جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
هل يشكّل الملف اللبناني، الذي بات نقطة تباين داخل الرؤى السياسية الأميركية في ظل ما يُطرح من حلول مرتبطة بالملف الإيراني ضمن أطر تفاوضية أو اتفاقية غير مكتملة، مدخلًا لفهم أوسع للتحولات الجارية في التفكير الاستراتيجي داخل واشنطن؟ في هذا السياق، تُطرح مسألة “الملف الرئاسي الأميركي” ضمن إطار عام يسبق الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتداخل الحسابات الحزبية الداخلية مع التحولات في السياسة الخارجية الأميركية، خصوصًا في ظل تزايد الانقسام داخل الحزب الجمهوري بين تيارات مختلفة في الرؤية والأولويات. فبينما يميل جزء من هذا الحزب إلى استعادة نهج تقليدي يقوم على التحالفات الدولية والدبلوماسية الكلاسيكية، يبرز تيار آخر أكثر تشددًا وشعبوية يرفع شعار “أمريكا أولًا”، ويعطي الأولوية لتقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الداخل الأميركي، في مقابل مقاربة أكثر حذرًا تجاه الانخراط العسكري المباشر.
السباق الرئاسي الأميركي
لذا تُطرح مسألة “الملف الرئاسي الأميركي” في سياق عام يسبق الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتداخل الحسابات الحزبية الداخلية مع التحولات في السياسة الخارجية الأميركية، خصوصًا في ظل تزايد الانقسام داخل الحزب الجمهوري بين تيارات مختلفة في الرؤية والأولويات. فبينما يميل جزء من هذا الحزب إلى استعادة نهج تقليدي يقوم على التحالفات الدولية والدبلوماسية الكلاسيكية، يبرز تيار آخر أكثر تشددًا وشعبوية يرفع شعار “أمريكا أولًا”، ويعطي الأولوية لتقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الداخل الأميركي، في مقابل مقاربة أكثر حذرًا تجاه الانخراط العسكري المباشر.
وفي هذا السياق، تُطرح أسماء سياسية داخل الحزب الجمهوري ضمن هذا التباين في الرؤية، مثل ماركو روبيو الذي يُنظر إليه بوصفه أقرب إلى التيار الجمهوري التقليدي ذي النزعة الاستراتيجية في السياسة الخارجية، مقابل شخصيات أخرى مثل جي دي فانس الذي يُصنَّف ضمن الجيل الجمهوري الجديد الأقرب إلى النزعة الشعبوية، مع ميلٍ أكبر إلى تقليل التدخلات الخارجية وتفضيل أدوات الدبلوماسية والحلول السياسية في إدارة الملفات الدولية.
ومن هنا يبرز تساؤل أوسع يرتبط بالانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة في عام 2028، حول مدى وضوح الخريطة التمهيدية داخل الحزب الجمهوري، وما إذا كانت ملامح المنافسة الداخلية قد بدأت بالتبلور فعليًا، أم أن المشهد لا يزال في مرحلة إعادة تشكّل مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل التحولات المتسارعة داخل الحزب وتبدّل أولويات السياسة الأميركية داخليًا وخارجيًا.
السياسة الخارجية تصنع البرامج القادمة
الربط في الملفات الخارجية والحلول القادمة يشكّل نقطة انطلاق لطرح رؤية للسياسة الخارجية القادمة للحزب الجمهوري، وفي هذا الإطار يتم أحيانًا ربط بعض الملفات الخارجية، ومنها الملف اللبناني أو أزمات الشرق الأوسط عمومًا، بهذه التباينات داخل الحزب، باعتبارها ساحات اختبار غير مباشر لسياسات القوى الصاعدة داخله. فشخصيات سياسية مثل ماركو روبيو تُصنَّف ضمن التيار الجمهوري التقليدي الذي يميل إلى مقاربة أمنية–استراتيجية أكثر تشددًا في مواجهة النفوذ الإقليمي، في حين يُنظر إلى شخصيات أخرى مثل جي دي فانس بوصفها أقرب إلى التيار الشعبوي الذي يطرح مقاربة أكثر حذرًا تجاه التدخلات الخارجية ويميل إلى تفضيل الحلول السياسية والدبلوماسية وتقليل الانخراط الخارجي.
غير أن هذا المشهد لا يمكن قراءته كصراع مكتمل أو نهائي، بل هو أقرب إلى عملية إعادة تشكّل داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث تتداخل الأجيال السياسية الجديدة مع الإرث التقليدي للحزب، في ظل بيئة دولية مضطربة تعيد تعريف مفهوم القوة والنفوذ الأميركيين. وبالتالي، فإن الربط بين الملفات الإقليمية مثل الملف اللبناني وبين سباق رئاسي مستقبلي يبقى في إطار التحليل السياسي المبكر أكثر منه واقعًا سياسيًا مكتمل الملامح، لكنه يعكس في الوقت نفسه حساسية المنطقة تجاه أي تحوّل محتمل في اتجاهات السياسة الأميركية.
دبلوماسية القوة أم دبلوماسية الدول الصاعدة
لا بد من الوقوف عند شعار ترامب الذي دعا إليه منذ بداية الحرب، والقائم على “التغيير” وفرض السلام بالقوة. في المقابل، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت إيران قد استطاعت مجددًا تفعيل سياستها الدبلوماسية القائمة على استثمار علاقاتها مع الدول الصاعدة في مواجهة القوى الكبرى، بما يتيح لها فرض مقاربتها الدبلوماسية في الإقليم.
وفي هذا السياق، يبقى السؤال مفتوحًا حول أي النموذجين ستكون له الغلبة: نموذج القوة والضغط وصولًا إلى “سلام مفروض”، أم نموذج الدبلوماسية المرنة التي توظف توازنات الدول الصاعدة لفرض حضور سياسي مؤثر في مواجهة القوى التقليدية.
فهل تستطيع دبلوماسية الدول الصاعدة الوقوف في وجه الدول الكبرى ومخاطبتها من موقع المعارضة، بل وحتى التصدي لها عسكريًا عند الحاجة، وإجبارها على العودة إلى اعتماد الدبلوماسية كإطار حاكم للعلاقات الدولية؟ إذ باتت الدبلوماسية اليوم الإطار الأكثر فاعلية في تنظيم العلاقات بين الدول، رغم استمرار تداخل عناصر القوة الصلبة والناعمة في المشهد الدولي.
ومن هنا، تكتسب دبلوماسية الدول الناهضة دورًا متجددًا في ظل الانفتاح العالمي وتوسع العولمة، سواء الاقتصادية أو السياسية، ما يعزز حضورها كفاعل متصاعد في النظام الدولي، قادر على التأثير وإعادة صياغة بعض توازناته، ولو بشكل تدريجي ومتدرج.
وفي هذا الإطار، لا بد من القول إن الاتفاق الذي يراهن عليه ترامب وجي دي فانس قد لا يُكتب له النجاح، خاصة أن ترامب الذي كان يسعى سابقًا إلى اقتلاع الحرس الثوري وتغيير النظام، يواجه واقعًا مختلفًا، حيث يعمل الحرس على التقاط الفرص للوصول إلى تهدئة تسمح له بتصدير النفط والحصول على مكاسب اقتصادية، وقد يكون المكسب الفعلي في هذه الحالة للنظام الإيراني نفسه.
ومن هنا تبرز إشكالية الرؤية باعتبارها تحديًا فعليًا: هل يستطيع الرئيس الأميركي التغلب على الرؤية الإيرانية وإنجاح توجهه وتوجه نائبه نحو السلام والتفاوض؟ أم أن الكفة ستذهب لصالح رؤية الصقور والتشدد، بما يعزز توجهًا آخر يمثله ماركو روبيو ووزير الدفاع وبعض أعضاء الكونغرس؟
وبالتالي يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالين متناقضين: نجاح خيار التسوية والتفاوض، أو انتصار خيار الضغط والتشدد، في ظل صراع غير محسوم داخل دوائر القرار الأميركي حول مستقبل السياسة تجاه إيران والمنطقة..


