جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تشهد العلاقة بين المجر والاتحاد الأوروبي تطورًا مثيرًا في السنوات الأخيرة، حيث يتصاعد الصراع بين الطرفين بشكل تدريجي نحو مستويات جديدة من التوتر. بدأت المواجهة الأخيرة بعد رفض المجر دعم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وهو ما دفع بروكسل إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية ضدها، تشمل حرمانها من التمويل المخصص لبرنامج SAFE العسكري. وهذه ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها المجر موقفًا مغايرًا يعرضها لعقوبات اقتصادية من قبل الاتحاد الأوروبي، إذ كانت قد فقدت مليارات الدولارات في وقت سابق نتيجة رفضها لاستقبال المهاجرين.
الاتحاد الأوروبي يضغط على المجر عبر المال: “رشوة عكسية”؟
في الآونة الأخيرة، تعرّضت المجر لضغوط متزايدة من الاتحاد الأوروبي بسبب مواقفها المستقلة عن سياسات بروكسل. ففي فبراير من العام الماضي، رفضت المجر تخصيص أموال جديدة لأوكرانيا، مما أثار غضب الاتحاد الأوروبي، خاصة مع تصاعد الخلاف بين رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. تصاعدت هذه الضغوط بعد أن استخدمت المجر حق النقض ضد قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، مما دفع بروكسل إلى فرض عقوبات اقتصادية ضد بودابست.
تُشير تقارير إعلامية إلى أن الاتحاد الأوروبي قد بدأ في تطبيق ما يمكن تسميته بـ”الرشوة العكسية” تجاه الناخبين المجريين، حيث يُفرج عن الأموال المخصصة فقط إذا كانت الحكومة المجريّة تلتزم بالسياسات التي يتبناها الاتحاد الأوروبي، أي إذا كانت تضمن نتائج الانتخابات التي تُرضي بروكسل.
الخلافات المستمرة بين المجر والاتحاد الأوروبي
لا يتوقف تاريخ الصراع بين المجر والاتحاد الأوروبي عند حدود الدعم لأوكرانيا. فقد شهدت المجر العديد من المواجهات مع الاتحاد الأوروبي منذ عام 2015، عندما رفضت استضافة اللاجئين في إطار سياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بأزمة الهجرة. وكان الموقف المجري في هذا الصدد في تعارض تام مع السياسات التي تبناها الاتحاد الأوروبي، مما أدى إلى ردود فعل انتقامية من بروكسل.
في عام 2017، حكمت محكمة العدل الأوروبية ضد المجر، حيث قضت بأن رفضها المشاركة في عملية توزيع اللاجئين كان انتهاكًا لقوانين الاتحاد الأوروبي. تم تغريم المجر 200 مليون يورو، وهو ما استمرت الحكومة المجريّة في رفض دفعه. من هنا، بدأت تظهر الإشارات الأولى لتصعيد التوترات بين المجر وبروكسل.
ضغط الاتحاد الأوروبي على المجر: إعادة فرض السيطرة
المجر ليست الدولة الوحيدة التي تواجه ضغوطًا من الاتحاد الأوروبي، لكن موقفها المستقل، خصوصًا في قضايا مثل الهجرة والحرب الأوكرانية، جعلها محورًا رئيسيًا لهذه الضغوط. في عام 2020، ربط الاتحاد الأوروبي توزيع الأموال بين الدول الأعضاء بالامتثال لمبادئ سيادة القانون. هذا القرار أثر بشكل مباشر على المجر، حيث كان من المفترض أن تتلقى بودابست 6.3 مليار يورو، لكنها لم تتمكن من الحصول على هذه الأموال بسبب تصرفاتها المخالفة لسياسات الاتحاد.
فيما يخص العلاقات بين المجر وأوكرانيا، بدأ الاتحاد الأوروبي في تعزيز ضغوطه على المجر عندما رفضت الأخيرة تقديم الدعم العسكري الموحد لأوكرانيا. كما حاولت بروكسل تعديل ممارسات صنع القرار في السياسة الخارجية، مما يبرز محاولة لإعادة تصويب المواقف السياسية للمجر لصالح الاتحاد الأوروبي.
حملة الانتخابات: صراع أيديولوجي بين “العالمي” و”الوطني“
إن الحملة الانتخابية في المجر تحولت إلى صراع فكري بين الأيديولوجيات المتعارضة: الأيديولوجية “العالمية”، التي تتبناها بروكسل، والأيديولوجية “الوطنيّة” التي تروج لها الحكومة المجريّة بقيادة فيكتور أوربان. يُظهر هذا التوتر بشكل جليّ في السياسة الداخلية للمجر، حيث أصبحت الانتخابات في البلاد مسألة ليست محلية فحسب، بل تُعد جزءًا من صراع أوسع مع الاتحاد الأوروبي.
التوجهات العالمية التي يروج لها الاتحاد الأوروبي، مثل فتح الحدود لللاجئين ودعم السياسات الخارجية الموحدة، تتعارض بشكل واضح مع السياسات الوطنية التي يفضلها أوربان. ومن هنا، لا تقتصر هذه المعركة على مصالح المجر فقط، بل تشمل أيضًا وضعها داخل الاتحاد الأوروبي وتوجهاتها المستقبلية.
التأثير على مستقبل الاتحاد الأوروبي: الانقسام الداخلي
يظهر من هذا الصراع أن الاتحاد الأوروبي قد يجد نفسه أمام تحديات كبيرة في المستقبل. فالاتحاد، الذي يعتمد على مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات، قد يكون مضطرا للتخلي عن هذا المبدأ لصالح التصويت بالأغلبية في حال استمرار المعارضة من بعض الأعضاء مثل المجر. قد يترتب على ذلك تدهور في وحدة الاتحاد، خاصة مع ظهور خلافات جوهرية حول مصالح الدول الأعضاء.
كما أن هذه المعركة السياسية قد تفتح الباب أمام تحولات جذرية في سياسة الاتحاد الأوروبي. ففي حال استمرت الدول الأعضاء مثل المجر في إتباع سياسات تتعارض مع خط الاتحاد، قد تشهد أوروبا تحولات في تكوينها السياسي قد تقود إلى تغييرات في هيكل القوة داخل الاتحاد.
في النهاية، يمكن القول أن الصراع بين المجر والاتحاد الأوروبي ليس مجرد خلاف سياسي بل هو صراع أيديولوجي يعكس التحديات التي يواجهها الاتحاد في الحفاظ على وحدة أعضائه وسط تباين المصالح السياسية. ومع استمرار هذه التوترات، قد نكون أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين المجر وبروكسل، قد تحدد بشكل كبير ملامح المستقبل السياسي والاقتصادي في أوروبا.


