جريدة الحرة
خاص ـ يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي قادرا على التحرك. ويعد مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية والأمنية عائقا أمام ذلك. ويرى هانز غيرت بوتيرينغ، الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي، وكلاوس فيله، من مركز مارتنز للدراسات الأوروبية، أن إنشاء “مجلس أمن أوروبي” من شأنه أن يغير هذا الوضع. قد زعزعت حرب أوكرانيا التي شنها بوتين وروسيا ضد أوكرانيا النظام الأوروبي.
في الوقت نفسه، تتسبب سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من النزاعات التجارية إلى الاستفزازات العلنية في العلاقات عبر الأطلسي في تزايد حالة عدم اليقين بشأن موثوقية السياسة الأمنية للولايات المتحدة في المستقبل. في ضوء هذه الشكوك والتحديات السياسية العالمية، فإن اتخاذ الاتحاد الأوروبي إجراء فعالا يعد مسألة ملحة.
مبدأ الإجماع عقبة رئيسية
يشكل مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية والأمنية عائقا رئيسيا أمام ذلك. كيف يمكن التغلب على هذا العائق الهيكلي أمام صنع القرار، والذي يؤثر على جوهر قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل؟. بات بإمكان المجلس الأوروبي التحول إلى اتخاذ القرارات بالأغلبية عبر التصويت بالإجماع، لكن ليس كل الدول الأعضاء الـ 27 مستعدة للقيام بذلك.
وهذا يستبعد فعليا تعديل المعاهدة بهدف تمكين اتخاذ القرارات بالأغلبية. علاوة على ذلك، أظهرت تجربة معاهدة لشبونة أن مثل هذه العملية ستستغرق عدة سنوات، وهو ما لا يملكه الاتحاد الأوروبي. لذا، لا بد من اختيار مسار مختلف.
يجب على أوروبا أن تقيم وضعها الاستراتيجي بشكل واقعي
الشرط الأساسي لذلك هو أن تقوم أوروبا بتقييم وضعها الاستراتيجي بشكل واقعي وأن تنظر أيضا في الأمر الذي لا يمكن تصوره لتجنبه: وهو فصل الولايات المتحدة عن أمن أوروبا. في الوقت نفسه، لا يكفي الاعتماد على القوة المعيارية للقانون وحده.
فالقانون الدولي، ولا سيما القانون الأوروبي باعتباره أساس الاتحاد الأوروبي، يتطلبان حماية فعالة من خلال القدرة على العمل المشترك، وفي حالة الشك، من خلال قدرة دفاعية عسكرية موثوقة. ينبغي على دول الاتحاد الأوروبي المستعدة للقيام بذلك أن تتبنى “اتفاقية حكومية دولية” وهي اتفاقية بين الحكومات تمكن من اتخاذ القرارات بالأغلبية في السياسة الخارجية والأمنية.
يمكن أن يكون الإجراء التشريعي العام بمثابة نموذج لإجراء صنع القرار 55% من الدول المشاركة في “الاتفاقية الحكومية الدولية”، والتي تمثل 65% من السكان.
مجلس الأمن الأوروبي
يمكن لمجموعة المشاركين أن تشكل “مجلس الأمن الأوروبي”، وهو بمثابة اتحاد داخل الاتحاد الأوروبي، وأن تتخذ جميع القرارات ذات الصلة بالسياسة الخارجية والأمنية. مع ذلك، ينبغي أن يكون الهدف دائما هو إشراك جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة. وإذا لم ينجح ذلك، فلا يزال بالإمكان اتخاذ إجراءات بمشاركة عدد أقل من الدول.
وهذا يتجاوز مفهوم “أوروبا الأساسية” فمن ينتمي إليها بالمناسبة؟ ويتجاوز مفهوم “تحالف الراغبين” الذي يتغير تبعا للظروف. ينبغي أن يضم “مجلس الأمن الأوروبي” رؤساء الدول والحكومات للدول المشاركة في “الاتفاقية الحكومية الدولية” بالإضافة إلى رؤساء المؤسسات الأوروبية المجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي والمفوضية والممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية.
يجب أن تصبح أوروبا أقوى
ينبغي أن يكون هذا النموذج متوافقا مع مصالح الدول الأعضاء، لأنها لا تزال هي اللاعبين الرئيسيين؛ ومع مصالح المؤسسات الأوروبية، لأن صنع القرار بالأغلبية هو عنصر من عناصر العمل الفيدرالي. يجب أن تصبح أوروبا أقوى، بالنسبة لألمانيا والاتحاد الأوروبي، يعني هذا قرارا استراتيجيا واضحا: يجب أن يصبح توسيع نطاق الدفاع الأوروبي ليصبح اتحادا دفاعيا أولوية في السياسة الأوروبية، إلى جانب الدعم الحازم لأوكرانيا. يجب توعية شركائنا الأمريكيين بأن تعزيز أوروبا عسكريا سيعزز التحالف عبر الأطلسي ككل. فلنحافظ على تحالفنا الأطلسي، ولنصبح أكثر أوروبية.
في ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام لحظة مفصلية ستحدد ملامح دوره في النظام الدولي خلال العقود القادمة. إن استمرار الاعتماد على مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية والأمنية سيظل عاملا مقيدا لقدرة الاتحاد على الاستجابة السريعة والفعالة للازمات، خاصة في بيئة دولية تتسم بالتقلب وعدم اليقين.
من ثم، فإن الاتجاه نحو آليات أكثر مرونة في صنع القرار، مثل التصويت بالأغلبية أو إنشاء أطر موازية كـ”مجلس أمن أوروبي”، قد يمثل نقطة تحول حاسمة.
على المدى المتوسط، من المرجح أن نشهد تشكلا تدريجيا لنواة صلبة داخل الاتحاد تضم الدول الأكثر استعدادا لتحمل أعباء الدفاع المشترك واتخاذ قرارات استراتيجية سريعة. هذا المسار قد يؤدي إلى تعميق التكامل الدفاعي، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات تتعلق بوحدة الصف الأوروبي واحتمالات اتساع الفجوة بين الدول الأعضاء.
أما على الصعيد عبر الأطلسي، فإن تزايد الشكوك حول استمرارية الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا سيدفع الدول الأوروبية إلى إعادة تعريف علاقتها بالولايات المتحدة، ليس بالانفصال عنها، بل بإعادة توازنها. فتعزيز القدرات العسكرية الأوروبية سيصبح ضرورة لا خيارا، بما يضمن شراكة أكثر تكافؤا واستقلالية نسبية في اتخاذ القرار.
على المدى البعيد، قد يتجه الاتحاد الأوروبي نحو نموذج هجين يجمع بين الطابع الفيدرالي في بعض المجالات الحيوية، مثل الدفاع والأمن، وبين الحفاظ على سيادة الدول في مجالات اخرى. نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرة القادة الأوروبيين على تحقيق توازن دقيق بين الفعالية السياسية والتماسك الداخلي.
إن مستقبل أوروبا سيتحدد بمدى قدرتها على الانتقال من قوة معيارية تعتمد على القانون والمؤسسات، إلى فاعل استراتيجي يمتلك أدوات القوة الصلبة إلى جانب قوته الناعمة، بما يضمن له موقعا مؤثرا في عالم متعدد الاقطاب.


