جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
عندما اجتاحت روسيا أوكرانيا عام 2022، لم يتعامل الاتحاد الأوروبي ودول حلف شمال الأطلسي مع الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية وسياسية فقط، بل أدركوا منذ اللحظة الأولى أن المعركة تمتد أيضاً إلى الإعلام والرأي العام وتشكيل الوعي. فإلى جانب العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فُرضت على موسكو، اتُخذت إجراءات للحد من حضور بعض وسائل الإعلام الروسية الرسمية وشبه الرسمية في الفضاء الإعلامي الغربي، باعتبارها أدوات تستخدمها الدولة الروسية للترويج لروايتها للحرب والتأثير في الرأي العام.
كان الغرب ينظر إلى الإعلام باعتباره جزءاً من معركة الحرب، وإلى الرواية السياسية باعتبارها سلاحاً لا يقل أهمية عن الأدوات العسكرية والاقتصادية. ولذلك جرى التعامل مع الإعلام الروسي الرسمي بحذر شديد، ليس بهدف منع المجتمع الروسي أو الباحثين والصحفيين الروس من التعبير عن آرائهم، وإنما بهدف الحد من تحويل المؤسسات الإعلامية المرتبطة بالكرملين إلى أدوات مفتوحة للتأثير والدعاية.
المشهد في الإعلام العربي مختلف تماماً.
ففي الوقت الذي اتجهت فيه المؤسسات الغربية إلى وضع ضوابط أكثر صرامة على أدوات الدعاية الروسية، فتحت بعض القنوات العربية أبوابها أمام شخصيات روسية تدافع عن موسكو، وأمام أصوات تتبنى الرواية الرسمية الروسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. والاستضافة بحد ذاتها ليست المشكلة، لأن الاستماع إلى الخصم وفهم روايته جزء أساسي من العمل الإعلامي والتحليلي. بل إن وجود صوت روسي يمكن أن يكون مفيداً إذا كان يقدم قراءة سياسية قابلة للنقاش، ويعرض وجهة نظر مختلفة يمكن تفكيكها ومقارنتها بالوقائع.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الضيف من محلل إلى بوق، ومن صاحب رأي إلى أداة للدعاية، وعندما تصبح الشاشة مساحة لتكرار الرواية الرسمية من دون مساءلة أو تدقيق أو وضع المعلومات في سياقها.
وهذا الأمر يصبح أكثر خطورة عندما ننتقل من الحالة الروسية إلى الحالة الإيرانية، لأن المسألة هنا لا تتعلق بحرب بعيدة عن المنطقة العربية، وإنما بصراع يمس الأمن العربي بصورة مباشرة.
مع اندلاع الحرب الأمريكية-الإيرانية واتساع تداعياتها على دول الخليج والمنطقة، برزت على بعض الشاشات العربية شخصيات محسوبة على النظام الإيراني أو قريبة من خطابه السياسي، وخصوصاً تلك التي تتبنى خطاب الحرس الثوري وتدافع عن سياسات طهران في مختلف الظروف. وبات المشاهد العربي أمام مشهد غريب: دولة إيرانية تخوض مواجهة عسكرية وتتعرض بسببها دول عربية للتهديد، بينما تستضيف بعض القنوات العربية أصواتاً تدافع عن إيران وعن ممارسات الحرس الثوري، وأحياناً تتعامل معها باعتبارها طرفاً مساوياً في المعلومة، لا طرفاً سياسياً يمتلك رواية ومصلحة وأجندة.
إن المشكلة هنا ليست في سماع الرواية الإيرانية. فمن الطبيعي أن يحاول الإعلام معرفة ما تقوله طهران، وكيف تبرر مواقفها، وما هي أهدافها. بل إن الاستماع إلى الخصم يمكن أن يكون أكثر فائدة من تجاهله، لأن فهم الخصم جزء من القدرة على مواجهته سياسياً وإعلامياً.
لكن الفرق كبير بين أن تستضيف القناة محللاً إيرانياً لتشرح للمشاهد كيف تفكر طهران، وبين أن تسمح لشخصية سياسية أو إعلامية بتكرار الخطاب الإيراني على الهواء وكأنه حقيقة نهائية، من دون تفكيك أو مساءلة أو مواجهة بالوقائع.
المسألة تنتقل من تعددية إعلامية إلى مشكلة مهنية.
فبعض هؤلاء الضيوف لا يكتفون بالدفاع عن الموقف الإيراني، بل ينتقلون إلى تخوين خصوم إيران واتهامهم، واستخدام لغة الصراخ والاستفزاز، وتحويل النقاش من تحليل سياسي إلى مواجهة لفظية. وعندما يغيب المذيع القادر على ضبط الحوار وتفنيد المعلومات، تتحول الشاشة تدريجياً إلى منصة دعائية مفتوحة، يصبح فيها الصوت الأعلى هو صاحب التأثير الأكبر، وليس صاحب الحجة الأقوى.
الأخطر أن بعض هذه الأصوات أصبحت تتكرر على أكثر من قناة، حتى باتت جزءاً ثابتاً من المشهد التلفزيوني العربي. يتحرك الضيف من برنامج إلى آخر، ومن شاشة إلى أخرى، ويعيد الخطاب نفسه، فيما يحصل على حضور إعلامي واسع في وقت أصبحت فيه الموارد المالية لبعض المؤسسات الإعلامية محدودة، وأصبحت الإثارة والصدام والجدل وسيلة سهلة لجذب الجمهور.
وبذلك تتحول بعض الاستضافات إلى نوع من الاقتصاد الإعلامي القائم على الجدل: ضيف يعرف كيف يستفز، ومذيع يبحث عن الحلقة الأكثر إثارة، وجمهور يتابع الصدام، بينما تضيع الحقيقة بين الصراخ والمواقف السياسية.
وهنا تظهر قضية أكثر حساسية، وهي ارتباط بعض الأصوات الإعلامية والسياسية بمراكز نفوذ خارجية. لا يمكن وضع كل من يدافع عن إيران في خانة واحدة، كما لا يجوز اتهام كل ناقد للسياسات العربية بأنه يعمل لصالح جهة خارجية. الاختلاف السياسي حق طبيعي، والنقد حق مشروع، والإعلام الجاد لا يقوم على تصنيف الناس بين وطني وخائن.
لكن عندما يتحول شخص ما إلى مدافع دائم عن دولة خارجية، ويبرر كل مواقفها، ويدافع عن كل سياساتها، ويكرر خطابها الرسمي في كل أزمة، ويهاجم خصومها بصورة منهجية، فإن المسألة تصبح بحاجة إلى تدقيق مهني أكبر، خصوصاً عندما تكون تلك الدولة طرفاً مباشراً في نزاع عسكري مع الدول التي تستضيف هذا الشخص على شاشاتها.
فالإعلام لا يستطيع أن يتجاهل سؤال المصالح عندما يصبح الضيف جزءاً من منظومة سياسية وإعلامية خارجية.
وهنا تبدو المقارنة مع التجربة الغربية مهمة. فالغرب لم يمنع دراسة روسيا أو إيران، ولم يمنع الصحفيين والباحثين من تحليل سياسات موسكو وطهران، وإنما تعامل بحذر مع المنصات التي اعتُبرت أدوات مباشرة للدعاية الرسمية. أما في بعض الإعلام العربي، فقد حدث العكس تقريباً؛ إذ أصبحت بعض القنوات تقدم للمتلقي الرواية الإيرانية بصورة مباشرة، وأحياناً من دون منحها الوزن النقدي المطلوب.
المشكلة ليست في أن يسمع المواطن العربي ماذا تقول إيران، وإنما في أن يسمع ما تقوله إيران من دون أن يعرف أن ما يسمعه هو رواية سياسية صادرة عن طرف موجود في قلب الصراع.
فالإعلام المهني يستطيع أن يقول للمشاهد إن هذا هو الموقف الإيراني، ثم يضع أمامه الوقائع والردود والمعلومات التي تسمح له بتكوين حكمه. أما أن تقدم الرواية السياسية على أنها حقيقة، فذلك ينقل الإعلام من موقع الشرح إلى موقع الترويج.
الترويج الدعائي في زمن الحرب تزداد فيه الخطورة
فالدعاية ليست مجرد معلومات خاطئة، بل يمكن أن تكون أيضاً انتقاءً للحقائق، وإخفاءً لجزء من الصورة، وإعادة ترتيب للأحداث بحيث تظهر الضحية باعتبارها المعتدي، والمعتدي باعتباره ضحية، والهزيمة باعتبارها انتصاراً، والعدوان باعتباره دفاعاً عن النفس.وهذا النوع من الخطاب هو الذي يجب على الإعلام المهني أن يتعامل معه بحذر شديد، أياً كان مصدره.
إن دول الخليج، التي تتعرض في مثل هذه الظروف لتهديدات أمنية وعسكرية، لا تحتاج إلى إعلام يغلق أبوابه أمام الرأي الآخر، لكنها تحتاج إلى إعلام يعرف كيف يتعامل مع الرواية المعادية دون أن يتحول إلى أداة مجانية لها.
أهمية الاستضافة كونها جزءاً من التحليل، وليس بديلاً عنه.
الضيف الإيراني يمكن أن يكون مفيداً عندما يشرح تفكير طهران، ويصبح ضاراً عندما يتحول إلى متحدث باسم الحرس الثوري.
والضيف الروسي يمكن أن يكون مهماً عندما يقدم قراءة سياسية للصراع، لكنه يتحول إلى أداة دعائية عندما يكرر الرواية الرسمية من دون دليل أو نقاش.
وهنا تكمن مسؤولية القنوات العربية، ليس في إغلاق الهواء، وإنما في إدارة الهواء، فالحرية الإعلامية لا تعني أن تترك الشاشة لمن يملك القدرة على الصراخ والتخوين، ولا تعني أن تتحول القناة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية. الحرية الحقيقية تعني أن يسمع المشاهد مختلف الروايات، لكن ضمن إطار مهني يجعل الحقيقة والوقائع فوق الانتماء السياسي.
لقد أصبحت الحرب الحديثة معركة على الوعي بقدر ما هي معركة على الأرض. الصاروخ يستطيع تدمير منشأة، لكن الرواية تستطيع إعادة تشكيل عقل ملايين البشر. ولذلك فإن الإعلام أصبح جزءاً من الأمن الوطني للدول، وأصبحت مسؤولية المؤسسات الإعلامية أكبر من مجرد تحقيق المشاهدة والإثارة.
وفي الحالة العربية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعلام يمتلك القدرة على التفريق بين الرأي والتحريض، والتحليل والدعاية، والاختلاف السياسي والتضليل، واستضافة الخصم وتحويله إلى صاحب منبر دائم.
القنوات العربية مطالبة بتقديم ضيوف متخصصين
ليس المطلوب إغلاق الشاشات أمام الإيراني أو الروسي أو أي طرف آخر، وليس المطلوب أن يصبح الإعلام العربي إعلاماً حكومياً لا يسمح إلا بصوت واحد. المطلوب ببساطة هو أن تكون هناك مهنية حقيقية في التعامل مع الضيوف، وأن يعرف المشاهد من يتحدث، ولمن ينتمي، وما هي مصادر معلوماته، وما إذا كان يقدم تحليلاً مستقلاً أم يكرر رواية جهة سياسية. فالخطر لا يكمن في أن يسمع المشاهد الرواية الإيرانية، بل في أن يسمعها من دون أن يعرف أنها رواية إيرانية.
والخطر الأكبر أن تصبح بعض القنوات العربية، من حيث تدري أو لا تدري، منصات مجانية لإعادة إنتاج خطاب الحرس الثوري، في الوقت الذي تتعرض فيه دول عربية للتهديد من السياسة الإيرانية نفسها.
إذن، فإن المسؤولية تقع على القنوات العربية قبل غيرها. فالأموال التي تنفق على الإعلام العربي، والجمهور الذي يشاهد هذه القنوات، والثقة التي يمنحها المشاهد للمؤسسة الإعلامية، كلها تفرض على القائمين عليها أن يدركوا أن الشاشة ليست سوقاً مفتوحة للانتفاع، وأن استضافة الشخصيات المثيرة للجدل لا ينبغي أن تتحول إلى تجارة سياسية.
الإعلام العربي يستطيع أن يستضيف الجميع، لكنه لا يجب أن يتخلى عن دوره في التدقيق والتحليل وكشف التناقضات.
فالاستماع إلى الخصم قوة، أما السماح له بأن يستخدم شاشتك لتضليل جمهورك فضعف. وفي زمن الحرب، يصبح الفرق بين الاثنين أكثر أهمية من أي وقت مضى.


