الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الاتفاق بين لبنان وإسرائيل.. ما له وما عليه

جريدة الحرة بيروت 

وكالات ـ أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن توصل لبنان وإسرائيل لاتفاق لوقف إطلاق النار في إطار المفاوضات المباشرة التي تجري بين الطرفين برعاية واشنطن، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل للسلام. ويعد هذا الاتفاق تطورا لافتا في هذا المسار، خصوصا وأنه الأول من نوعه منذ 1983، كما أنه يأتي في سياق النزاع الإقليمي الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. فالأخيرة تحاول تذمين لبنان في أي اتفاق شامل في المنطقة، في حين تسعة واشنطن (وتل أبيب) لفصل المسارين، وإشراك لبنان في عملية نزع سلاح حزب الله (حليف إيران).

وجاء في بيان الخارجية الأمريكية أن الطرفان اتفقا على وقف الأعمال العدائية بينهما، وأن هذا التطبيق مشروط بـ”وقف كامل للهجمات من جانب حزب الله”، وانسحاب كامل لعناصره من منطقة جنوب الليطاني (ما يعني بقاء الاتفاق معلقا فعليا على سلوك الحزب). وأضاف البيان أن الجانبين اتفقا، بتوجيه من الولايات المتحدة، على الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية تسيطر فيها القوات المسلحة اللبنانية سيطرة كاملة على الأراضي، وتفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنع عودتها.

وأكد على توافق كل من إسرائيل ولبنان، مجددا، على عدم وجود أي نوايا عدائية تجاه بعضهما البعض، والتزامهما بمواصلة المفاوضات المباشرة وحل جميع القضايا العالقة والعمل على التوصل إلى اتفاق شامل بين البلدين. كما أدانت جميع الأطراف، حسب بيان الخارجية، هجمات إيران على دول المنطقة، والأنشطة المستمرة التي تقوض الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، سواء من خلال دعم الوكلاء أو أي أعمال عدوانية أخرى.

القراءة الإسرائيلية.. حرية الحركة في لبنان بضمانة أمريكية

إسرائيليا، جاءت قراءة الاتفاق وحيثياته بشكل أولي من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي قال إنه يتيح ”إمكانية استهداف بيروت إذا تعرضت التجمعات السكنية داخل إسرائيل لهجمات من حزب الله”. كما أكد أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته البرية مع الإبقاء على قواته في ما سماه “المنطقة الأمنية” داخل لبنان حتى “الخط الأصفر” بما يشمل منطقة الشقيف، مع استمرار “عمليات تفكيك البنية التحتية” التابعة لحزب الله. وأشار الوزير إلى أن لدى إسرائيل “حرية حركة بدعم أمريكي” للرد على أي استهداف للتجمعات السكنية أو الأراضي الإسرائيلية، بما في ذلك استهداف بيروت.

ملفات أساسية لم تذكر في الاتفاق

وعقب انتشار الأنباء عن الاتفاق، لفت مراقبون إلى أن بنوده لا تختلف بالجوهر عن بنود اتفاق 2024، بل هناك إضافات مرتبطة بالسلام الدائم بين البلدين (الأمر الذي كان من المحرمات التحدث به في السابق)، فضلا عن انسحاب حزب الله من الجنوب لا انسحاب إسرائيل. كما أنه لم يأت على ذكر عودة النازحين إلى قراهم، أو عودة الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية. وفي هذا الجانب، يبدو أن تغييب ذكر قضية النازحين يأتي في سياق إبقاء الضغوط الاجتماعية والإنسانية المترتبة على هذا الملف قائمة، حسب عدد من المتابعين اللبنانيين، بهدف إبقاء الضغط على حزب الله وبيئته ومحالة إحداث شرخ في العلاقة بينهما.

المناطق التجريبية.. من جرب المجرب؟

ومن أبرز ما جاء في الاتفاق كان “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان، حيث سيتولى الجيش اللبناني الانتشار والسيطرة الحصرية في مواقع محددة، مع دعم أمريكي لتعزيز قدراته. واعتبر متابعون أن التعبير والصياغة مشابهين إلى حد التطابق مع ما جاء في اتفاق “غزة أريحا” (1994) بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، في إطار اتفاقيات أوسلو، حيث تم تطبيق مبدأ تدريجي للسيطرة الفلسطينية على أجزاء محدودة من الضفة الغربية قبل التوسع، تماما كما يقترح في الحالة اللبنانية.

في كلا الحالتين، الولايات المتحدة هي الوسيط الرئيسي، وشروط البدء متشابهة: وقف إطلاق النار والتزام الطرف المحلي بالأمن. لكن هناك فروقا جوهرية تجعل التجربة اللبنانية أكثر تعقيدا. في أوسلو، كان الاتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، مع اعتراف دولي بالعملية. في لبنان، الاتفاق بين لبنان (الرسمي) وإسرائيل، لكن حزب الله وهو الطرف المسلح المقاتل حاليا في جنوب البلاد لا يملك شرعية تفاوضية، ما يضع جملة من العلامات الاستفهامية على مدى التزامه وإلزامه بهذا الاتفاق.

التجربة التاريخية لأوسلو انتهت بفشل المسار السياسي، مع توسع الاستيطان وانهيار آفاق قيام دولة فلسطينية. هذا يجعل الكثيرين يشككون في نجاح النموذج اللبناني. كما أن هناك مخاوف أخرى من إسرائيل، التي أعلنت مرارا اتباعها سياسة غزة في جنوب لبنان، أي “محو الجغرافيا لتغيير الديموغرافيا”، مما يثير مخاوف جدية حيال مستقبل احتلالها للمناطق اللبنانية وأهدافها النهائية.

التحديات أمام التطبيق

ورغم الأهمية التاريخية للاتفاق، تظل أمامه تحديات جسيمة على رأسها “شرط التزام حزب الله”، الذي أعلن رفضه الصريح لهذا الاتفاق. كما أن إعلان إسرائيل أنها ستحافظ على احتلالها للمناطق التي تتواجد فيها في جنوب لبنان يتعارض مع المطلب اللبناني الرسمي، ما يبقي بذور التوتر قائمة. فضلا عن ذلك، هناك الإصرار الإيراني على ربط أي تسوية في لبنان مع مفاوضاتها مع واشنطن، ما يعني أن أي تصعيد إقليمي قد ينعكس فورا على الوضع في لبنان.

ويضاف إلى تلك العوامل ضعف الدولة اللبنانية المزمن في مؤسساتها الأمنية والاقتصادية، وحاجة الجيش للدعم المالي والعسكري الضخم لفرض سيادته على الجنوب، وهذا قد لا يتوفر بالسرعة المطلوبة.  ويبقى الحكم الحقيقي على هذا الاتفاق خارج بنوده الحالية، ارتباطا بداية بالتفاصيل التي ستحسم في مفاوضات 22 حزيران/يونيو وما سيليها: هل تتراجع المواجهات فعلا؟ هل يعود النازحون إلى قراهم؟ هل ينسحب الجيش الإسرائيلي؟ هل ينزع سلاح حزب الله أو يحجم نفوذه؟

https://hura7.com/?p=79879

الأكثر قراءة