جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات التشريعية في أوروبا، ما يفرض تحديات جديدة تتعلق بالشفافية ودقة المحتوى وحماية البيانات. وفي هذا السياق، يسعى البرلمان الأوروبي إلى تنظيم استخدام هذه التقنيات عبر منصة داخلية تضمن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون المساس بسلامة العملية التشريعية.
تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي داخل البرلمان الأوروبي
مع تزايد اعتماد أعضاء البرلمان الأوروبي ومساعديهم على الذكاء الاصطناعي في إعداد الخطب، والأسئلة البرلمانية، وحتى التعديلات التشريعية، يسعى البرلمان الأوروبي إلى تنظيم هذا الاستخدام عبر منصة رسمية خاصة به.
ستتيح المنصة الداخلية، المعروفة باسم EPGenAI Hub، لأعضاء البرلمان والموظفين الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي من شركات Meta وOpenAI وAnthropic وMistral الفرنسية، في خطوة يأمل البرلمان أن توفر بديلًا أكثر أمانًا من أدوات الذكاء الاصطناعي العامة المستخدمة في العمل التشريعي.
وتخضع المنصة حاليًا للاختبار، وقد يبدأ طرحها تدريجيًا اعتبارًا من سبتمبر من العام 2026، وفقًا لشخصين مطلعين على الخطط، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما لمناقشة الاستراتيجية الداخلية.
تزايد المخاوف داخل البرلمان الأوروبي
تأتي هذه الخطط في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل المؤسسة من انتشار المواد البرلمانية المُولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وخلال اجتماع عُقد خلال يوليو من العام 2026، أعرب عدد من رؤساء اللجان البرلمانية عن قلقهم من أن عددًا متزايدًا من أعضاء البرلمان الأوروبي ومساعديهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لصياغة التعديلات التشريعية ودعم أعمال تشريعية أخرى، وفقًا لثلاثة أشخاص مطلعين على المناقشات.
يوضح براندو بينيفي، النائب عن مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين، الذي قاد أعمال البرلمان بشأن قانون الذكاء الاصطناعي (AI Act)، وهو التشريع الأوروبي الأبرز المنظم لهذه التكنولوجيا: “لم يكن البرلمان بمنأًى عن المحتوى الرديء الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، ولا عن المحتوى المضلل المُولد بهذه التقنية. ويجب أن يكون أعضاء البرلمان قدوة مع بدء تطبيق قواعد الشفافية المنصوص عليها في قانون الذكاء الاصطناعي.”
يجسد هذا المشروع المعضلة التي يواجهها البرلمان مع ترسخ الذكاء الاصطناعي التوليدي في أعماله اليومية. إذ يستخدم نحو 2100 شخص الذكاء الاصطناعي يوميًا داخل البرلمان، أي ما يقارب 20% من إجمالي الموظفين.
يرغب قادة البرلمان في منع المسؤولين من إدخال المواد البرلمانية إلى المنصات العامة غير الخاضعة للرقابة، لكنهم يشعرون بالقلق من أن هذه التكنولوجيا تُضعف جودة العمل التشريعي، وتُدخل أخطاءً أو معلومات مضللة إلى العملية الديمقراطية.
قد تعززت شكوكهم بشأن اعتماد النواب ومساعديهم على الذكاء الاصطناعي بسبب الزيادة الملحوظة في عدد التعديلات التي تتطلب ترجمة، وظهور أساليب صياغة متشابهة، فضلًا عن وجود إحالات مختلقة أحيانًا إلى قوانين غير موجودة.
إرشادات بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي
طلب رؤساء اللجان من الأمين العام للبرلمان، أليساندرو كيوكّيتي، إعداد إرشادات بشأن استخدام أعضاء البرلمان للذكاء الاصطناعي. إلا أنه رد بأن هذه المسألة قد تندرج بدلًا من ذلك ضمن اختصاص لجنة الشؤون الدستورية في البرلمان، التي ستحتاج إلى تعديل النظام الداخلي للمؤسسة من أجل إدخال قواعد أكثر صرامة.
لا يُلزم أعضاء البرلمان الأوروبي حاليًا بالإفصاح عما إذا كانت التعديلات أو الأسئلة البرلمانية أو غيرها من الأعمال البرلمانية قد أُنجزت بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
أوضح باري أندروز، النائب الإيرلندي عن مجموعة Renew Europe ورئيس لجنة التنمية في البرلمان، إنه أصبح واضحًا بالفعل أن بعض أعضاء البرلمان يستخدمون الذكاء الاصطناعي لصياغة الأسئلة البرلمانية والخطب والتعديلات. وأضاف: “هذا خيارهم، وأنا أتفهمه تمامًا بالنظر إلى حجم أعباء العمل. لكن بالنسبة لي شخصيًا، فإن هذه وظائف ديمقراطية أساسية انتخبنا الناخبون لأدائها.”
يخضع موظفو البرلمان لإرشادات داخلية منفصلة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، حصلت عليها POLITICO، رغم أن القواعد التي وُضعت في أبريل من العام 2026 أصبحت بحاجة بالفعل إلى إعادة صياغة. وتُلزم هذه القواعد الموظفين بوضع عبارة “بمساعدة الذكاء الاصطناعي” على الأعمال التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي، كما تحظر عليهم إدخال معلومات حساسة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة. وتحذر الإرشادات من أن الأخطاء التي قد تنتجها هذه التكنولوجيا قد تؤدي إلى إنشاء أو نشر معلومات مضللة أو مواد تُسيء تمثيل البرلمان.
المنصة الجديدة
جرى بالفعل عرض منصة EPGenAI Hub على أعضاء البرلمان والموظفين خلال ورش عمل، من بينها ورشة عُقدت خلال يوليو من العام 2026، ووعدت باستعراض “تطبيقات عملية للاستخدام اليومي تساعدكم على العمل بذكاء وسرعة أكبر”، وتتيح النسخة التجريبية للمستخدمين الاختيار بين نماذج تعمل بصورة آمنة داخل البنية التحتية الخاصة بالبرلمان، وخدمات أكثر تطورًا تستضيفها جهات خارجية.
تشمل النماذج التي تعمل محليًا Llama من شركة Meta، وGPT-OSS من OpenAI، وMistral Small. كما يمكن للمستخدمين الوصول إلى نماذج مستضافة خارجيًا، من بينها ChatGPT من OpenAI وClaude Sonnet من Anthropic.وسيؤدي إطلاق المنصة إلى زيادة انفتاح المؤسسة على شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، في وقت تمضي فيه بروكسل بالتوازي في جهود تهدف إلى تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على التكنولوجيا الأمريكية.
يثير ذلك بعض التناقض مع مساعي البرلمان نفسه لتعزيز السيادة الرقمية. ففي الأشهر الأخيرة، استبدلت المؤسسة محرك البحث Google بمحرك البحث الفرنسي Qwant، كما عطلت ميزات الذكاء الاصطناعي المدمجة في الأجهزة اللوحية الخاصة بأعضاء البرلمان بسبب مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني وحماية البيانات. وقالت الخدمة الصحفية للبرلمان إن نماذج الذكاء الاصطناعي المتاحة قد تتغير خلال العام 2026.
وأضافت: “تخضع النماذج المتاحة حاليًا للمراجعة، لا سيما في ضوء توافر نماذج مفتوحة المصدر، ونماذج أوروبية سيادية مقدمة عبر مزودي خدمات سحابية سيادية تعاقدت معهم المفوضية الأوروبية مؤخرًا”.


