العميد منذر الأيوبي
جريدة الحرة ـ بيروت
في عالم يتغيّر على وقع نقرات خفية وتحليلات آلية لا تهدأ، لم يعد مفهوم “الاستخبارات” حكرًا على العملاء السريين أو الأجهزة التقليدية، إذ دخلت الخوارزميات على الخط وبات الذكاء الاصطناعي شريكًا – أو خصمًا – في معادلات الأمن القومي.
اليوم لا تنتظر الأجهزة الأمنية اعترافات مشفّرة من عميل مزدوج، بل تستبق الخطر بتحليل ملايين المعطيات التي يتركها كل نشاط استخباري، أو اي تفاعل مشبوه عبر مواقع التواصل.
تاليًا؛ تحوّل مفهوم الاستخبارات من فعل بشريّ يعتمد مهارات التجنيد والتسلل، إلى تكامل بين التكنولوجيا والقرار الأمني. اليوم، يمكن للذكاء الاصطناعي AI أن يرصد محادثات عبر الإنترنت، يتابع أنماط شراء وعروض مشبوهة، أو يتنبّأ بسلوك تطرفي عبر تحليل لغة منشورات على وسائل التواصل. كما بات التحوّل من “تحقيق ما بعد الحدث” إلى “توقّع ما قبل الحدث” واقعًا جديدًا ساعد فيه الكم الهائل من البيانات المتاحة والتطور الهائل في قدرات المعالجة.
مقابل هذه القفزة النوعية في القدرات الاستخبارية، برزت تحديات وجودية للأمن السيبراني. فالذكاء الاصطناعي ذاته يُستخدم من قبل جماعات إرهابية، قراصنة دول، ومجموعات جريمة منظمة وفقًا للتالي:
– إنتاج مقاطع deepfake غير صحيحة أو مزورة هدف إبتزاز سياسي أو تشويه إعلامي.
– سهولة تحقيق هويات مزيفة Fake IDs تضلل المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي لأهداف سياسية أو لتوجيه الرأي العام.
– استخدام أدوات التحليل القادرة على اختراق البُنى التحتية للمؤسسات الحساسة.
توازيًا؛ مع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي، نشهد بزوغ جيل جديد من أدوات الحرب السيبرانية Cyber Crime تتجاوز التقليدية، ومنها:
– الهجمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) التي تستطيع خلق برامج خبيثة تتكيف ذاتيًا مع بيئة الهدف، وتتحايل على أنظمة الدفاع التقليدية.
– الروبوتات السيبرانية (Cyber Bots) التي تُنفذ مهام تخريبية واسعة النطاق بشكل شبه تلقائي عبر شبكات الاتصال..
– هجمات الطيف الكهرومغناطيسي (EMP Attacks) الرقمية، وتستهدف تعطيل الأجهزة الإلكترونية الحساسة بشكل مباشر، دون الحاجة لاختراق برمجي.
– أسلحة البرمجيات الخبيثة المتقدمة (Advanced Persistent Threats – APTs) التي تستخدم تقنيات متطورة لإخفاء تواجدها فترات طويلة، مما يسمح بجمع معلومات تراكمية حساسة على مدى سنوات.
– الهجمات على الذكاء الاصطناعي ذاته عبر خداع نماذج التعلم الآلي (Adversarial Attacks)، مما يؤدي إلى إحداث أخطاء كارثية في النظم الامنية تنعكس على إتخاذ القرار.
هذه الأدوات تمثل تحديًا جديدًا يتطلب تطويرًا موازيًا في الدفاعات السيبرانية، وابتكار استراتيجيات أمنية لا تقتصر على الرصد فحسب، بل تشمل الأمن المُضاد والتدخل المبكر.
من جهة أخرى؛ رغم هذه المخاطر، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي بات حليفًا موثوقًا للأجهزة الأمنية عبر التالي:
– تحليل البيانات الضخمة (Big Data) مما يساعد في تفكيك شبكات الإرهاب او مراقبتها عبر تتبع مصادر التمويل وأنماط الحوالات الصغيرة المكرّرة.
– التحليل اللغوي الذي يكشف نوايا وخطط مجموعات الارهاب المنظم، كما الذئاب المنفردة التي تتواصل عبر منصات مغلقة.
– التعرف على الوجوه والسلوكيات المشبوهة لرصد المطلوبين، بواسطة الأجهزة الذكية المستخدمة في المطارات والموانئ والبوابات الحدودية.
هنا يطرح السؤال عن دور العنصر البشري. رغم الثورة الرقمية، يبقى الإنسان صمّام الأمان. فالآلة قد تحلّل، لكنها لا تملك “الحدس الأمني”، ولا تقرأ بين سطور النوايا كما يفعل ضابط استخبارات محنّك ذو خبرة في خلق أو كشف حالة من عدم اليقين وقد أثبتت تجارب كثيرة أن العنصر البشري هو الذي يُعيد تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي ويصوّب قراراته مثالًا: «وكالة الاستخبارات الأميركية CIA / فضيحة Pegasus -جهاز الأمن الفيدرالي لروسيا الاتحادية FSB / فضيحة صواريخ Taurus». إذًا التكامل لا الإحلال، هو القاعدة الذهبية لاستخبارات المستقبل.
من هذا المنطلق يستوجب تحديث العقيدة الأمنية Moderizing the Security Doctrine كضرورة أساسية لا كخيار تكتيكي، فالتحديات تتجاوز مجرد تطوير الأدوات إلى وضع استراتيجيات مختلفة مرنة تتماشى مع عصر الذكاء الاصطناعي ، بعد أن ارتكزت لعقود على المعلومات الكلاسيكية والاشتباك الميداني. ما يفرض إعادة صياغة تأخذ في الحسبان الآتي:
- دمج التكنولوجيا كجزء من التفكير الأمني وليس فقط أداة دعم.
- تدريب احترافي للكوادر الأمنية على الثقافة الرقمية ومواجهة الدعاية العدائية Hostile Propaganda
- الانتقال من رد الفعل إلى الإدارة الاستباقية للمخاطر مع تطوير البرامج.
السؤال الأهم يبقى عن العوائق الأخلاقية والقانونية في اعتماد أجهزة الأمن والاستخبارات الذكاء الاصطناعي. مع توسع الدور والتطور المتسارع للقدرات تبرز تحديات أخلاقية وقانونية جسيمة. فالاستخدام غير المنضبط للبيانات والمعلومات قد ينتهك خصوصيات الأفراد ويهدد الحريات المدنية. كما يمكن أن تحمل الخوارزميات إنحيازآ غير مقصود مؤداه معالجات أمنية خاطئة. لذا من الضروري أن تواكب السلطات القضائية عمل الأجهزة الأمنية عبر تشريعات ناشئة وأطر قانونية صارمة تضمن شفافية في استخدام التقنيات، بالتزامن تعزيز الرقابة التقنية الداخلية والخارجية حفاظًا على التوازن بين الأمن وحقوق الإنسان.
أخيرًا؛ لا حواجز جغرافية أمام الجريمة السيبرانية ما يفرض تعاونًا فعالًا بين الدول وأجهزة المكافحة التابعة لها، مع صياغة وتطوير معايير أمنية مشتركة، إضافة إلى بناء علاقة جدية مع القطاع الخاص وشركات التصنيع التكنولوجي التي تمتلك الأدوات والخبرات التقنية، بما يلبي حاجاتها ويضمن استجابة شاملة وفعالة ضد الهجمات السيبرانية المتطورة.
إنها حرب الظلال، حيث يهاجم عدوّ لا يحمل وجهًا، ولا تلجمه حدود. زمن جديد جواسيسه غير مرئيين وأسلحته خوارزميات تتسلل إلى المعلومة قبل أن تُحجب. لذا لا يمكن للأجهزة الأمنية والاستخباراتية المواجهة والنجاح إلا بفكر أمني مُبتكر Innovative ، يَقرأ بعين الإنسان، ويُحلّل بعقل الآلة!
ملاحظة: تم الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي (ChatGPT من OpenAI) للمساعدة في الجانب العلمي والتقني.
عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية


