل الخلفية غير المعلنة مع طهران عبر الوساطة الباكستانية، على نحو يهدف إلى مقايضة الهدوء في الجنوب بملفات إقليمية أوسع ضمن ما يُعرف بمسار إسلام آباد.
غير أن الواقع الميداني الأخير كشف عن هشاشة هذه الصيغ الدبلوماسية أمام لغة النار؛ إذ جاءت العمليات العسكرية النوعية التي استهدفت مقار قيادية للعدو الإسرائيلي وأوقعت خسائر بشرية في صفوفه لتؤكد بوضوح رفض القوى الميدانية لمعادلة الأمر الواقع أو القبول بالحزام الأمني كحدود ثابتة، مما دفع العدو إلى اعتماد إستراتيجية الأرض المحروقة عبر شن غارات جوية مكثفة استهدفت الأحياء السكنية المأهولة في مدينة النبطية وضواحيها، مثل حي المسلخ والنبطية الفوقا وقرى قضاء النبطية، وجعل منطقة الشريط الأمامي منطقة عسكرية مغلقة يُحظر الاقتراب منها بقوة السلاح، مسببةً موجات نزوح عكسية تهدف إلى تفريغ المنطقة جغرافياً وإحباط أي جهود محلية لإعادة الاستقرار والتنمية.
وفي البُعد الإقليمي، تنظر طهران إلى هذه الترتيبات بعين الريبة السياسية، معتبرة إياها محاولة أميركية إسرائيلية للالتفاف على مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية المعقودة في منتصف حزيران، وعزل الساحة اللبنانية عن مسارات التهدئة الشاملة؛ ولذلك تركز الدبلوماسية الإيرانية على مبدأ الانسحاب غير المشروط للعدو الإسرائيلي، وتدفع باتجاه تحويل ملف القدرات الدفاعية إلى شأن داخلي لبناني بحت يُناقش عبر المؤسسات الرسمية وفي إطار إستراتيجية دفاعية وطنية جامعة، رافضة أي إملاءات خارجية تُفرض من الخارج تحت وطأة النار والضغط الدولي.
بناءً على هذه المعطيات المتشابكة، تؤول الاستنتاجات والسيناريوهات المستقبلية القريبة من الواقع الميداني إلى مسارين أساسيين يحكمان أفق الاستقرار؛ يكمن السيناريو الأول والأكثر ترجيحاً على المدى المنظور في استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة، حيث تترجم تل أبيب خسائرها الميدانية بتوسيع رقعة القصف الجوي لتطال العمق اللبناني والمرافق الحيوية، وتواجهها العمليات الميدانية بتصعيد ضربات الصواريخ والمسيّرات، مما يجعل اتفاقية واشنطن مجرد غطاء دبلوماسي بلا مفاعيل حقيقية على الأرض بانتظار تعديل حاسم في موازين القوى.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في نجاح جهود الاحتواء الدبلوماسي الدولي والضغط الأميركي لفرض تهدئة مؤقتة وموضعية عبر قنوات التفاوض التقنية المستأنفة في الدوحة ومسقط، بحيث يتم ربط الجبهة الجنوبية بصفقة تسوية إقليمية كبرى تشمل رفعاً جزئياً للعقوبات وضمان أمن الملاحة مقابل ترتيبات أمنية حدودية مضبوطة. وفي نهاية المطاف، يظل المخرج الحقيقي والدائم للبنان مبنياً على تعزيز مرجعية الدولة ومؤسساتها الدستورية، وصياغة توافق وطني متين يحمي الاستقلال والحدود من خلال التفاهم المشترك والتنسيق الدائم بين المكونات اللبنانيّة كافة، بعيداً عن التدخلات الخارجية والصراعات التي تهدد البنية المجتمعية والسلم الأهلي.


