الأكثر قراءة

الاتحاد الأوروبي والعقوبات على روسيا: عودة إلى سياسة الضغط المشدد

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى إعادة النظر في سياسته المتعلقة بالعقوبات المفروضة على روسيا، مع توجه داخل مؤسساته للعودة إلى ما يمكن وصفه بسياسة العقوبات المشددة، بعد سنوات من الحزم المتتالية التي استهدفت أفراداً وكيانات روسية وقطاعات اقتصادية مختلفة. وقد أعلنت كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، أن مؤسستها تعمل على إعداد حزمة جديدة من العقوبات المناهضة لروسيا، وصفتها بأنها ستكون الأوسع منذ بدء الحرب الروسية–الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، ومن المتوقع طرحها خلال خريف عام 2026.

تشديد العقوبات الغربية على روسيا

تقوم فكرة الحزمة الجديدة، وفق ما أعلنته كالاس، على توسيع قائمة العقوبات الأوروبية بصورة كبيرة، بحيث يرتفع عدد الأفراد والكيانات الروسية المدرجة على القائمة السوداء بنحو الثلث. وإذا تحقق ذلك، فإن عدد المدرجين قد يرتفع من نحو ثلاثة آلاف إلى قرابة أربعة آلاف فرد وكيان. ويكشف هذا الرقم عن حجم غير مسبوق من العقوبات الأوروبية المفروضة على دولة واحدة، خصوصاً إذا ما قورن بالعقوبات الأوروبية المفروضة على إيران، التي تشمل أعداداً أقل بكثير من الأفراد والكيانات.

غير أن العودة إلى سياسة العقوبات المشددة لا تبدو مسألة سهلة داخل الاتحاد الأوروبي، إذ إن قرارات العقوبات تتطلب إجماع الدول الأعضاء السبع والعشرين. وكلما اتسعت الحزمة وتعددت بنودها، ازدادت احتمالات ظهور اعتراضات من بعض الدول التي ترى أن بعض الإجراءات قد تضر بمصالحها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية.

بدأت الخلافات بالظهور داخل الاتحاد الأوروبي

لقد ظهرت هذه الخلافات في الحزم السابقة، إذ اعترضت بعض الدول الأوروبية على إجراءات تتعلق بإدراج شخصيات دينية روسية على قوائم العقوبات، أو فرض قيود على نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي، أو تشديد القيود على إصدار تأشيرات شنغن لبعض المواطنين الروس. وتكشف هذه الاعتراضات أن الاتحاد الأوروبي، رغم امتلاكه موقفاً جماعياً تجاه روسيا، لا يتحرك دائماً وفق رؤية موحدة تماماً، بل تتداخل في قراراته الحسابات الأمنية والاقتصادية والمصالح الوطنية لكل دولة عضو.

وتزداد صعوبة هذه المعادلة عند الحديث عن إضافة أعداد ضخمة من الأفراد والكيانات إلى القوائم السوداء. فبعض دول البلطيق، مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، تنظر إلى روسيا باعتبارها تهديداً أمنياً مباشراً، ولذلك تتبنى مواقف أكثر تشدداً تجاه موسكو. أما دول أوروبية أخرى فتتعامل مع العقوبات من زاوية مختلفة، وتأخذ في الاعتبار انعكاساتها على الطاقة والتجارة والنقل والسياحة والاقتصاد الداخلي.

الإصرار على حزمة جديدة من العقوبات

إن الحديث عن حزمة عقوبات أوروبية واسعة لا يمكن تجاهله بالكامل، خصوصاً مع ورود تقارير عن دراسة المفوضية الأوروبية إدراج أعداد كبيرة من الكيانات الروسية على القائمة السوداء. وفي المقابل، ظهرت داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي أصوات تدعو إلى التخلي عن سياسة العقوبات الجماعية الواسعة، والتركيز بدلاً من ذلك على عقوبات محددة تستهدف أفراداً وكيانات بعينها، باعتبار أن توسيع العقوبات بصورة كبيرة قد لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج سياسية مباشرة.

وتكشف هذه النقطة عن مشكلة أساسية تواجه السياسة الأوروبية تجاه روسيا، وهي أن فرض العقوبات أسهل من ضمان تنفيذها وتحقيق أهدافها السياسية. فالعقوبات قد تؤثر في الاقتصاد الروسي أو تحد من قدرة بعض المؤسسات والأفراد على الحركة والتعامل مع الأسواق الأوروبية، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على إجبار الكرملين بصورة فورية على إنهاء الحرب في أوكرانيا.

العقوبات الأوروبية سياسية المضمون

فالعقوبات الأوروبية لا يمكن النظر إليها باعتبارها أداة اقتصادية فقط، وإنما باعتبارها إحدى أدوات الدبلوماسية الأوروبية القائمة على الضغط. فالهدف لا يقتصر على إلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي، بل يمتد إلى استخدام العقوبات كورقة تفاوضية يمكن توظيفها مستقبلاً في أي تسوية سياسية. ولذلك، فإن رفع العقوبات قد يصبح بدوره جزءاً من عملية التفاوض، بحيث يُطلب من روسيا تقديم تنازلات مقابل تخفيف بعض القيود المفروضة عليها.

وتبرز في هذا السياق مسألة مهمة تتعلق بتوزيع الصلاحيات داخل الاتحاد الأوروبي. فكايا كالاس تستطيع الدفع باتجاه مقترحات جديدة للعقوبات، لكن اعتماد هذه الإجراءات لا يتوقف عليها وحدها. وتبقى مؤسسات الاتحاد الأوروبي الأخرى، ولا سيما المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء، صاحبة الدور الحاسم في تحديد طبيعة الحزمة النهائية وحجمها.

في النهاية، فإن مستقبل العقوبات الأوروبية على روسيا سيبقى مرتبطاً بمعادلة معقدة تجمع بين الضغط السياسي، والمصالح الاقتصادية، والأمن الأوروبي، ووحدة الموقف الأوروبي، وقدرة الاتحاد على تنفيذ العقوبات بفاعلية. فالسؤال لم يعد فقط: هل يستطيع الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات جديدة؟ وإنما أصبح السؤال الأهم: هل تستطيع هذه العقوبات تحقيق أهدافها السياسية، أم أنها ستتحول إلى سياسة مستمرة من العقوبات المتبادلة دون أن تقود بالضرورة إلى تسوية للصراع؟

https://hura7.com/?p=83330

الأكثر قراءة