جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ شارك سعادة مقصود كروز، مبعوث وزير الخارجية لمكافحة التطرف والإرهاب، في جلسة تبادل آراء رفيعة المستوى في البرلمان الأوروبي، في بروكسل، وتركزت المناقشات – التي حضرها عدد من أعضاء البرلمان ومستشاروهم وممثلو اللجان – حول قضايا مكافحة التطرف والإرهاب، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار المجتمعي.
واستعرض سعادة كروز رؤية دولة الإمارات في مجال مكافحة التطرف والإرهاب، موضحاً أن التطرف يمثل في جوهره فكراً بينما يمثل الإرهاب سلوكاً ناتجاً عن هذا الفكر، الأمر الذي يجعل المعالجة الفكرية والثقافية والاجتماعية جزءاً أساسياً من أي استراتيجية فعالة لمكافحة التطرف. وأكد سعادته أن المقاربة الإماراتية ترتكز على معالجة الأسباب الجذرية للتطرف، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض، وتعزيز قيم المواطنة والتسامح والتعايش، إضافة إلى حماية التعددية.
وشهدت الجلسة تفاعلاً واسعاً من أعضاء البرلمان الأوروبي المشاركين، حيث أكد عدد من المتحدثين أهمية تعزيز التعاون الدولي في مواجهة التطرف والإرهاب، وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات في مجالات الوقاية من التطرف وحماية المجتمعات. كما تناولت المداخلات التحديات المرتبطة بانتشار خطاب الكراهية والتطرف عبر الفضاء الرقمي، ودور المؤسسات التعليمية والمجتمعية في تعزيز قيم التعايش والاندماج، مع الإشادة بالتجارب والمبادرات الرامية إلى تعزيز التسامح والتماسك المجتمعي.
أبعاد المقاربة الإماراتية في البرلمان الأوروبي
تُجسد مشاركة سعادة مقصود كروز في البرلمان الأوروبي تحولاً نوعياً في الاستراتيجيات الدولية لمكافحة الإرهاب، حيث تجاوز الطرح الإماراتي الأسلوب الأمنّي التقليدي لينفذ مباشرة إلى “جذر المشكلة” وهو البناء الفكري. من خلال تعريفه الدقيق بأن التطرف هو “الجذر الفكري” والإرهاب هو “العرض السلوكي”، تضع الإمارات المجتمع الدولي أمام مسؤولية إعادة توجيه الموارد نحو الساحة الثقافية والاجتماعية. هذا الطرح يفكك آليات التجنيد العقائدي قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ، مما يمنح الشركاء الأوروبيين نموذجاً وقائياً مستداماً يعتمد على التحصين الفكري بدلاً من الاكتفاء بردة الفعل الأمنية.
على الصعيد الدبلوماسي، يعكس هذا التفاعل واسع النطاق من أعضاء البرلمان الأوروبي إدراكاً متزايداً للحاجة إلى “عولمة الحلول” في مواجهة خطر عابر للحدود. لم تعد مكافحة التطرف شأناً داخلياً لكل دولة، بل أصبحت تتطلب توافقاً في الرؤى بين الشرق والغرب، خاصة فيما يتعلق بمواجهة خطاب الكراهية والتحريض. إن حماية التعددية وتعزيز قيم المواطنة والتعايش التي شدد عليها سعادة كروز، تمثل نقاط تلاقٍ جوهرية مع القيم الأوروبية، مما يمهد الطريق لبناء شراكات استراتيجية أعمق تقوم على تبادل الخبرات وأفضل الممارسات التشريعية والوقائية.
وعلى صعيد آخر، تبرز هذه المشاركة الرفيعة أهمية “الدبلوماسية الوقائية” كأداة حيوية لجسد العلاقات الدولية المعاصرة، حيث لم تعد اللقاءات البرلمانية المشتركة مجرد بروتوكولات سياسية، بل تحولت إلى منصات لصياغة تشريعات وسياسات استباقية مرنة. إن نقل التجربة الإماراتية القائمة على المأسسة الثقافية (عبر مراكز ومبادرات التسامح الفعلي) إلى قلب البرلمان الأوروبي يساهم في سد الفجوات القانونية والتنظيمية التي تستغلها الجماعات المتطرفة عالمياً، مما يمنح الأطراف الدولية صياغة موحدة لآليات الرصد والوقاية قبل تفاقم الأزمات الأمنية.
أخيراً، يبرز الحدث أحد أعقد تحديات العصر الحديث التي ناقشتها الجلسة، وهو “أمن الفضاء الرقمي”. إن انتقال التطرف إلى الفضاء الافتراضي جعل من المؤسسات التعليمية والمجتمعية خط الدفاع الأول والبديل الفعلي للمواجهة التقليدية. والإشادة الأوروبية بالمبادرات الإماراتية تؤكد أن تحويل مفاهيم التسامح من شعارات نظريّة إلى سياسات ومبادرات عملية وملموسة هو السبيل الوحيد لخلق التماسك المجتمعي، وتحصين الأجيال القادمة ضد الاختراقات الفكرية الرقمية، مما يرسخ دور الإمارات كلاعب مركزى في صياغة الأمن السلمي العالمي.


