حنا صالح
جريدة الحرة ـ بيروت
عشية برلمانيات 2022 توجه حسن نصرالله إلى اللبنانيين مطمئناً أن فريقه لا يريد أغلبية ثلثي البرلمان. وكان المناخ الإعلامي يشي بانطفاء مناخ التغيير تحت وطأة القمع المباشر من جانب ميليشيا حزب الله من جهة، وتحت وطأة العزل الإعلامي لمناخ التغيير من الجهة الأخرى. لكن ما يزيد عن 400 ألف اقترعوا عقابياً ضد منظومة الفساد، فخسر الفريق الممانع أكثريته السابقة وحرمت “معارضة” نظام المحاصصة الطائفي من الأغلبية.
هناك فارق كبير بين ما كان وما حدث في الانتخابات البلدية وكان له أكثر من وجه. وحتى تستقيم أي قراءة، والأمر لا يدخل في باب التبرير أو التعمية، فإنه لا يمكن خلال أسبوعين أو ثلاثة لأي مناخ يفتقر للأدوات الإنتخابية – التنظيم والماكينة والقدرات اللوجستية المالية والإعلامية – أن يواجه بكفاءة قدرات التحالف المافياوي الميليشياوي الموجود داخل مفاصل القرار والذي يحوز دعماً مفتوحاً من لوبي مصرفي ناهب.
ودعونا ولو في عجالة نشير إلى أن ظروف الإنتخابات البلدية تزامنت نسبياً مع مشاريع قوانين لإصلاح مالي كبير، فكان لأكثرية نواب التغيير الدور المميز في قوننة إلغاء السرية المصرفية. هذا يذكّر بدور لافت نهضوا به أفضى لإبعاد ميقاتي عن السراي وإطاحة ترشيح مخزومي ووصول القاضي سلام إلى رئاسة الحكومة، التي لم تتمثل فيها قوى التغيير ولم يقدم رئيسها نفسه أنه يمثلهم أو يختصرهم. فانطلقت إذاك حرب اللوبي المصرفي على هذه القوى. إعلام معروف مصنّف في خانة لص المركزي رياض سلامة قاد ونظّم حملة افتراءات ضد نواب التغيير ومناخ التغيير مهدداً: “ما بدنا نترك منكم مخبر”، وكم تشابهت حملات الافتراء على شاشتي “المنار” و”ام تي في” وصفحات “الأخبار” و”نداء الوطن” وأبعد منهم.
اختارت قوى التغيير بتلاوينها المختلفة عدة مواجهات من بيروت إلى بعلبك والهرمل وراشيا وإلى زغرتا وبشري وتكريت وعكار العتيقة ومجدل عنجر وغيرها… وتستعد لمواجهات يوم غد السبت في النبطية وصور وسواهما. شكل التغييريون القوة الوحيدة التي تجرأت على مواجهة حزب الله و”التكليف الشرعي” و”الثنائي المذهبي” وتجار السلاح وكل القوى التي تناسلت من عباءة الإخوان المسلمين والإخوان المسيحيين، وهي تدرك أنها في مواجهات تؤسس لإنهاء التجبّر المافياوي الميليشياوي المموّل من لوبي مصرفي مسؤول عن نهب جني أعمار الناس.
“كان يعني كلن” انتصروا في العاصمة فخسرت بيروت، وشرع انتصارهم السلاح اللاشرعي المسؤول أصحابه عن تفجير المرفأ و7 أيار، الأمر الذي أصاب مشروع استعادة الدولة بإعطاب… ويعلن حزب الله أنه “حمى التوازن والاستقرار” وخارج بيروت تم إسقاط محاولات كثيرة رمت إلى تذكية التسلط.
واقعية قوى التغيير لم تزين أي خسارة ولم تتجاهل المسؤولية عن تراجع حدث ولم تسكر بتقدم تحقق. ليست متعالية وترفض التشاوف، والرموز التي تقدمت باسمها في الانتخابات من نساء ورجال هم أفراد أحرار يملكون قرارهم يشبهون أي مواطن آخر، كلهم عانوا من سلبيات ثغرتين كبيرتين، إلى جانب الوقت القصير وضعف الإمكانات المشار إليها اعلاه.
الثغرة الأولى تكمن في التفاوت في الخطاب السياسي. فأمام قوى جريمة منظمة تحتمي بالحصانات وقانون الإفلات من العقاب، غاب السقف المرتفع عن المواجهة السياسية بوجه الخصوم فغاب الفرز المطلوب فيما التميز هو القوة. فحالت محدودية المواجهة السياسية دون توفر إمكانية وصول مقبول إلى الكتل الناخبة والكتل المعتكفة.
الثغرة الأخطر هي تلك المتعلقة بغياب العمل الحزبي السياسي المنظم، إذ وحده يراكم الايجابيات ويسمح بسد ثغرات السلبيات، ويبلور رؤية إنقاذية متكاملة للبلد. مثل هذا العمل يكون يومياً وليس ظرفياً، ومطلوب رغم الصعوبات الكبيرة. إنه يتيح الاستماع إلى الناس والتفاعل مع الهموم الحقيقية وصياغة المشتركات بين مواطنين متساوين أحرار يرفضون أن يكون دورهم تلقّي “إرشاد” الزعيم المحبوب والمعصوم!
الآن زمن الذهاب وفق وجهة تؤسّس نقل الممكن من المناخ التغييري العام إلى حالة منظمة، والوقت كالسيف ووحدها المبادرة دون إبطاء تضع قوى التغيير في حالة هجومية محتضنة شعبياً في برلمانيات 2026.


