الأكثر قراءة

الإنفاق الدفاعي الألماني ـ طموحات استراتيجية

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

يشهد الإنفاق الدفاعي في ألمانيا تحولًا متسارعًا في ظل تصاعد التهديدات الأمنية في أوروبا والحرب الروسية في أوكرانيا. وتسعى برلين إلى زيادة مخصصات الدفاع وتحديث قدراتها العسكرية، بما يعزز دورها داخل الناتو. ويعكس هذا التوجه انتقال ألمانيا نحو تحمل مسؤوليات أكبر في أمن أوروبا والدفاع عنها.

اننقادات للانفاق الدفاعي

اتهم معهد إيفو للأبحاث الاقتصادية، ومقره ميونيخ، الحكومة الألمانية باستخدام اقتراض إضافي يهدف إلى توفير مساحة أكبر للإنفاق الدفاعي لأغراض أخرى. أفاد معهد إيفو في 10 سبتمبر من العام 2026 إن 38.5% من الديون الإضافية التي تم الحصول عليها في عام 2025 بموجب استثناء من قانون الدين الدستوري الألماني لم تترجم إلى إنفاق إضافي على الدفاع والأمن.

وقالت الباحثة إميلي هوسلينجر من معهد إيفو: “لم يؤد جزء كبير من الدين الإضافي إلى زيادة الإنفاق الدفاعي. بل تم استخدام القدرة الإنفاقية الإضافية التي تم توفيرها في الميزانية الأساسية لأغراض أخرى”. حيث قامت ألمانيا بتغيير قواعدها الدستورية المتعلقة بالديون في مارس 2025 ، حيث أعفت الإنفاق الدفاعي والأمني ​​الذي يزيد عن 1% من الناتج المحلي الإجمالي من كبح الدين في البلاد تمت الموافقة على هذا الإجراء من قبل البرلمان المنتهية ولايته بدعم من الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ والاتحاد الاجتماعي المسيحي، والحزب الديمقراطي الاجتماعي المنتمي ليسار الوسط، وحزب الخضر.

ووجد معهد إيفو أن الإنفاق ذي الصلة بالدفاع قد زاد بمقدار 17.6 مليار يورو (20.6 مليار دولار)، في حين تم تحمل ديون بقيمة 28.6 مليار يورو (33.5 مليار دولار) بموجب الإعفاء. وذكر معهد إيفو إن ذلك ترك 11 مليار يورو (12.9 مليار دولار) من الاقتراض الإضافي الذي لم يتوافق مع نفقات الدفاع والأمن الإضافية أي ما يعادل 38.5% من الإجمالي.

وزارة المالية ترفض الانتقادات

رفضت وزارة المالية الألمانية الانتقادات التي وجهها معهد إيفو بشأن استخدام الحكومة للاقتراض الإضافي لتمويل الإنفاق الدفاعي. وقالت الوزارة إن معهد إيفو قد طبق معيارًا خاطئًا عند حساب مقدار الدين الإضافي الذي أدى فعلياً إلى زيادة الإنفاق الدفاعي. وأكدت الوزارة: “إن دراسة معهد إيفو لا تطبق المعايير القانونية التي وضعها البوندستاغ والبوندسرات في القانون الأساسي الدستور الألماني مع استثناء الإنفاق الدفاعي من كبح الدين”. “لذلك فإن الدراسة خاطئة قانونياً ومنهجياً. إنها تقارن بين أشياء لا تقارن.”

أشاد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته بألمانيا باعتبارها قوة دافعة وراء الجهود المبذولة لتعزيز القدرات الدفاعية لأوروبا، محذرًا في الوقت نفسه من أن التهديد الروسي لا يزال مرتفعًا.وفي كلمته في ختام المؤتمر السنوي لسفراء وزارة الخارجية الألمانية في برلين، رحب روتّه بقرار الحكومة رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029.

وقال روتّه إن ألمانيا تنفق الآن على الدفاع أكثر من أي دولة أوروبية أخرى، وأصبحت محركاً رئيسياًا لإنتاج الأسلحة. وتابع “لقد انتقلتم إلى المستوى السادس في الدفاع”. وفي معرض حديثه عن حرب أوكرانيا ، قال روتّه إن موسكو تواصل هجماتها دون هوادة وتتكبد خسائر في الأرواح، حيث يُقتل أو يُصاب بجروح خطيرة أكثر من 40 ألف جندي شهريًا. كما حذر من أن الهجمات الهجينة الروسية في أوروبا تتزايد، بما في ذلك الهجمات الإلكترونية والتخريب والعمليات التي تشمل الطائرات بدون طيار.

عقب حادثة الطائرة المسيّرة في لايبزيغ مطلع أغسطس، أكد روتّه لألمانيا تضامن حلف الناتو الكامل معها. وقد حمّلت الحكومة الألمانية روسيا مسؤولية محاولة الهجوم. أضاف روتّه إن حلف الناتو سيواصل دعم أوكرانيا مع تسريع الجهود لتعزيز قدراته الدفاعية. مؤكدًا إن أوروبا تتولى بشكل متزايد مسؤولية أمنها الخاص، بهدف بناء “ركيزة أوروبية أقوى في حلف شمال الأطلسي القوي”.

إنتاج واسع النطاق لصواريخ كروز

تعتزم شركة التسليح الأمريكية الإسرائيلية “كوفينانت” إنشاء إنتاج واسع النطاق لصواريخ كروز بعيدة المدى في ولاية ساكسونيا الألمانية. تقول رئيسة الشركة أبيغيل دينبورغ: “في العام الأول سننتج نحو 1000 صاروخ، ثم نرفع الإنتاج إلى 5000 صاروخ. وهذا هو هدفنا للإنتاج السنوي”.

ومن المقرر أن يبدأ إنتاج صاروخ كروز “أنتيم” العام 2027 في منطقة لايبزيغ لصالح عملاء أوروبيين. وتمتلك الشركة كذلك مصنعًا في دالاس بولاية تكساس لتلبية احتياجات القوات المسلحة الأمريكية. ويمكن لصاروخ “أنتيم” حمل رأس حربي يزن 200 كيلوغرام. ولا تعلق الشركة على التقارير الإعلامية التي تشير إلى أن مداه يبلغ 1500 كيلومتر.

ويُصنّف “أنتيم” سلاحًا لتنفيذ ضربات دقيقة في عمق أراضي الخصم، فيما يعرف باسم “الضربة العميقة” (Deep Strike). وتعتزم الشركة طرح منظومة الأسلحة بسعر أقل بكثير من الأنظمة المتاحة في السوق. وتوضح “كوفينانت” أن سعر صاروخ “أنتيم” سيكون في نطاق مئات الآلاف من الدولارات، أي أقل من مليون دولار، في حين تبلغ تكلفة أنظمة الأسلحة الأخرى من هذا النوع عادة عدة ملايين من الدولارات للصاروخ الواحد.

ترسانة واسعة من الأسلحة  

يحمل الإنتاج واسع النطاق أهمية عسكرية، ومن شأنه تعزيز قدرة العملاء على مواصلة العمليات العسكرية لفترة أطول. أوضحت دينبورغ: “الردع هو عملية حسابية لدى العدو، وتتغير هذه الحسابات عندما تمتلك ترسانات كبيرة من الأسلحة. فإذا كان بإمكانك تحقيق هدف ما وتنفيذ هجوم واحد فقط، فإن ذلك لا يردع العدو بالضرورة”.

ووفقًا لمعلومات وكالة الأنباء الألمانية، تجري شركة “كوفينانت” بالفعل محادثات مع القوات المسلحة الألمانية وهيئة المشتريات الدفاعية، من دون تأكيد رسمي لذلك. وقالت دينبورغ، من دون الإشارة مباشرة إلى ألمانيا، إن هناك بالفعل عقد إنتاج لتوريدات تبدأ من ألمانيا في الربع الأول من عام 2027. وأضافت: “سيقرر هذا العميل الأوروبي بنفسه متى يريد الإعلان عن ذلك”.

تأسست شركة “كوفينانت” حديثًا في عام 2024، ويقع مقرها الرئيسي في واشنطن. ووفقًا لبيانات الشركة، جمعت أكثر من 250 مليون دولار، أي نحو 215 مليون يورو، من المستثمرين عبر ثلاث جولات تمويل. ومن بين المستثمرين صندوق “Founders Fund”، الذي يُعد بيتر ثيل أحد مؤسسيه. ويُعرف ثيل بمواقفه الليبرالية المحافظة، وقربه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وانتقاداته للديمقراطيات الليبرالية.

وكان وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD، قد أعرب “صراحة” عن مخاوفه بشأن ثيل. كما دار نقاش علني حول احتمال نشوء تبعيات جديدة، أو زيادة خطر أن تجد ألمانيا نفسها في أوقات الأزمات من دون مخزونات كافية من الذخائر.

وفي ألمانيا، تستعين الشركة وفقًا لبياناتها بالفريق المتقاعد أندرياس مارلو مستشارًا. وكان مارلو يشغل حتى عام 2025 منصب نائب مفتش القوات البرية الألمانية، كما تولى منذ عام 2022 قيادة بعثة الاتحاد الأوروبي لتدريب القوات المسلحة الأوكرانية. ووُصف برنامج أوروبي لإنتاج صواريخ بعيدة المدى بأنه “قطعة الأحجية المفقودة في بنية الردع لدينا”، وفقًا لتصريحات مارلو.

هل يمثل “أنتيم” بديلًا لـ”توماهوك”؟

تسعى ألمانيا وحلفاؤها الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي حاليًا إلى اقتناء أنظمة تسليح بعيدة المدى كرد على التهديد الروسي، إلى جانب تطوير مثل هذه الأنظمة بأنفسهم. وخلال قمة الناتو في أنقرة، اتفقت الحكومة الألمانية مع الولايات المتحدة على شراء صواريخ كروز أمريكية من طراز “توماهوك”. وفي مطلع سبتمبر من العام 2026، نجحت البحرية الألمانية في إجراء اختبار كان سريًا في السابق لنظام الصواريخ الإسرائيلي “لورا”، وهو صاروخ باليستي.

وتمتلك ألمانيا بالفعل صاروخ كروز “تاوروس” الذي تنتجه شركة الصناعات الدفاعية الأوروبية “إم بي دي إيه”، لكنها لا تزال بعيدة عن تحقيق إنتاج واسع النطاق لهذا النوع من الأسلحة. كما لا تمتلك دول الناتو الأوروبية في الوقت الراهن أسلحة متوسطة المدى خاصة بها.

وعلى المدى المتوسط، تعتزم عدة دول حليفة اقتناء منظومة أسلحة خاصة بها لتنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، أو ما يعرف باسم “الضربة الدقيقة العميقة” (Deep Precision Strike)، ضد الأهداف ذات القيمة العالية لدى الخصم. ولهذا الغرض، أُطلقت مبادرة “إلسا” (ELSA)، أي “النهج الأوروبي للضربات بعيدة المدى”، خلال قمة الناتو في واشنطن عام 2024.

https://hura7.com/?p=84650

 

الأكثر قراءة