الأكثر قراءة

الاتحاد الأوروبي يقود تحركًا دوليًا لمواجهة شبكات التجنيد الروسية

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تتصاعد المخاوف الدولية من توسع أساليب التجنيد المضلل التي تستهدف الباحثين عن العمل والمهمشين، عبر وعود زائفة بالوظائف والمنح الدراسية. وفي ظل اتهامات لروسيا باستغلال هذه الفئات لدعم مجهودها الحربي في أوكرانيا، تتزايد الدعوات الأوروبية والأوكرانية لتعزيز التعاون الدولي لمكافحة شبكات التجنيد والاتجار بالبشر.

الفئات المستهدفة للتجنيد

لم تعد روسيا تعتمد في دعم حربها ضد أوكرانيا على تجنيد المرتزقة التقليديين فحسب، بل باتت تستهدف كذلك الباحثين عن فرص العمل من الفئات الأكثر هشاشة، مستغلة أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. ففي العديد من الدول الإفريقية وغيرها، يُستدرج الشباب عبر عروض عمل وهمية، ومنح دراسية مزيفة، ووعود بالحصول على الجنسية الروسية أو رواتب مرتفعة، ليجدوا أنفسهم بعد وصولهم إلى روسيا منخرطين في القتال على الجبهات أو يعملون داخل مصانع إنتاج الطائرات المُسيَّرة والمعدات العسكرية.

ووفقًا لهيئة التنسيق الأوكرانية المعنية بأسرى الحرب ووزارة الخارجية الأوكرانية، تمكنت روسيا من تجنيد أكثر من 28 ألف مواطن أجنبي ينتمون إلى 135 دولة، بينهم نحو 3 آلاف إفريقي، معظمهم من كينيا ونيجيريا والكاميرون وغانا. وقد دفع هذا الواقع أوكرانيا إلى إطلاق حملات توعية ومبادرات، من بينها مشروع “أريد أن أعيش”، الذي يهدف إلى توفير قنوات آمنة للراغبين في الانشقاق عن الجيش الروسي والاستسلام، مع تقديم معلومات تساعدهم على الخروج من دائرة الاستغلال.

في ظل النقص الروسي المتزايد في القوى البشرية اللازمة لاستمرار الحرب ودعم الاقتصاد العسكري، توسع نطاق عمليات التجنيد خارج حدودها. وتعتمد في ذلك على استغلال البطالة، والرغبة في الهجرة، وضعف الحماية القنصلية في بعض الدول، إضافة إلى نقص المعلومات لدى الشباب الباحثين عن فرص أفضل.

وتستخدم شبكات محلية وعابرة للحدود، مدعومة بحملات تضليل إعلامي، للإعلان عن وظائف أو برامج تعليمية تبدو قانونية، بينما يكون الهدف الحقيقي هو استدراج الضحايا إلى الخدمة العسكرية أو العمل في الصناعات المرتبطة بالحرب.

وبمجرد وصول المجندين إلى روسيا، يكتشف كثير منهم أنهم تعرضوا للخداع، وأنهم أُجبروا على الالتحاق بوحدات قتالية أو منشآت إنتاج عسكرية. ويرفض التقرير الرواية الروسية التي تنفي أي دور رسمي في هذه العمليات، معتبرًا أن اتساع نطاقها وطبيعتها المنظمة يجعلان من الصعب تصديق عدم تورط السلطات الروسية فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

من المتوقع أن تزداد هذه الظاهرة خلال الفترة المقبلة مع استمرار حاجة موسكو إلى مزيد من الأفراد لتعويض خسائرها البشرية، وهو ما يرفع من احتمالات استهداف مزيد من الشباب في الدول الإفريقية وغيرها. ويترتب على ذلك مخاطر كبيرة بالنسبة للدول المصدرة للعمالة، إذ قد يتعرض مواطنوها للاستغلال والاتجار بالبشر، أو يفقدون حياتهم في ساحات القتال نتيجة عمليات تجنيد احتيالية.

أليات الاتحاد الأوروبي لمواجهة روسيا

يمتلك الاتحاد الأوروبي فرصة لتعزيز جهوده في هذا المجال عبر إنشاء شبكة دولية لمكافحة عمليات الاحتيال في التجنيد، تجمع بين أوكرانيا، والدول الإفريقية، ومنظمات المجتمع المدني، بهدف منع عمليات التجنيد المضللة، وكشف شبكاتها، وتفكيكها.

ومن شأن هذه الشبكة أن تسهم في حماية الأفراد المعرضين للاستغلال، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، ودعم الضحايا، وتطوير التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون، بدلًا من استمرار الجهود الحالية التي تتسم بالتشتت وضعف التنسيق.

ومن منظور أوكرانيا، فإن تفكيك هذه الشبكات لا يقتصر على تقليص عدد المجندين الذين تعتمد عليهم روسيا، بل يسهم كذلك في كشف الطابع القسري لحملتها العسكرية، ويضعف قدرتها على استقطاب مقاتلين جدد.

أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن دعم هذه الجهود يحقق عدة أهداف استراتيجية في آنٍ واحد، أبرزها تعزيز صمود أوكرانيا، والحد من النفوذ الروسي، وتعميق التعاون مع الدول الإفريقية، إضافة إلى مكافحة شبكات الجريمة المنظمة التي ترتبط أحيانًا بالهجرة غير النظامية وعمليات الاتجار بالبشر.

هناك دعوات بأن تضم الشبكة المقترحة مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة، تشمل الحكومات الإفريقية، وأوكرانيا، ومنظمات المجتمع المدني، والجاليات الإفريقية في الخارج، ووكالات التوظيف، والصحفيين، وشركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية.

ويتيح هذا التنوع تبادل المعلومات بسرعة، ورصد أنماط التجنيد المضللة، وتعطيل الحملات الإلكترونية التي تستهدف استدراج الضحايا، فضلًا عن توفير قنوات آمنة لطلب المساعدة.

كما يجب التمييز بين المرتزقة الذين ينضمون إلى القتال بإرادتهم، وبين الأشخاص الذين وقعوا ضحية للخداع أو الإكراه أو الاستغلال الاقتصادي. ويُعد هذا التمييز ضروريًا لضمان التعامل القانوني والإنساني مع الضحايا، كما يتطلب تعاونًا بين أوكرانيا والدول الأصلية للمجندين، خاصة عند أسرهم أو استسلامهم. ومن شأن هذا التعاون أن يساعد في جمع الأدلة، وملاحقة المسؤولين عن شبكات التجنيد، وزيادة الوعي العام بمخاطر هذه الممارسات.

ثلاثة محاور رئيسية

يستند النموذج المقترح إلى ثلاثة محاور رئيسية.

المحور الأول الوقاية: ويشمل إطلاق حملات توعية بلغات محلية، وتنظيم لقاءات في المدارس والجامعات، وإصدار تحذيرات عبر مكاتب التوظيف، والتواصل مع الجاليات الإفريقية، ومراقبة الإعلانات الإلكترونية الخاصة بالوظائف. وتهدف هذه الإجراءات إلى تنبيه الشباب إلى مخاطر عروض العمل الوهمية، والمنح الدراسية المزيفة، والعقود التي تخفي ارتباطات عسكرية.

المحور الثاني الحماية: ويشمل إنشاء قنوات سرية للإبلاغ عن حالات التجنيد المشبوهة، والتحقق من البلاغات، وتقديم الاستشارات القانونية، والتواصل مع أسر الضحايا، ودعم عمليات إعادتهم إلى بلدانهم. ويمكن أن تشمل هذه القنوات خطوطًا هاتفية ساخنة، وحسابات مخصصة عبر تطبيقات مثل “واتساب”، ونقاط اتصال داخل السفارات، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني، بما يسمح بتلقي المعلومات دون تعريض المبلغين أو أسرهم للخطر.

المحور الثالث المساءلة: من خلال تعزيز تبادل الأدلة والمعلومات بين أجهزة الشرطة الوطنية، ووكالات إنفاذ القانون، بدعم من اليوروبول والإنتربول. كما يدعو التقرير إلى إعداد خرائط دقيقة لمسارات التجنيد، والوسطاء، وشبكات النقل، وأساليب الدعاية المستخدمة عبر الإنترنت، بما يسهم في تفكيك هذه الشبكات والحد من قدرتها على مواصلة نشاطها.

سيؤدي الجمع بين هذه المحاور الثلاثة إلى رفع مستوى الحماية، وتعزيز قدرة المجتمعات على مقاومة محاولات الاستقطاب، وزيادة كلفة عمليات التجنيد بالنسبة للشبكات المسؤولة عنها. كما يقترح الاستفادة من برامج مستوحاة من مفاهيم نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)، لتشجيع الأشخاص العالقين داخل روسيا أو في المناطق الأوكرانية الخاضعة لسيطرتها على الانشقاق، مع توفير ممرات آمنة تتيح لهم مغادرة هذه المناطق بصورة آمنة.

قد بدات أوكرانيا بالفعل تنفيذ حملات توعية تكشف أساليب التجنيد الروسية، إلى جانب توفير معلومات حول خيارات الاستسلام الآمن. ويقترح البناء على هذه المبادرات من خلال إطلاق مشروع تجريبي يجمع الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا وعددًا محدودًا من الدول الإفريقية الراغبة في المشاركة، مع إعطاء الأولوية لدول مثل كينيا وغانا وجنوب إفريقيا، حيث جرى توثيق حالات تجنيد لمواطنين منها.

يمتلك الاتحاد الأوروبي والدول الإفريقية بالفعل أطرًا للتعاون الأمني في مكافحة الجريمة المنظمة، خاصة عبر الإنتربول واليوروبول، وهو ما يسمح بتوسيع هذه الآليات لتشمل مكافحة شبكات التجنيد الاحتيالي، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون بين أجهزة الشرطة والنيابات العامة والسلطات القضائية في إفريقيا والاتحاد الأوروبي وأوكرانيا. كذلك، يمكن للحكومات ومنظمات المجتمع المدني أن تتعاون في جمع الأدلة، وكشف شبكات التجنيد، وتنفيذ حملات توعية واسعة النطاق.

ولضمان استدامة هذه الجهود، ينبغي إنشاء صندوق للاستجابة السريعة يتولى تمويل حملات التوعية، وتطوير منصة إلكترونية آمنة للإبلاغ، ووضع إجراءات موحدة لإعادة الضحايا إلى بلدانهم، وفرض عقوبات موجهة على المجندين والوسطاء والمتورطين في هذه العمليات. حيث أن تكلفة هذه المبادرات ستظل محدودة مقارنة بالخسائر الناتجة عن استمرار عمليات التجنيد، وما يرافقها من سقوط مزيد من الضحايا، وتفاقم التوترات الدبلوماسية، واتساع نطاق النفوذ الروسي القائم على الاستغلال.

https://hura7.com/?p=81890

 

الأكثر قراءة