جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يقف الاتحاد الأوروبي أمام وجه جديد وأكثر خطورة للجريمة المنظمة العابرة للحدود؛ وجه لا يكتفي بنهب الأموال والمدخرات عبر الفضاء الرقمي، بل يستعبد البشر ويحولهم إلى أدوات قسرية لتنفيذ مخططاته الإجرامية المتشابكة. لم تعد مراكز الاحتيال الإلكتروني مجرد شاشات خلفها محتالون محترفون يعملون بدوافع فردية، بل تحولت إلى ما يشبه “معسكرات” تضم مئات الآلاف من الضحايا الذين تم استدراجهم عبر إعلانات توظيف مضللة ووعود برواتب مجزية، ليجدوا أنفسهم فجأة محتجزين داخل مجمعات مغلقة ومجبرين على ممارسة الخداع الرقمي وتنفيذ الجرائم السيبرانية تحت ضغوط نفسية وجسدية قاسية وتهديدات مستمرة.
إن التحذيرات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والاتحاد الأوروبي تعكس الخطورة الفائقة لهذا التهديد الاستثنائي الذي يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية التقليدية. فالمشكلة لم تعد محصورة في أقاليم بعينها مثل جنوب شرق آسيا التي تؤوي مئات الآلاف من الضحايا، بل امتدت لتشمل مناطق متعددة في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وأوروبا الشرقية، وأمريكا اللاتينية. وما يثير القلق الشديد في هذا الصدد هو اعتماد هذه الشبكات الإجرامية على التقنيات الرقمية الحديثة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق عملياتها والتهرب من الكشف، فضلًا عن استهداف الضحايا بلغاتهم الأم عبر فرق متخصصة لبناء ثقة زائفة تجعلهم صيدًا سهلًا لشبكات لا تتورع عن تجريدهم من أموالهم وحقوقهم الإنسانية الأساسية.
تكمن الخطورة الحقيقية في هذه الظاهرة المتنامية في ازدواجية المعاناة المركبة التي يعيشها هؤلاء الضحايا؛ فهم يتعرضون أولًا للاستغلال وسلب الحرية القسري، ثم يواجهون ثانيًا خطر الملاحقة القانونية والعقاب الجنائي بوصفهم “جناة” شاركوا في تنفيذ الجرائم. إن التعامل مع هؤلاء الأفراد كعناصر إجرامية دون النظر إلى ظروف إكراههم واحتجازهم يمثل خللًا أخلاقيًا وقانونيًا بليغًا يجب معالجته فورًا. من هنا، فإن دعوات المنظمات الدولية لضرورة التعرف المبكر على الضحايا وتوفير الحماية القانونية والرعاية النفسية والاجتماعية لهم، قبل الشروع في أي إجراءات قضائية، تشكل حجر الزاوية في أي استراتيجية جادة ومستدامة لمكافحة هذا النوع البشع من الجرائم.
على الجانب الآخر، توفر العمليات الأمنية والتنفيذية الناجحة مثل تلك التي قادتها السلطات النمساوية والألبانية بالتعاون الشامل مع أجهزة “يوروبول” و”يوروجست” لتفكيك شبكة احتيال ضخمة في تيرانا نموذجًا حقيقيًا وحيًا لما يجب أن تكون عليه المواجهة الدولية الفعالة. لقد أثبتت هذه التحقيقات الدقيقة أن شبكات الاحتيال الرقمي تُدار اليوم باحترافية تنظيمية عالية وتكتيكات شائكة تضاهي بأسلوبها الشركات التجارية المشروعة، مما يتطلب استجابة حازمة ومتكاملة تتجاوز حدود التعاون الشرطي التقليدي لتشمل أجهزة القضاء، والجمارك، والنيابات العامة، بالتعاون مع القطاعين التقني والمالي.
إن مواجهة هذا الخطر الداهن لا تحتمل على الإطلاق الحلول الجزئية أو الفردية المؤقتة. إن اعتزام المفوضية الأوروبية تقديم خطة عمل شاملة واستراتيجية جديدة لمكافحة الاتجار بالبشر ينبغي أن يتبعه تكاتف دولي واسع النطاق يهدف إلى تفكيك هذه الشبكات الإجرامية من جذورها، وتجفيف مصادر تمويلها غير المشروعة، وملاحقة العقول المدبرة لها. إن حماية الفضاء الرقمي وضمان كرامة الإنسان ليسا مجرد خيار أمني، بل هما واجب أخلاقي ومسؤولية مشتركة لحماية المجتمعات الإنسانية من الانزلاق نحو عصر جديد من العبودية المبرمجة.


