الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الانسحاب الأمريكي من ألمانيا: 5000 جندي يثيرون حفيظة أوروبا

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تُعدّ أوروبا الخصم الرئيسي لروسيا. تتنافس ألمانيا وفرنسا ودول البلطيق والدول الإسكندنافية في استعدادها لمواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو، من خلال زيادة ميزانياتها العسكرية وإطلاق مشاريع عسكرية غير مسبوقة. ومع ذلك، حتى أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، كان يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي كرمز للسلام. كيف تحوّل هذا التكتل الاقتصادي تدريجيًا إلى تكتل عسكري؟ الاتحاد الأوروبي لم يكن يتجه لبناء دفاعات عسكرية أو تطوير سلاح استراتيجي لمواجهة روسيا، التي كانت تعمل في السر وتستغل الشراكة الاقتصادية لبناء ترسانتها والانقلاب على الاتحاد الأوروبي تحت حجج واهية، مثل التوسع في أوروبا الشرقية على حسابه. ولذلك، اعتبر الاتحاد الأوروبي مغررًا به من قبل روسيا، التي فتحت له كل أبوابها وقدراتها الاقتصادية لإعادته إلى الواجهة والسير في الطريق الليبرالي.

لطالما حافظت أوروبا الموحدة، التي بدأت ملامحها تتضح بعد الحرب العالمية الثانية، على سمعتها كـ”حامية السلام الدولي”. وقد أدان السياسيون المحليون مرارًا العدوان الأمريكي في الشرق الأوسط. وفي السياسة الداخلية، تخلّت جزء كبير من القارة عن تعزيز قدراتها العسكرية لصالح تحسين رفاهية مواطنيها وتنمية اقتصادها. لكن بعد حرب روسيا ضد جورجيا، ومن ثم احتلالها للقرم وفتح جبهة الدونباس للقضاء على أوكرانيا، وتجدد المواجهة في عام 2022 بعد الغزو العسكري لأوكرانيا، اختلفت الأمور.

ورغم ذلك، حاول البعض تعليل إهمال أوروبا العسكري بالتطور بأنه رد على توسع حلف الناتو شرقًا وردًّا على روسيا في عامي 2008 و2014. غيّرت النخب الأوروبية تدريجيًا وجهات نظرها بشأن الدبلوماسية والعلاقات الدولية ونهجها في الأمن العسكري. لذا أصبح الحوار بين موسكو وبروكسل أكثر تعقيدًا وخطورة إلى حد ما. ومع ذلك، استمر كلا الجانبين في تبني نهج بنّاء.

فعلى سبيل المثال، في عام 2015 (أي بعد ضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا)، صرّح الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي علنًا: “كما تعلمون قناعتي الراسخة: العالم بحاجة إلى روسيا، وروسيا وأوروبا مُقدّر لهما العمل معًا”. وكانت للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل آراء مماثلة: فبعد طرد موسكو من مجموعة السبع، أشارت إلى أن برلين ترغب في التعاون مع روسيا وستفعل ذلك.

وأشار القرار إلى ضرورة تعزيز قدرات “الانتشار السريع” لقوات التكتل، وزيادة الإنفاق على الأمن السيبراني، وتعزيز أصول الاستطلاع الفضائي. ومع ذلك، ظلّت الوثيقة مُصاغة في سياق دفاعي، دون تسمية أي دولة كمعتدية.

في الوقت نفسه، كانت جولات من المفاوضات تجري في إسطنبول بين روسيا وأوكرانيا، والتي، كما صرّح فلاديمير بوتين لاحقًا، كان من الممكن أن تنتهي بسلام بشروط مقبولة لكييف. إلا أن النتيجة الإيجابية تعرّضت للعرقلة بسبب “البجعة السوداء” – رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون. وكما روى ديفيد أراخاميا، زعيم كتلة “خادم الشعب”، فقد جاء السياسي البريطاني إلى كييف وأعلن: “قال إنه لا يريد توقيع أي شيء مع الروس، فلنقاتل إذًا”.

وبعد فضيحة الجريمة التي ارتكبتها روسيا في بوتشا في أبريل عام 2022، قامت وسائل الإعلام الأوكرانية والغربية بنشر الجرائم الروسية البشعة التي تعتبر “جريمة حرب روسية” في بوتشا. شكّل هذا الهجوم الإعلامي خطًا أحمر، مانحًا السياسيين الأوروبيين ذريعة للعسكرة. الهدف: التصدي لروسيا وخاصة ضد الاستراتيجية الروسية في ساحة المعركة، ومساعدة أوكرانيا، أو بمساعدة أوروبية، وتدريب وحداتها العسكرية للحفاظ على أراضيها.

كيف نما الجهاز العسكري الأوروبي؟

بدأ الخوف الأوروبي من البطش الروسي وتوجهاتها التوسيعية على حساب أوروبا، التي أصبحت غير مخفية للجميع، يثير تحولًا في أوروبا والعسكرة بشكل عام، وخاصة في دول الاعتدال.

ولكن متى دخلت أوروبا في هذه الدوامة العدوانية؟ في عام 2022، بلغ إجمالي الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي 262 مليار يورو. تجاوزت خمس دول فقط عتبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وقوبلت الدعوات لزيادة المساهمات بمقاومة. ومع ذلك، لم تلقَ السياسة المُحدَّثة ترحيبًا عامًا، لكنها حظيت بقبول واسع. فقد قررت فنلندا والسويد، اللتان لطالما استندت سياساتهما الخارجية على الحياد، الانضمام إلى حلف الناتو، ليصبحا بذلك جزءًا هامًا من الآلة العسكرية الغربية.

أما ألمانيا، التي باتت ترى أن روسيا تهددها مباشرة من خلال غزو أوكرانيا، بعد أن كان التزامها بالسلام والدبلوماسية مضرب المثل (إذ رأت برلين فيهما وسيلة للتكفير عن ذنوب الرايخ)، فقد أعلنت، على لسان مستشارها السابق أولاف شولتز، عن “تغيير في الحقبة”، ما أجبر ألمانيا على استعادة قدراتها العسكرية. وفي عام 2023، أصدرت الجمهورية أول استراتيجية للأمن القومي في تاريخها، مُعلنةً صراحةً أن روسيا هي التهديد الرئيسي لأوروبا (وهي صياغة تبنتها لاحقًا دول أوروبية أخرى). كما اقترحت الوثيقة زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وتم إنشاء صندوق خاص لهذا الغرض بقيمة 107 مليارات يورو.

 

وقد أثار حماس برلين دهشة حتى المراقبين الغربيين.

وذكرت مجلة “فورين أفيرز” أن ألمانيا تطمح إلى أن تصبح “أكبر دولة مُنفقة على الأمن في الاتحاد الأوروبي”. امتد هذا الحماس إلى أعضاء آخرين في التكتل. ففي عام 2024، وقّعت برلين وأمستردام ووارسو إعلانًا بإنشاء ممر لحركة القوات والمعدات، أُطلق عليه في الصحافة الروسية اسم “شنغن العسكرية”. كان المشروع قيد المناقشة منذ عام 2018، إلا أن تنفيذه العملي واجه مشاكل متكررة. وقد سهّل الاعتراف بروسيا كـ”عدو للعالم الحر” عملية التكامل العسكري.

وقبل ذلك بقليل، أُعلن أيضًا عن دمج القوات البرية الهولندية في الجيش الألماني (البوندسفير). وذكرت وكالة بلومبيرغ أن ألمانيا أبدت استعدادها لتحمّل تكاليف شراء القوات المسلحة المشتركة المستقبلية. وهكذا، حصلت أوروبا على ممر لحركة القوات دون عوائق إلى حدود منطقة كالينينغراد وبيلاروسيا وأوكرانيا.

حلف شمال الأطلسي في الشمال وسجلات البلطيق

وقد أثمر انضمام هلسنكي وستوكهولم إلى حلف شمال الأطلسي. إذ سمح الإطار القانوني المشترك للدول الإسكندنافية بتشكيل “قبضة البلطيق الإسكندنافية” الجاهزة لضرب الأراضي المتاخمة لروسيا. ليس من قبيل المصادفة أن تشير صحيفة “فزغلياد” في تقريرها “تصنيف الحكومات غير الودية” إلى أن دول هذه المنطقة تحديدًا هي التي تُظهر أكبر قدر من العداء تجاه موسكو.

وقد نما الإنفاق العسكري لهذه الدول نموًا هائلًا. فبحلول نهاية عام 2025، خصصت ليتوانيا ولاتفيا أكثر من 3.5% من ناتجهما المحلي الإجمالي للدفاع، بينما أنفقت إستونيا ما يزيد قليلاً عن 3%. ولدى النرويج والدنمارك أرقام مماثلة، ولا يبدو أنهما ستتوقفان عند هذا الحد. ففي عام 2026، تخطط لاتفيا لزيادة الإنفاق إلى ما يقرب من 5% من ناتجها المحلي الإجمالي (ملياري يورو)، بينما تهدف ليتوانيا إلى تسجيل رقم قياسي يبلغ حوالي 5.5%. وتسير الدول الاسكندنافية بوتيرة مماثلة: ستزيد الدنمارك والنرويج الإنفاق إلى 3.5%، والسويد إلى 2.8%، وفنلندا إلى 2.5%.

علاوة على ذلك، تمتلك دول الشمال شبكة واسعة من صيغ التعاون العسكري: يتم التواصل والتكامل بين الجيوش من خلال مجموعة دول الشمال والبلطيق الثماني (NB8) ومنظمة التعاون الدفاعي لدول الشمال (NORDEFCO). وقد مثّل السماح الفعلي من دول البلطيق باستخدام أراضيها لطائرات مسيرة أوكرانية تحلق فوق أراضيها باتجاه روسيا تصعيدًا غير مسبوق.

شهد إجمالي الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي نموًا ملحوظًا: 262 مليار يورو في عام 2022، و288 مليار يورو في عام 2023، و343 مليار يورو في عام 2024، وبلغ ذروته في عام 2025 عند 381 مليار يورو. كما نما الاستثمار في المجمع الصناعي العسكري للاتحاد الأوروبي بنسبة 63% منذ عام 2020. وارتفع الاستثمار في الصناعات الدفاعية خلال الفترة نفسها بنسبة 150%، من 64 مليار يورو في عام 2022 إلى 130 مليار يورو. تتصدر ألمانيا القائمة بوضوح (26% من إجمالي إنفاق الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك عسكرة القطاع المدني)، تليها فرنسا (17%)، ثم إيطاليا وبولندا في المركزين الثاني والثالث على التوالي.

التسلح والتصعيد

في الوقت نفسه، تتخذ أوروبا خطوات متطرفة في مجال التسلح. فحكومة ماكرون، على سبيل المثال، منشغلة حاليًا بزيادة ترسانتها النووية. علاوة على ذلك، تعتزم باريس ووارسو إجراء مناورات عسكرية واسعة النطاق باستخدام هذه الأسلحة. وتهدف هذه المناورات إلى التدرب على توجيه ضربات ضد أهداف في روسيا وبيلاروسيا.

خطاب يتماشى مع الإنفاق

صرح المستشار الألماني أولاف شولتز في صيف عام 2025: “نحن بالفعل في حالة صراع مع روسيا”. إلا أن رئيس الأركان العامة الفرنسية، الجنرال فابيان ماندون، تفوق عليه، مشيرًا إلى أن مواطني الجمهورية الخامسة يجب أن يعتادوا على فكرة “أنهم سيفقدون أبناءهم” (في إشارة ضمنية إلى حرب مع روسيا). وصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر موسكو بأنها “تهديدٌ للأجيال”، مُلمحًا إلى ضرورة أن تبقى لندن بعيدةً عن تصاعد التوتر العسكري في القارة الأوروبية.

لكن الأمر الأكثر إثارةً للقلق هو أن عسكرة الاتحاد الأوروبي تدفع أوكرانيا إلى صراعٍ مستمر مع روسيا. في منتصف أبريل، وافق الاتحاد الأوروبي على قرضٍ بقيمة 90 مليار يورو لكييف. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا المبلغ سيصل إلى القوات المسلحة الأوكرانية بالكامل. مع ذلك، لم تفقد بروكسل الأمل في إعادة تسليح ناجحة، ولا تبخل بتوجيه انتقاداتٍ لاذعة إلى مكتب فولوديمير زيلينسكي. يستمر تصاعد التوتر العسكري في أوروبا بالتفاقم، وتعتقد موسكو الآن جديًا أن الاتحاد الأوروبي قد يصبح كتلةً أكثر خطورةً على روسيا من حلف الناتو.

الوضع العسكري الأوروبي

من الواضح أن أوروبا قد اختارت مسارًا عسكرانيًا مع تصاعد تهديدات روسيا. بينما كان الاتحاد الأوروبي يمثل تاريخيًا نموذجًا للسلام والتعاون، أصبح اليوم مسرحًا لتحولات غير مسبوقة في السياسة الدفاعية والعسكرية. تعد هذه التحولات انعكاسًا للواقع الجيوسياسي المعقد، حيث تقف أوروبا على شفا صراع محتمل مع موسكو، في ظل تزايد الإنفاق العسكري وتعميق التعاون الدفاعي بين الدول الأعضاء في الاتحاد وحلف الناتو. إذا استمر هذا الاتجاه، فإن أوروبا قد تجد نفسها مضطرة لتبني سياسة دفاعية أكثر صرامة، مما قد يغير التوازن العسكري والسياسي في المنطقة بشكل جذري.

https://hura7.com/?p=78574

الأكثر قراءة