الأكثر قراءة

الاتفاق السوري – الروسي وإعادة صياغة الوجود العسكري الروسي في سوريا

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أعلنت سوريا وروسيا في 9 آب 2026 عن مذكرة تفاهم جديدة تتعلق بمستقبل الوجود الروسي والقواعد العسكرية الروسية في سوريا، وذلك بعد نحو 18 شهرًا من المفاوضات بين الجانبين. ويأتي الاتفاق في مرحلة حساسة من العلاقات السورية–الروسية، بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، وسعي دمشق إلى إعادة تنظيم علاقاتها الخارجية والعسكرية مع موسكو.

وبحسب المعلومات المعلنة، لا يتجه الاتفاق إلى إنهاء الوجود الروسي في سوريا بصورة كاملة، كما أنه لا يُبقي القواعد الروسية على وضعها السابق. بل يبدو أن الطرفين اتجها إلى صيغة جديدة تقوم على إعادة هيكلة الوجود الروسي وتحويل طبيعة استخدام المنشآت العسكرية.

من قواعد ذات وضع خاص إلى وجود عسكري ضمن السيادة السورية

تكمن أهمية الاتفاق، وفق هذه القراءة، في أنه لا يتعامل مع الوجود الروسي بوصفه مناطق مغلقة تتمتع بوضع استثنائي ومستقل عن الدولة السورية، كما كان الحال في عهد النظام السابق، وإنما يعيد إدخاله ضمن إطار الدولة السورية والتعاون العسكري المشترك.

ففي المرحلة السابقة، اكتسبت القواعد الروسية، ولا سيما حميميم وطرطوس، أهمية تتجاوز مجرد كونها منشآت عسكرية. فقد أصبحت تتمتع بخصوصية أمنية وعسكرية كبيرة، وارتبط بها جزء أساسي من النفوذ الروسي في سوريا. أما الصيغة الجديدة فتدفع باتجاه تحويل هذه المنشآت إلى مراكز مفتوحة للتدريب والتأهيل والتعاون العسكري السوري–الروسي، بما يقلص طبيعة الوجود الروسي المستقل ويضعه ضمن إطار أكثر انسجامًا مع السيادة السورية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره محاولة من دمشق لـتحجيم الوجود الروسي من دون الدخول في مواجهة معه. فبدل المطالبة بانسحاب روسي كامل، وهو خيار قد يحمل تداعيات سياسية وأمنية كبيرة، اختارت القيادة السورية إعادة تعريف وظيفة هذا الوجود وحدوده.

إنهاء استثمار القواعد في الصراع الداخلي

تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل المرحلة الانتقالية التي مرت بها سوريا بعد سقوط النظام السابق. فقد كانت القواعد الروسية، في نظر خصوم النظام الجديد، تمثل إحدى أبرز مظاهر الحماية الدولية التي استفاد منها نظام الأسد، كما ارتبطت في الوعي السياسي السوري بإمكانية استخدامها كمساحات آمنة لبعض الشخصيات والجهات المرتبطة بالنظام السابق.

وبموجب الصيغة الجديدة، فإن تحويل طبيعة القواعد من مناطق ذات وضع أمني خاص إلى منشآت للتدريب والتعاون العسكري يمكن أن يحد من إمكانية استخدامها كأدوات للتأثير في الداخل السوري أو كملاذات سياسية وأمنية خارج سلطة الدولة.

وبذلك، لا تكون دمشق قد أنهت الوجود الروسي، لكنها تكون قد نزعت عنه جزءًا مهمًا من خصوصيته السياسية والأمنية، وأعادت تعريفه باعتباره وجودًا عسكريًا وظيفته الأساسية التعاون والتدريب، وليس ممارسة نفوذ مستقل داخل الأراضي السورية.

من مشهد الأسد إلى مشهد الدولة السورية الجديدة

ولعل المقارنة بين مشهدين تختصر جانبًا من التحول الذي طرأ على العلاقة السورية–الروسية.

فقد تداولت وسائل الإعلام سابقًا مشاهد من زيارة بشار الأسد إلى قاعدة حميميم، ظهر فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يتحرك في القاعدة بينما كان الأسد يسير خلفه، في صورة عكست، بالنسبة لكثير من السوريين، حجم الاختلال في ميزان العلاقة بين موسكو ودمشق في تلك المرحلة.

أما المشهد الجديد، بحسب الرواية التي تقدمها دمشق، فيحمل دلالة مختلفة. فالتعامل لم يعد قائمًا على وجود روسي منفصل تتحدد من خلاله قواعد العلاقة داخل منشأة عسكرية ذات خصوصية، وإنما على اتفاق رسمي تشارك فيه المؤسسات السورية المعنية، إلى جانب القيادة العسكرية والدبلوماسية الروسية.

وهنا تكمن الرمزية السياسية للاتفاق: فدمشق لا تقول لموسكو “اخرجي من سوريا”، لكنها تقول إن وجودك في سوريا يجب أن يكون ضمن قواعد الدولة السورية، لا فوقها.

مرونة سورية أم خسارة روسية؟

ومن الصعب اعتبار الاتفاق انتصارًا كاملًا لطرف واحد. فروسيا تحافظ من خلاله على موطئ قدم عسكري وعلاقة استراتيجية مع دمشق، وتبقي الباب مفتوحًا أمام استمرار التعاون العسكري والتدريب. وفي المقابل، تحصل سوريا على مساحة أكبر لإدارة منشآتها وسيادتها على أراضيها، وتقلص الطابع الاستثنائي الذي كان يحيط بالقواعد الروسية.

وهكذا تبدو السياسة السورية الجديدة أكثر مرونة من سياسة القطيعة. فبدل تحويل الوجود الروسي إلى قضية صدامية، يجري تطويقه قانونيًا وسياسيًا وإعادة وضعه داخل الإطار الطبيعي للعلاقات بين دولتين.

وفي المحصلة، فإن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في مصير حميميم وطرطوس، وإنما في السؤال الأوسع: من يحدد طبيعة الوجود الأجنبي على الأراضي السورية؟

إذا كانت الصيغة الجديدة ستُطبق كما أُعلن عنها، فإن الإجابة ستكون مختلفة عن مرحلة النظام السابق: الوجود الروسي سيستمر، لكن ضمن وظيفة وحدود تحددها الدولة السورية، وليس باعتباره منطقة نفوذ مستقلة أو حصنًا سياسيًا وأمنيًا خارج منظومة الدولة.

وهذا، في حد ذاته، يمثل أحد أبرز التحولات في شكل العلاقة بين دمشق وموسكو منذ سقوط النظام السابق.

إعادة تنظيم قاعدتي حميميم وطرطوس

تشكل قاعدتا حميميم وطرطوس محورًا أساسيًا في الاتفاق الجديد. فبدلًا من إغلاقهما بشكل كامل أو انسحاب القوات الروسية منهما بصورة فورية، يجري العمل على إعادة تنظيم الوجود الروسي داخلهما.

وتشير المعلومات المتاحة إلى أن المنشآت العسكرية الروسية ستتحول إلى مراكز للتدريب والتأهيل المشترك بين سوريا وروسيا. وهذا يعني أن التعاون العسكري بين البلدين سيستمر، لكن ضمن صيغة مختلفة عن تلك التي كانت قائمة في عهد بشار الأسد، عندما تمتعت روسيا بوجود عسكري واسع واستخدام استراتيجي للقواعد السورية.

استعادة سوريا إدارة المنشآت المدنية

في المقابل، تحصل دمشق على دور أكبر في إدارة المنشآت ذات الطابع المدني. وتشمل هذه الترتيبات المنشآت المدنية المرتبطة بمطار حميميم، إضافة إلى الجزء التجاري من ميناء طرطوس.

ومن شأن هذه الخطوة أن تعيد إدخال هذه المنشآت تدريجيًا ضمن البنية التحتية المدنية السورية، مع الفصل بصورة أوضح بين الاستخدام المدني والتعاون العسكري الروسي–السوري.

مرحلة انتقالية تستمر ثلاثة أشهر

ومن المتوقع، وفق المعلومات المنشورة، أن تستغرق عملية إعادة التنظيم نحو ثلاثة أشهر. وخلال هذه الفترة يفترض أن يتم الانتقال التدريجي إلى الترتيبات الجديدة، بما يضمن استمرار التعاون بين الطرفين من جهة، وتعزيز إدارة الدولة السورية للمنشآت المدنية من جهة أخرى.

هل يعني الاتفاق خروج روسيا من سوريا؟

النقطة الأهم في الاتفاق هي أن ما جرى الإعلان عنه لا يمثل اتفاقًا على طرد روسيا من سوريا، لكنه في الوقت نفسه لا يعني استمرار القواعد الروسية بالصيغة التي كانت موجودة قبل سقوط الأسد.

والأقرب إلى وصف الاتفاق أنه إعادة صياغة للوجود الروسي. فروسيا تحتفظ بمساحة للتعاون العسكري والتدريب، بينما تستعيد سوريا دورًا أكبر في إدارة المنشآت المدنية والسيطرة على جوانب من البنية التحتية التي كانت مرتبطة بالوجود الروسي.

هذا الترتيب يعكس محاولة من دمشق وموسكو للحفاظ على العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، ولكن ضمن قواعد جديدة فرضتها التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا منذ نهاية عام 2024.

بالنهاية ، فإن مستقبل القواعد الروسية في سوريا لا يبدو متجهًا نحو الانسحاب الكامل، بل نحو وجود روسي أقل ارتباطًا بالقواعد العسكرية التقليدية وأكثر اعتمادًا على التدريب والتعاون العسكري المشترك، مع تعزيز الإدارة والسيادة السورية على المنشآت المدنية.

https://hura7.com/?p=83243

الأكثر قراءة