جريدة الحرة
خاص ـ تواصل المكتب الاتحادي لحماية الدستور في مارس 2026، مع صناعة الدفاع للضغط من أجل معايير أمنية أكثر صرامة. تبين أن شركة ألمانية لتصنيع الطائرات المسيرة كانت ضحية تجسس مزعوم، ما أدى إلى اعتقال شخصين يشتبه في قيامهما بتسريب معلومات سرية إلى روسيا. ويتهم المدعي العام الاتحادي المشتبه بهما بجمع معلومات عن الشركة، سواء في مقرها أو عبر الإنترنت، لصالح جهاز المخابرات الروسي.
في قضية أخرى أواخر مارس 2026، ألقي القبض على مواطن أوكراني بتهمة التجسس. واتهمه المدعي العام بجمع معلومات عن مقاتل سابق في أوكرانيا لصالح أجهزة المخابرات الروسية. ويرى محامون أن عملية التجسس هذه ربما كانت تمهيدا لعمليات استخباراتية أخرى ضد الهدف في ألمانيا. في يناير 2026، ألقي القبض على رجل أعمال من نورمبرغ بتهمة تزويد روسيا بتكنولوجيا التجسس تحت الماء لسنوات.
كانت هذه التكنولوجيا في الأصل ألمانية، لكنها نقلت إلى روسيا عبر شبكة دولية من الشركات من مختلف أنحاء أوروبا. وهذه ليست حالات معزولة. فبحسب تقرير سري صادر عن مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالية، سجل ما مجموعه 321 حالة تخريب مشتبه بها في عام 2025، ويقال إن أعمال التخريب كانت متكررة بشكل خاص في ولايتي شمال الراين وستفاليا وساكسونيا السفلى.
تزايد عدد الشراكات الدفاعية
يشهد قطاع الصناعات الدفاعية نموا متزايدا، حيث تقوم العديد من الشركات الصناعية، مثل راينميتال، بنقل أجزاء من إنتاجها أو إعادة هيكلة عملياتها. فعلى سبيل المثال، من المقرر أن يتحول مصنع بيربورغ في برلين، الذي كان يزود سابقا قطع غيار السيارات، إلى تصنيع ذخيرة المدفعية في المستقبل.
أعلنت شركة “كوانتوم سيستمز” المتخصصة في مجال الدفاع، والتي تتخذ من ميونيخ مقرا لها، عن توسيع إنتاجها وقررت الدخول في ثلاثة مشاريع مشتركة جديدة على الأقل، بالإضافة إلى تعاونات متعلقة بالمشاريع مع شركات أخرى.
“تعد شركة كوانتوم سيستمز، وستبقى، لاعبا رائدا في التعاون الصناعي الألماني الأوكراني”، هذا ما أوضحه ماتياس لينا، المدير الإداري لشركة كوانتوم فرونت لاين إندستريز (QFI). وتقوم الشركة بتصنيع طائرات بدون طيار للقوات المسلحة الأوكرانية، ومن المقرر تسليم 10,000 وحدة، على أن تدخل الدفعة الأولى إلى البلاد في نهاية شهر مارس 2026.
ويضيف لينا: “يظهر مشروعنا المشترك QFI إمكانية بناء قدرات إنتاجية في ألمانيا في غضون أسابيع قليلة، وإمكانية تسليم أنظمة تشغيلية موثوقة إلى أوكرانيا. ونحن على قناعة بأن هذا النوع من التعاون يشكل أساسا محوريا لقدرات أوروبا الدفاعية المستقبلية”.
لم تعلن بعد تفاصيل مشروعين مشتركين آخرين على الأقل مع شركة كوانتوم سيستمز. ومع ذلك، فالوضع واضح عموما، إذ بات قطاع الصناعات الدفاعية هدفا لهجمات تجسس وتخريب متزايدة مؤخرا. ووفقا لتقرير، تواصل المكتب الاتحادي لحماية الدستور مع عدة شركات في مارس 2026 لتحذيرها من هذه الحوادث، كما تم اعتماد استراتيجية وطنية لحماية الاقتصاد.
تحذيرات للمبتدئين في مجال الأمن
إن التهديد ليس جديدا، ولكنه أصبح أكثر حدة، وأجهزة الاستخبارات الألمانية حريصة على تحذير الوافدين الجدد إلى هذه الصناعة على وجه الخصوص. وأوضح سنان سيلين، رئيس المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV): “تستخدم الدول الاستبدادية بشكل متزايد وسائل هجينة من التجسس والهجمات الإلكترونية والتخريب إلى التضليل وتسريب المعرفة غير القانونية على وجه التحديد ضد اقتصادنا ومؤسساتنا البحثية وبنيتنا التحتية الحيوية”.
وأكد في المؤتمر الأمني الذي عقد في 19 مارس 2026: “بالنظر إلى تصاعد حدة الوضع الأمني الدولي، يجب علينا باستمرار تعزيز البنية الأمنية في ألمانيا”. يشهد قطاع الصناعات الدفاعية ازدهارا وتوسعا سريعا، مع وجود أثر جانبي ملحوظ: حيث يتم تحذير العديد من الداخلين الجدد إلى هذا القطاع من قبل السلطات الأمنية من التهديدات المحتملة.
ووفقا لمكتب حماية الدستور (BfV)، فإنه يعمل حاليا على رفع مستوى الوعي بمحاولات التجسس والتخريب في قطاع الأعمال وكذلك “شركات محددة في مناسبات محددة”، ولكن أيضا المؤسسات البحثية والتعليمية.
بحسب التقرير، هناك نصائح مستمرة بشأن الحماية الذاتية وعمليات التجسس، وهي محتملة بشكل خاص، لا سيما في بيئة الشركات الناشئة التي تكتسب موطئ قدم في صناعة الدفاع.
لم يعد التهديد يقتصر على تحليق الطائرات المسيرة فحسب؛ فمنذ عام 2022، ازدادت أهمية التخريب والتجسس كذلك. وقد تصاعدت التهديدات من روسيا تحديدا بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاث الماضية. كما بات من الممكن وقوع هجمات عنيفة، وهو ما يؤثر بشكل خاص على المناطق ذات القاعدة الصناعية القوية.
استراتيجية الحماية الاقتصادية الوطنية
يقول سيلين إن المرونة هي المبدأ الأساسي: “يجب على الدولة والسياسة والأعمال أن تعمل معا لإنشاء هياكل يمكنها الصمود أمام الهجمات وتمكين الاستجابات السريعة”. يشمل ذلك قانون KRITIS الجديد الذي أقر في يناير 2026 لحماية البنية التحتية الحيوية، بالإضافة إلى إنشاء مركز دفاع مشترك. ووفقا لسيلين، فإن المكتب الاتحادي لحماية الدستور نفسه يخضع لعملية تحول.
الهدف من ذلك هو التعرف على التهديدات في مراحلها المبكرة، وإحباط الهجمات، وتقديم دعم فعال للشركات. كما اعتمد مجلس الوزراء استراتيجية وطنية لحماية الاقتصاد في منتصف مارس 2026.
ويقول سيلين: “إنها توفر إطارا واضحا لتنفيذ التدابير الأمنية بطريقة منظمة، ولزيادة مرونة ألمانيا كمركز للأعمال بشكل مستدام. ونسعى معا لضمان استعداد ألمانيا لمواجهة التهديدات الهجينة، على الصعيدين الوطني والدولي”.
تتضمن الاستراتيجية ثلاثة أهداف أساسية: مواصلة تطوير الظروف الإطارية للشركات ومجموعة خدمات السلطات الأمنية، والزيادة الجماعية في القدرة على الصمود من خلال التعاون بين الجهات الحكومية والخاصة، والزيادة الفردية في القدرة على الصمود في مجال الأعمال والعلوم. يحذر يوهانس سترومبفيل، رئيس الاتحاد الفيدرالي VSW، قائلا: “إن الهجمات الهجينة تستهدف الشركات بشكل متزايد.
وهذا يعني أنه يجب اليوم أكثر من أي وقت مضى اعتبار الاقتصاد عنصرا أساسيا في بنية الأمن القومي الشاملة”. وتابع سترومبفيل قائلا: “إن الدفاع الاقتصادي عامل استراتيجي في تحديد القدرة التنافسية والسيادة التكنولوجية. ومهمتنا هي تعزيز دفاعات الاقتصاد الألماني بالتعاون مع السياسيين وسلطات الأمن وجمعياتنا الإقليمية والولائية”.
تنظم جمعية الأمن في الأعمال التجارية المؤتمر الألماني الحادي والعشرين لأمن تكنولوجيا المعلومات في أبريل 2026 بالتعاون مع سلطات مكتب حماية الدستور وجهاز المخابرات الفيدرالي.
تشير التطورات إلى أن قطاع الصناعات الدفاعية في ألمانيا مقبل على مرحلة أكثر تعقيدا، حيث سيتقاطع النمو السريع مع تصاعد التهديدات الأمنية، خاصة في مجال التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية. ومن المتوقع أن يتحول هذا القطاع إلى ساحة تنافس استخباراتي مفتوح، في ظل تزايد أهميته الاستراتيجية داخل أوروبا، وارتباطه المباشر بالصراعات الجيوسياسية، لا سيما الحرب في أوكرانيا.
على المدى القريب، يرجح أن تتجه الحكومة الألمانية إلى تشديد الأطر التنظيمية والأمنية على الشركات العاملة في هذا المجال، مع فرض معايير أكثر صرامة لحماية البيانات والتكنولوجيا الحساسة. كما ستزداد وتيرة التنسيق بين الأجهزة الأمنية والقطاع الخاص، بما يخلق نموذج تعاون أعمق يهدف إلى الكشف المبكر عن التهديدات واحتوائها قبل تطورها.
في المقابل، سيستمر توسع الشراكات الدفاعية، خاصة بين ألمانيا وأوكرانيا، ما سيعزز من نقل الخبرات وتطوير القدرات الصناعية المشتركة. غير أن هذا التوسع سيجعل الشركات، خصوصا الناشئة منها، أكثر عرضة لمحاولات الاختراق والاستهداف، وهو ما يفرض عليها الاستثمار بشكل أكبر في أنظمة الأمن السيبراني والتدريب المؤسسي.
وعلى المدى المتوسط، قد تسهم الاستراتيجية الوطنية لحماية الاقتصاد في بناء بيئة أكثر مرونة، قادرة على امتصاص الصدمات والتعامل مع التهديدات الهجينة بكفاءة أعلى. كما أن إدماج مفاهيم “الأمن الاقتصادي” ضمن السياسات العامة سيعيد تعريف العلاقة بين الدولة والقطاع الصناعي، بحيث يصبح الاقتصاد جزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي.
أما على المدى البعيد، فمن المرجح أن يؤدي استمرار هذه التهديدات إلى إعادة هيكلة شاملة في بنية الصناعات الدفاعية الأوروبية، مع توجه أكبر نحو الاستقلال التكنولوجي وتقليل الاعتماد على الخارج. وفي هذا السياق، قد تصبح ألمانيا مركزا محوريا لتطوير منظومات دفاعية متقدمة، لكن ذلك سيظل مرهونا بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح الصناعي والحماية الأمنية.


