الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الإمارات ـ تفكيك تنظيم شيعي إيراني سري، تفاصيل تكشف نمطًا معقداً

جريدة الحرة برلين ـ بيروت

بقلم: اسطيفان يلدز

الإمارات ـ تفكيك تنظيم شيعي إيراني سري، تفاصيل تكشف نمطًا معقداً

في منطقة تزدحم  بالتحولات الجيوسياسية والصراعات الممتدة، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج للاستقرار والتنمية والانفتاح. غير أن هذا الاستقرار لم يكن بمنأى عن التهديدات الإقليمية، خاصة في ظل التوترات المستمرة مع إيران، التي تتبنى سياسات توسعية في محيطها الإقليمي.وجاء إعلان جهاز أمن الدولة الإماراتي في 20 أبريل 2026 عن تفكيك تنظيم سري مرتبط بـ”ولاية الفقيه” ليعيد تسليط الضوء على طبيعة هذه التهديدات، التي لم تعد تقليدية، بل باتت تعتمد على العمل السري والتأثير الفكري والتغلغل داخل المجتمعات. أمن دولي ـ مقاربة دولة الإمارات لتعزيز الأمن والاستقرار في مناطق الصراع الإقليمي والدولي

لم يكن استهداف الإمارات أمرا عشوائيا، بل يرتبط بجملة من العوامل المتشابكة. فالإمارات، بموقعها الاستراتيجي ، تمثل نقطة ارتكاز اقتصادية وتجارية عالمية، ما يجعل أي محاولة لزعزعة استقرارها ذات تأثير يتجاوز حدودها الجغرافية.ترتبط الدولة بتحالفات دولية قوية، وتتبنى سياسات خارجية نشطة في قضايا المنطقة، وهو ما يضعها في موقع تنافس غير مباشر مع الطموحات الإيرانية. كما أن النموذج الإماراتي القائم على الاعتدال والانفتاح يتناقض مع الأيديولوجيات التي تسعى إيران إلى تصديرها، خاصة تلك المرتبطة بمفهوم “ولاية الفقيه”.

تفكيك التنظيم السري: تفاصيل تكشف نمطًا معقداً

تكشف العملية الأمنية التي أُعلن عنها في أبريل 2026 عن نمط متطور من التهديدات. لم يكن التنظيم مجرد خلية تقليدية، بل شبكة منظمة تعتمد على السرية والتخطيط بعيد المدى. أظهرت التحقيقات أن عناصر التنظيم عملوا على استقطاب الشباب عبر لقاءات مغلقة، وسعوا إلى ترسيخ أفكار متطرفة مرتبطة بولاءات خارجية. كما عقدوا اجتماعات داخل الدولة وخارجها مع جهات مشبوهة، في محاولة لبناء شبكة تأثير تمتد إلى مواقع حساسة. ولم تقتصر أنشطتهم على الجانب الفكري، بل شملت أيضا جمع الأموال بطرق غير رسمية وتحويلها إلى جهات خارجية، في مؤشر على وجود بنية تنظيمية متكاملة. هذه المعطيات تعكس تحولًا في أساليب العمل، من المواجهة المباشرة إلى الاختراق الناعم والتأثير التدريجي.

لا تأتي هذه العملية بمعزل عن سياق أوسع من الجهود الأمنية التي تبذلها الإمارات في مواجهة التهديدات. فقد نجحت خلال السنوات الماضية في إحباط العديد من المخططات التي استهدفت أمنها الداخلي، سواء عبر خلايا مرتبطة بتنظيمات متطرفة أو شبكات تمويل غير مشروع. وتعتمد الدولة في ذلك على منظومة متكاملة تجمع بين العمل الاستخباراتي والتشريعات الصارمة والتعاون الدولي، ما مكّنها من الحفاظ على مستوى عالٍ من الأمن والاستقرار، رغم التحديات المحيطة.الشيعة في الإمارات: حرية دينية ضمن إطار الدولة

في مقابل هذه التهديدات، تواصل الإمارات ترسيخ نموذجها القائم على التعايش السلمي بين مختلف الأديان والمذاهب. فالمجتمع الإماراتي يضم تنوعا ثقافيا ودينيا واسعا، يعيش في ظل قوانين تضمن حرية الاعتقاد وتحظر التمييز والكراهية. وقد انعكس هذا النهج في مبادرات عديدة تهدف إلى تعزيز ثقافة التسامح، إضافة إلى وجود دور عبادة متعددة تخدم مختلف الطوائف.

هذا المناخ لا يعزز فقط الاستقرار الداخلي، بل يشكل أيضًا حاجزًا أمام محاولات الاستقطاب والتطرف.ضمن هذا النموذج، يتمتع أبناء الطائفة الشيعية بحرية ممارسة شعائرهم الدينية بشكل طبيعي. إذ تقام الصلوات والمناسبات الدينية في المساجد والحسينيات، دون قيود تستهدف المذهب بحد ذاته. غير أن الدولة تضع خطًا واضحا بين حرية الممارسة الدينية وبين استغلال الدين لأغراض سياسية أو خارجية. فالتدخلات المرتبطة بولاءات خارجية أو محاولات التأثير على النسيج الوطني تُواجه بحزم، حفاظًا على وحدة المجتمع واستقراره.الأمن الدولي ـ زيارة رئيس دولة الإمارات إلى موسكو، شراكة استراتيجية في توقيت دولي حرج

جهود الامارات في محاربة التطرف والارهاب؟

تتبنى الإمارات العربية المتحدة نهجا متكاملا في مواجهة التطرف والإرهاب، يقوم على مزيج من الحزم الأمني والرؤية الفكرية والتنموية، وهو ما جعلها من الدول الرائدة إقليميا في هذا المجال. فمنذ سنوات، أدركت الدولة أن خطر الإرهاب لا يقتصر على العمليات المسلحة، بل يمتد إلى الأفكار التي تمهد له، والشبكات التي تعمل في الخفاء على تغذيته.طورت الإمارات منظومة متقدمة تعتمد على العمل الاستخباراتي الاستباقي، ما مكنها من إحباط العديد من المخططات قبل تنفيذها. ولا تقتصر هذه الجهود على الداخل فقط، بل تمتد إلى تعاون وثيق مع شركاء دوليين لتبادل المعلومات وملاحقة الشبكات العابرة للحدود. هذا التنسيق عزز قدرة الدولة على التعامل مع التهديدات المعقدة، خاصة تلك التي تعتمد على التمويل غير المشروع أو التجنيد عبر الفضاء الرقمي.

لكن ما يميز التجربة الإماراتية هو إدراكها أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي. لذلك، استثمرت الدولة في بناء خطاب فكري معتدل يواجه جذور التطرف. وفي هذا السياق، تأسس مركز هداية ليكون منصة دولية لنشر أفضل الممارسات في مكافحة التطرف العنيف، وتدريب الكوادر على التصدي للأيديولوجيات المتشددة.أطلقت الإمارات مبادرات نوعية لمكافحة الدعاية المتطرفة، من أبرزها مركز صواب، الذي يركز على تفنيد الخطاب الإرهابي على الإنترنت، وكشف تناقضاته، وتقديم رواية بديلة تستند إلى قيم التسامح والانفتاح. وقد لعب هذا المركز دورا مهمًا في تقويض تأثير الجماعات المتطرفة في الفضاء الرقمي.

عملت الإمارات على ترسيخ ثقافة التسامح كخط دفاع أول ضد التطرف. فقد أطلقت مبادرات ومؤسسات تعزز التعايش، مثل وزارة التسامح والتعايش، التي تهدف إلى نشر قيم الاحترام المتبادل بين مختلف الثقافات والأديان. هذا التوجه ساهم في خلق بيئة مجتمعية منفتحة تقل فيها فرص الاستقطاب والتشدد.ركزت الدولة على تطوير المناهج التعليمية والخطاب الديني، لضمان توافقهما مع قيم الاعتدال، ومنع استغلال الدين لأغراض سياسية أو أيديولوجية. ويُعد هذا الجانب أساسيًا في تحصين الأجيال الجديدة من الوقوع في فخ التطرف. تبنت الإمارات تشريعات صارمة تجرم الإرهاب وتمويله، وتفرض عقوبات رادعة على كل من يثبت تورطه في أنشطة تهدد الأمن الوطني. وقد أسهم هذا الإطار القانوني في خلق بيئة ردع قوية، تحدّ من قدرة الجماعات المتطرفة على التحرك أو التجنيد.

تعكس تجربة الإمارات في مكافحة التطرف والإرهاب نموذجا شاملا يجمع بين الأمن والفكر والتنمية. فهي لا تكتفي بملاحقة التهديدات، بل تعمل على منع نشأتها من الأساس، من خلال بناء مجتمع متماسك، وتعزيز قيم الاعتدال، والانخراط الفاعل في الجهود الدولية لمواجهة هذه الظاهرة. وهذا ما جعلها واحدة من أكثر الدول قدرة على الحفاظ على استقرارها، رغم التحديات التي تشهدها المنطقة.

تم تصنيف دولة الإمارات من بين أكثر الدول أماناً في العالم، وجاء ذلك نتيجة لثمرة وضعها سلامة مقيميها وزوارها في صميم استراتيجيتها للتنمية الوطنية، ويرتكز نهج دولة الإمارات لتعزيز الأمان عبر أنحاء البلاد على الابتكار، والتحديث، والرقمنة.

لماذا الآن؟ توقيت يكشف أبعادًا أوسع

يثير توقيت الكشف عن التنظيم تساؤلات حول الدوافع الكامنة وراء هذه التحركات. ففي ظل تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط التي تواجهها إيران داخليا وخارجيا، تلجأ طهران إلى توسيع أدواتها غير التقليدية لتعزيز نفوذها. أن استهداف دولة مستقرة مثل الإمارات قد يحقق أهدافًا معنوية وإعلامية، حتى لو لم تنجح المخططات فعليا. ويُحتمل أيضا أن تكون هذه التحركات جزءا من استراتيجية أوسع تعتمد على “حروب الظل”، التي تركز على التأثير غير المباشر بدل المواجهة الصريحة.أمن قومي ـ أهمية مشاركة دولة الإمارات العربية في معارض الصناعات الدفاعية والأمنية الدولية

يبدو أن التحديات الأمنية ستستمر، لكن بأشكال متغيرة، فقد تتجه بعض الأطراف إلى تكثيف محاولات التأثير عبر الفضاء الرقمي، أو استهداف فئات معينة، خاصة الشباب، بأفكار موجهة.ومع ذلك، تمتلك الإمارات مقومات قوية لمواجهة هذه التحديات، من بينها كفاءة أجهزتها الأمنية، وتماسك مجتمعها، ووضوح سياساتها في رفض أي تدخل خارجي. كما أن نموذجها القائم على التوازن بين الانفتاح والحزم يشكل عنصر قوة في مواجهة التهديدات.

تعكس عملية تفكيك التنظيم السري في أبريل 2026 واقعا إقليميا معقدا، تتداخل فيه السياسة بالأمن، والأيديولوجيا بالمصالح. لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن الحفاظ على الاستقرار يتطلب يقظة دائمة واستعدادًا لمواجهة التحديات بأدوات متعددة.وبينما تستمر بعض الأطراف في محاولات زعزعة الأمن، تواصل الإمارات ترسيخ نموذجها كدولة تجمع بين القوة والانفتاح، وتثبت أن التعايش والتسامح يمكن أن يكونا خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف.

رابط نشر ..https://hura7.com/?p=78014

الأكثر قراءة