جريدة الحرة بيروت
خاص ـ تتجه مكافحة الاتجار بالبشر نحو مرحلة جديدة تفرضها التحولات المتسارعة في استخدام التكنولوجيا من جانب الشبكات الإجرامية، بعدما أصبحت المنصات الرقمية والبيانات وأدوات الذكاء الاصطناعي جزءاً من البيئة التي يمكن أن تستغل في استدراج الضحايا وإخفاء أنشطة الاستغلال وتوسيع نطاقها. ويفرض هذا التطور على المؤسسات المعنية الانتقال من الاكتفاء بملاحقة الجريمة بعد وقوعها إلى بناء قدرات تسمح بالكشف المبكر عن المخاطر وتحليل الأنماط والتدخل قبل تفاقم الحالات.
وتطرح دولة الإمارات نموذجاً يقوم على دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتنسيق المؤسسي داخل منظومة وطنية تستهدف حماية ضحايا الاتجار بالبشر وتعزيز الوقاية والكشف المبكر والملاحقة القضائية ومنع إعادة استغلال الضحايا. وعرض سعادة القاضي عبدالرحمن مراد البلوشي، نائب رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، ملامح هذه التجربة خلال الحدث الجانبي «مكافحة الاتجار بالأشخاص في العصر الرقمي: تسخير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات لمنع الاتجار بالأشخاص وقمعه ومعاقبة مرتكبيه»، ضمن أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية – أبوظبي 2026.
ويضع هذا النموذج الإنسان وكرامته في مركز الاستجابة، مستنداً إلى خمس دعائم تشمل الوقاية والمنع، والملاحقة القضائية، والعقاب، وحماية الضحايا، وتعزيز التعاون الدولي. وتكتسب هذه المقاربة أهمية متزايدة مع تغير طبيعة الاتجار بالبشر، إذ لم تعد الشبكات الإجرامية تعتمد فقط على وسائل الاستدراج التقليدية، بل باتت قادرة على استثمار الأدوات الرقمية للوصول إلى ضحايا محتملين وإخفاء هويات المتورطين وتوزيع الأدوار بين دول ومناطق مختلفة.
من الاستجابة إلى الوقاية
تسعى الإمارات من خلال هذا المسار إلى تطوير مفهوم مكافحة الاتجار بالبشر بحيث لا يبدأ التدخل عند اكتشاف الجريمة فقط، وإنما قبل وصول الضحية إلى مرحلة الاستغلال. وتتيح تقنيات تحليل البيانات، عند استخدامها ضمن ضوابط قانونية ومؤسسية، قراءة مؤشرات متعددة وربط معلومات قد تبدو منفصلة في الحالات التقليدية، وهو ما يمكن أن يساعد الجهات المختصة على تحديد المخاطر والتعامل معها بصورة أسرع.
وتدمج خطة اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر 2025-2027 التكنولوجيا الحديثة في مجموعة واسعة من مجالات العمل، تشمل حماية الضحايا وجمع البيانات وتحليلها، إلى جانب بناء قدرات جهات إنفاذ القانون في التعامل مع الأدلة الإلكترونية والاستفادة منها في التحقيق والمحاكمة. كما تتضمن الخطة تنفيذ حملات توعوية رقمية ومتابعة الضحايا بعد استكمال برامج التأهيل، بما يوسع نطاق الحماية من التدخل الأولي إلى المتابعة المستمرة.
ويعني هذا التحول أن التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة مساندة للأجهزة المختصة، بل أصبحت جزءاً من البنية التي يمكن أن تقوم عليها الوقاية. فكلما امتلكت المؤسسات أدوات أفضل لجمع المعلومات وتحليلها وربطها، ازدادت قدرتها على فهم أساليب الاستدراج والاستغلال التي تتغير مع تغير البيئة الرقمية.
الذكاء الاصطناعي في قلب المواجهة
يبرز نظام الإحالة الوطني الذكي لضحايا الاتجار بالبشر بوصفه أحد أهم مكونات التجربة الإماراتية. ويربط النظام في مرحلته الحالية 14 وزارة وهيئة وطنية، ويستخدمه نحو 200 موظف ومختص، بما يوفر قاعدة للتنسيق بين الجهات المختلفة التي تتعامل مع حالات الاتجار بالبشر.
ويساعد الذكاء الاصطناعي داخل النظام على تحليل البيانات وفهم أنماط الجريمة والرصد المبكر للمخاطر وتحسين عمليات إحالة الضحايا ومتابعتهم خلال مراحل الحماية والرعاية والتأهيل. ويعكس ذلك انتقالاً من العمل المؤسسي المنفصل إلى محاولة بناء مسار أكثر ترابطاً يمكن خلاله متابعة الحالة وتبادل المعلومات ذات الصلة بين الجهات المختصة.
وتتيح هذه المنظومة أيضاً إصدار إشعارات خاصة عند تسجيل حالات تتعلق بالنساء أو الأطفال أو أصحاب الهمم، بما يساعد الجهات الوطنية على الاستجابة بصورة أسرع وأكثر ملاءمة لخصوصية كل حالة. ولا تكمن أهمية هذه الخاصية في السرعة فقط، بل في محاولة تصميم الحماية وفق طبيعة المخاطر والاحتياجات المختلفة للفئات الأكثر عرضة للاستغلال.
التكنولوجيا سلاح ذو حدين
تستغل الشبكات الإجرامية التطور التكنولوجي لتوسيع نطاق عمليات الاستدراج والاستغلال، وهو ما يجعل أدوات المواجهة مطالبة بمجاراة هذا التطور. وقد تتم عملية الاستدراج عبر منصات رقمية، بينما تنتقل مراحل الاستغلال بين أكثر من دولة، الأمر الذي يزيد صعوبة تعقب الجناة ويجعل الأدلة موزعة بين أنظمة ومنصات وجهات قضائية مختلفة.
ويؤكد هذا الواقع الحاجة إلى تطوير قدرات رقمية موازية لدى أجهزة إنفاذ القانون. وقد أشار البلوشي إلى أن تزايد استخدام الشبكات الإجرامية للتكنولوجيا يتطلب قدرات متقدمة في الكشف والتحليل والتحقيق، بما يسمح للجهات المختصة بفهم البيئة الرقمية التي تتحرك فيها الجريمة وليس التعامل معها باعتبارها مجرد وسيلة اتصال بين الجناة والضحايا.
ويضيف هذا التحول بعداً جديداً إلى العمل القضائي والأمني، لأن الأدلة الإلكترونية أصبحت في كثير من الحالات جزءاً أساسياً من عملية إثبات الجريمة. ولهذا أرسى المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية إطاراً قانونياً للتعامل مع الأدلة الرقمية ومنحها حجية في الإثبات الجنائي، بما يدعم عمليات تعقب الجناة ومحاسبتهم ومواجهة محاولات إخفاء الأدلة أو العبث بها بهدف عرقلة التحقيقات.
حماية الضحايا بعد انتهاء الجريمة
تتجاوز مكافحة الاتجار بالبشر عملية إنقاذ الضحية وإبعادها عن دائرة الاستغلال، لأن الخطر قد يستمر حتى بعد انتهاء المرحلة الأولى من الحماية. وقد يؤدي غياب المتابعة والتأهيل إلى تعرض بعض الضحايا لمخاطر جديدة أو إعادة استغلالهم، خصوصاً عندما تبقى الظروف التي جعلتهم عرضة للجريمة دون معالجة كافية.
وتعتمد الخطة الإماراتية على متابعة الضحايا بعد استكمال برامج التأهيل، بما يعزز مفهوم الحماية المستدامة. ويسمح الربط بين الجهات المختصة بتتبع مسار الحالة عبر مراحل الرعاية والتأهيل، بدلاً من التعامل معها كواقعة تنتهي بمجرد إبعاد الضحية عن مصدر الخطر.
وتمنح هذه المقاربة الجانب الإنساني موقعاً أساسياً داخل المنظومة الرقمية. فالهدف من استخدام الذكاء الاصطناعي ليس جمع البيانات لذاتها، وإنما توظيفها لتحسين سرعة الاستجابة ودقة الإحالة وتوجيه الخدمات إلى من يحتاج إليها، مع مراعاة الخصوصية والاحتياجات الخاصة لكل فئة من الضحايا.
التعاون الدولي ضرورة لا خيار
تفرض الطبيعة العابرة للحدود للاتجار بالبشر مستوى مرتفعاً من التعاون بين الدول، لأن الشبكات الإجرامية تستطيع توزيع عملياتها بين أكثر من نطاق جغرافي وقانوني. وقد توجد معلومات الضحية في دولة، بينما يوجد الجاني أو الدليل الرقمي أو العائد المالي للجريمة في دولة أخرى.
وتضع التجربة الإماراتية التعاون الدولي ضمن ركائزها الأساسية، إلى جانب تبادل المعلومات والخبرات وتعزيز الحوكمة الرقمية. وكانت الإمارات في طليعة دول المنطقة المنضمة إلى بروتوكول باليرمو، كما واصلت تطوير أطرها التشريعية والمؤسسية لمواكبة الأنماط المتغيرة للجريمة.
وتزداد أهمية هذا التعاون كلما اتسع استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات في مكافحة الجريمة. فالأدوات التقنية لا تعمل بكفاءة كاملة إذا بقيت المعلومات محصورة داخل مؤسسة أو دولة واحدة، بينما يسمح تبادل الخبرات والمعلومات ببناء صورة أوسع عن تحركات الشبكات الإجرامية وأساليبها.
من البيانات إلى القرار
تحتاج المنظومات الذكية إلى أكثر من التكنولوجيا حتى تحقق أهدافها. فجمع البيانات وتحليلها لا يكفيان وحدهما إذا لم يترافقا مع كوادر قادرة على تفسير النتائج وتحويل المؤشرات إلى إجراءات قانونية وأمنية وإنسانية مناسبة.
وتتطلب هذه المرحلة بناء قدرات مستمرة لدى جهات إنفاذ القانون، خصوصاً في مجال الأدلة الإلكترونية والتحقيقات الرقمية وتحليل البيانات. كما تحتاج المؤسسات إلى تطوير آليات للتأكد من دقة المعلومات والتمييز بين المؤشرات التي تستحق التدخل والحالات التي قد تنتج عن أخطاء أو قراءات غير مكتملة للبيانات.
ويصبح هذا الجانب أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالفئات الأكثر عرضة للمخاطر. فكل قرار مبني على البيانات يمكن أن يؤثر في حياة شخص، ولذلك ينبغي أن يظل استخدام الذكاء الاصطناعي خاضعاً للرقابة البشرية والأطر القانونية، بحيث لا تتحول الخوارزميات إلى بديل عن التحقق والتحقيق والقرار القضائي.
إعلان أبوظبي ومسار جديد للعدالة
تنسجم التجربة الإماراتية مع أولويات «إعلان أبوظبي» في تعزيز العدالة المتمحورة حول الإنسان وحماية الضحايا والفئات الأكثر عرضة للمخاطر والتصدي للتهديدات الإجرامية المتطورة. كما يبرز الإعلان أهمية توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، وهو ما يلتقي مع الاتجاه الذي تقوم عليه منظومة مكافحة الاتجار بالبشر في الإمارات.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية في وقت تتسع فيه الفجوة بين سرعة تطور التكنولوجيا وسرعة تطوير التشريعات والقدرات المؤسسية. فالجريمة الرقمية تستطيع الاستفادة من أدوات جديدة خلال فترة قصيرة، بينما تحتاج المؤسسات إلى وقت لتطوير القوانين والتدريب والبنية التقنية وآليات التعاون.
وتحاول الإمارات معالجة هذه الفجوة عبر الجمع بين التشريع والتكنولوجيا والتنسيق المؤسسي وحماية الضحايا، بدلاً من الاعتماد على مسار واحد. ويعطي هذا الدمج للمواجهة قدرة أكبر على التعامل مع الجريمة باعتبارها منظومة مترابطة تبدأ بالوقاية ولا تنتهي عند الملاحقة القضائية.
هل تصبح المواجهة استباقية؟
يفتح النموذج الإماراتي الباب أمام تحول أوسع في طريقة التعامل مع الاتجار بالبشر، من ملاحقة الجرائم بعد وقوعها إلى محاولة اكتشاف المؤشرات التي تسبقها. وقد يمنح الذكاء الاصطناعي المؤسسات قدرة أكبر على تحليل أنماط الاستغلال وربط البيانات وتحديد المخاطر، لكن نجاح هذا التحول سيظل مرتبطاً بكفاءة المؤسسات التي تستخدم هذه الأدوات وبالضمانات التي تحكم عملها.
ويفرض تطور أساليب الشبكات الإجرامية تحديثاً دائماً للمنظومة، لأن الأدوات المستخدمة في الاستدراج والاستغلال لن تبقى ثابتة. وسيحتاج ذلك إلى استثمار متواصل في التكنولوجيا والتدريب والتشريعات، إلى جانب توسيع التعاون الدولي وتبادل المعلومات والخبرات.
وتشير التجربة التي عرضتها الإمارات إلى أن المعركة المقبلة ضد الاتجار بالبشر لن تدور فقط حول زيادة عدد التحقيقات أو العقوبات، بل حول القدرة على الوصول إلى الجريمة في مراحل أبكر، وحماية الضحية بصورة أكثر استدامة، وربط المؤسسات في منظومة واحدة تستطيع التعامل مع البيانات والأدلة الرقمية والتحولات السريعة في أساليب الجريمة.
وتبقى القيمة الأساسية لهذا المسار مرتبطة بقدرته على تحقيق توازن بين التكنولوجيا والإنسان. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تسريع التحليل والكشف والإحالة، لكنه لا يمكن أن يحل محل المسؤولية القانونية والرقابة البشرية وحماية الكرامة الإنسانية. ومن هنا يتحدد مستقبل مكافحة الاتجار بالبشر: كلما نجحت التكنولوجيا في خدمة الإنسان، وتحولت البيانات إلى حماية فعلية، أصبح الانتقال من ملاحقة الجريمة إلى استباقها أكثر قابلية للتحقق.


