الأكثر قراءة

الإمارات وحفظ السلام.. من المشاركة إلى صناعة التنسيق الدولي

جريدة الحرة بيروت

خاص ـ لم تعد عمليات حفظ السلام تُقاس بعدد الأفراد الذين ترسلهم الدول إلى مناطق النزاع، ولا بحجم التجهيزات التي ترافق البعثات الدولية. البيئات التي تعمل فيها الأمم المتحدة أصبحت أكثر تعقيدًا، والبعثات مطالبة بالتعامل مع أزمات تتداخل فيها التحديات الأمنية والسياسية والإنسانية، الأمر الذي يجعل كفاءة المؤسسات وتكامل أدوارها جزءًا أساسيًا من قدرة أي عملية سلام على تحقيق أهدافها.

ضمن هذا التحول، جاءت مشاركة دولة الإمارات في النقاشات المرتبطة بعمليات حفظ السلام خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، من خلال المجموعة الاستشارية الاستراتيجية للشرطة «SPAG» التي ترأسها الدولة. ولم يقتصر الحضور الإماراتي على عرض تجربة وطنية، بل ارتبط بطرح قضية أكثر اتساعًا تتعلق بكيفية تطوير أداء المكونات الشرطية والعسكرية داخل بعثات الأمم المتحدة. وقد ركز حدث جانبي نظمته المجموعة على تجربة «ورشة قادة الأمم المتحدة لعمليات السلام 2026»، التي استضافتها وزارة الداخلية في أبوظبي بين 31 أغسطس/آب و4 سبتمبر/أيلول، وجمعت للمرة الأولى قيادات المكونين الشرطي والعسكري في بعثات حفظ السلام حول طاولة واحدة.

من تعدد الأدوار إلى العمل المشترك

تكمن أهمية جمع القيادات الشرطية والعسكرية في غرفة واحدة في معالجة مشكلة عملية أكثر منها بروتوكولية. فنجاح بعثات حفظ السلام يتطلب أن تعمل مكوناتها المختلفة وفق تصور مشترك، خصوصًا عندما تتداخل حماية المدنيين، وإنفاذ القانون، والاستقرار الأمني، وإدارة الأزمات داخل البيئة نفسها. الشرطة والجيش لا يؤديان الوظيفة ذاتها داخل عمليات السلام، لكن الفصل الحاد بينهما قد يخلق فجوات في الاستجابة عندما تتغير طبيعة المهمة على الأرض. ولذلك فإن رفع مستوى التنسيق بينهما يعني تقليص المسافة بين التخطيط والتنفيذ، وتحسين القدرة على اتخاذ القرار عندما تتطور الأوضاع بسرعة.

وهذه المسألة تكتسب أهمية إضافية في وقت تعيد فيه الأمم المتحدة تقييم مستقبل عمليات السلام نفسها. فقد قدمت المنظمة في 2026 مراجعة شاملة لمستقبل مختلف أشكال عمليات السلام، ركزت على تحسين فعاليتها ومرونتها وقدرتها على التعامل مع تحديات الحاضر والمستقبل.

أبوظبي كمختبر للخبرة

اختيار أبوظبي لاستضافة الورشة لا يرتبط فقط بالبنية اللوجستية اللازمة لعقد اجتماع دولي بهذا المستوى. فتنظيم ورشة تجمع قيادات من مكونات مختلفة يعني توفير بيئة تسمح بتبادل الخبرات ومناقشة المشكلات التشغيلية بعيدًا عن الحسابات اليومية للبعثات الموجودة في مناطق النزاع.المشاركة الدولية الواسعة والإشادة بمستوى التنظيم والدعم اللوجستي، وفق المعطيات الواردة عن الفعالية، تضيف بعدًا آخر إلى التجربة الإماراتية. فالدولة تحاول تقديم نفسها كشريك قادر على توفير مساحة تجمع الخبرات الأمنية المختلفة، وليس فقط كدولة مشاركة في عمليات حفظ السلام.

وتكتسب هذه الوظيفة أهمية عندما تصبح الخبرة المتراكمة داخل البعثات نفسها موردًا يحتاج إلى التنظيم والتبادل. فالدروس المستخلصة من الميدان لا تكون ذات قيمة كبيرة إذا بقيت محصورة داخل كل بعثة أو مؤسسة، بينما يمكن أن تتحول إلى معرفة مشتركة عندما تجمع القيادات المعنية لتبادل التجارب وتحديد نقاط الضعف.

ما الذي يتغير في مفهوم حفظ السلام؟

التحولات التي تشهدها عمليات السلام تدفع نحو مفهوم أكثر مرونة للجاهزية. فالبعثة الحديثة تحتاج إلى الاستعداد لمواقف قد تتغير خلال ساعات، وإلى أجهزة تستطيع تبادل المعلومات بسرعة، وإلى قيادات تفهم حدود كل مكون وتعرف في الوقت نفسه متى وكيف تتكامل الأدوار. وتشير الأمم المتحدة في مراجعتها لمستقبل عمليات السلام إلى الحاجة إلى أدوات أكثر تكيفًا وفعالية في مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية. وهذا يجعل التدريب المشترك والتخطيط المتكامل جزءًا من عملية إصلاح أوسع، وليس مجرد نشاط مهني منفصل.

من هذه الناحية، تحمل ورشة أبوظبي دلالة تتجاوز الحدث نفسه. جمع المكونين الشرطي والعسكري للمرة الأولى ضمن هذا المستوى القيادي يختبر نموذجًا يقوم على أن الأمن في عمليات السلام لا ينتج عن قوة أحد المكونات منفردًا، بل عن قدرة المؤسسات المختلفة على العمل ضمن منظومة واحدة، مع الحفاظ على اختلاف وظائفها.

الإمارات تراهن على وظيفة تتجاوز المشاركة

رئاسة الإمارات للمجموعة الاستشارية الاستراتيجية للشرطة تمنحها فرصة للمساهمة في النقاش المهني داخل الأمم المتحدة حول مستقبل العمل الشرطي في عمليات السلام. والمهم هنا أن هذا الدور لا يقوم فقط على تقديم الموارد أو استضافة الاجتماعات، وإنما على المساهمة في صياغة المعرفة المهنية وتطوير قنوات التعاون بين الدول والمؤسسات. وتُظهر التجارب السابقة أيضًا أن أبوظبي استضافت ورشًا أممية مرتبطة بأداء القيادات الشرطية في عمليات حفظ السلام، ما يمنح استضافة ورشة 2026 سياقًا تراكميًا بدل أن تكون حدثًا منفردًا. وقد يتسع هذا الدور مستقبلًا إذا تحولت الورش والمؤتمرات إلى شبكة مستمرة لتبادل الخبرات، خصوصًا في مجالات الجاهزية العملياتية، والتنسيق بين المكونات، والتعامل مع البيئات الأمنية المتغيرة. عندها تصبح قيمة الاستضافة في ما تنتجه من علاقات وخبرات قابلة للاستخدام داخل البعثات، لا في عدد المشاركين أو مدة الفعالية.

ثلاث نتائج يمكن أن تحملها التجربة

المسار الأول يتمثل في تحويل التدريب المشترك إلى ممارسة مؤسسية أوسع داخل عمليات السلام، بحيث تصبح اللقاءات بين القيادات الشرطية والعسكرية جزءًا من إعداد البعثات وتقييم أدائها، وليس نشاطًا استثنائيًا. المسار الثاني يرتبط بتطوير مفهوم الجاهزية نفسه. فالتجربة قد تدفع نحو نماذج تدريب تركز على العمل المشترك والاستجابة المتكاملة، بدل تدريب كل مكون بمعزل عن الآخر. أما المسار الثالث فيتعلق بموقع الإمارات داخل منظومة التعاون الدولي. استمرارها في استضافة مثل هذه المبادرات ورئاسة SPAG يمكن أن يعزز حضورها كشريك في تطوير الخبرات المؤسسية المرتبطة بحفظ السلام، خصوصًا إذا اقترن ذلك بمخرجات عملية تستفيد منها الأمم المتحدة والدول المشاركة.

المغزى الأوسع للتجربة أن مستقبل حفظ السلام لن يعتمد على زيادة الموارد وحدها. المؤسسات الدولية تحتاج أيضًا إلى أن تعرف كيف تستخدم ما لديها بصورة أكثر تكاملًا. وفي هذا السياق، يصبح جمع الشرطة والجيش حول طاولة واحدة أكثر من خطوة تنظيمية؛ إنه محاولة لبناء لغة عملياتية مشتركة بين مكونات تعمل في البيئة نفسها وتواجه أحيانًا الأزمة ذاتها من مواقع مختلفة. ومن هنا تبرز أهمية الدور الإماراتي: ليس فقط في استضافة اجتماع دولي، وإنما في المساهمة في اختبار نموذج يقوم على المعرفة المشتركة، والتدريب المتكامل، والاستعداد المسبق، ثم نقل هذه الخبرة إلى الميدان. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تصبح أبوظبي إحدى المنصات التي تتشكل فيها بعض الأفكار العملية حول الجيل المقبل من عمليات حفظ السلام.

الأكثر قراءة