جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تواجه دول البلطيق تحديات متزايدة، بالتزامن مع مفاوضات الاتحاد الأوروبي بشأن موازنته طويلة الأجل المقبلة. ولا يقتصر المشروع على ربط دول البلطيق بشبكة السكك الحديدية الأوروبية، بل اكتسب أهمية عسكرية متزايدة في ظل التوترات على الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “الناتو”.
مشروع السكك الحديدية في البلطيق
تواجه “Rail Baltica”، أحد أبرز مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود في أوروبا، ارتفاعًا في التكاليف وتأخرًا مستمرًا، بالتزامن مع تفاوض الاتحاد الأوروبي على موازنته طويلة الأجل المقبلة، بما في ذلك التمويل المخصص للنقل والتنقل العسكري. وتعمل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا على إنشاء خط سكك حديدية مكهرب بطول 870 كيلومترًا، وبمواصفات السكك الحديدية الأوروبية، يربط تالين وريغا وكاوناس ببولندا وشبكة السكك الحديدية الأوروبية الأوسع.
وبحكم موقع المشروع على الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي، فقد اكتسب أيضًا دورًا عسكريًا أكبر بكثير، خاصة منذ بداية حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022. لكن تنفيذ خط السكك الحديدية أثبت أنه أكثر صعوبة، وأكثر تكلفة بكثير، مما كان متوقعًا في البداية.
ففي عام 2017، قدرت الدول المشاركة تكلفة المشروع بنحو 5.8 مليار يورو، لكن في عام 2024 جرى تصحيح الرقم إلى 23.8 مليار يورو بعد تدقيق مشترك، بما في ذلك 15.3 مليار يورو لإنشاء المرحلة الأولى من الخط، التي ستكون في مسار واحد، بحلول عام 2030. ولا تزال المرحلة الثانية تفتقر إلى جدول زمني دقيق. وحذرت المحكمة الأوروبية لمراجعي الحسابات أيضًا من أن الرقم البالغ نحو 24 مليار يورو لن يكون نهائيًا.
مخاوف دول البلطيق بشأن التمويل
مع تفاوض الاتحاد الأوروبي على موازنته المستقبلية طويلة الأجل، تشعر دول البلطيق بالقلق بشأن استمرار تمويل المشروع. وتعتمد “Rail Baltica” بصورة كبيرة على أموال الاتحاد الأوروبي، ويُعد “مرفق ربط أوروبا” (CEF) آلية التمويل الرئيسية للمشروع. وهددت المفوضية الأوروبية في بعض الأحيان بخفض التمويل بسبب بطء التقدم، لكن دول البلطيق الثلاث كانت واضحة خلال مفاوضات الموازنة السابقة في أن استمرار تمويل المشروع يمثل خطًا أحمر بالنسبة إليها.
يقول نائب وزير الخارجية الليتواني سيغيتاس ميتكوس: إن الإنفاق على الأمن والدفاع يجب أن يشمل أيضًا “الربط والتنقل العسكري”، مشيرًا إلى مشاريع مثل “Rail Baltica”.وأضاف: “وفقًا لحساباتنا، تحتاج جميع دول البلطيق إلى نحو 10 مليارات يورو لاستكمال مشروع Rail Baltica”، بما يتماشى مع تقديرات استكمال المرحلة الأولى.
الخطط المستقبلية
وفقًا لمنظمة الضغط “النقل والبيئة” (T&E)، استحوذ مشروع “Rail Baltica” على ما يقرب من خُمس جميع أموال “مرفق ربط أوروبا” المخصصة للسكك الحديدية بين عامي 2021 و2023، ما جعله المشروع الأكثر حصولًا على الدعم في البرنامج. أكد كارلوس ريكو، مسؤول سياسات السكك الحديدية في منظمة “النقل والبيئة”: “من المرجح أن يجري سد جزء كبير من فجوة التمويل من خلال أموال الاتحاد الأوروبي”.
وأضاف أن هناك “خطرًا حقيقيًا” من أن يؤدي ذلك إلى مزاحمة مشاريع أخرى من المقرر أن تبدأ أعمال البناء فيها مستقبلًا. وأقرت المفوضية بالتغير في البيئة الأمنية على طول الجناح الشرقي في مقترحها للموازنة البالغة قيمتها تريليوني يورو للفترة من 2028 إلى 2034، والذي يتضمن 51.5 مليار يورو لقطاع النقل والتنقل العسكري ضمن “مرفق ربط أوروبا” المستقبلي.
ورغم أن ذلك يمثل زيادة مقارنة بالموازنة الحالية، فقد شهد الجزء المخصص للتنقل العسكري زيادة قدرها عشرة أضعاف ليصل إلى 17.65 مليار يورو، إلا أن المنافسة بين الدول للحصول على هذه الأموال ستكون قوية. أعلنت المفوضية إن الطلب على تمويل “مرفق ربط أوروبا” يتجاوز بالفعل الموارد المتاحة، مشيرة إلى أن الدعوات التمويلية لعام 2024 تجاوزت حجم الموازنة المتاحة بأكثر من 6.6 مرة.
ويبقى السؤال هو حجم مخصصات “مرفق ربط أوروبا” بعد عام 2027 في نهاية المطاف، وحجم التمويل الذي سيتمكن مشروع “Rail Baltica” من الحصول عليه. أوضح بيتيريس سيلمس، المسؤول عن استراتيجية التمويل في شركة “RB Rail AS”: “تكمن المشكلة في أن تمويل مرفق ربط أوروبا محدود، وشديد التنافس، ومرتبط بدورات موازنة الاتحاد الأوروبي، التي لا تتوافق بالضرورة مع الجدول الزمني الأكثر كفاءة لتنفيذ مشروع بهذا الحجم”.
تواجه الموانئ الواقعة على بحر البلطيق مشكلة رئيسية تتمثل في ممارسة روسيا أنشطة التجسس العسكري والاقتصادي وتنفيذ أعمال تخريب. ويشير إلى ذلك مؤلفو تقرير “بحر البلطيق الصامد” (Odporny Bałtyk)، الصادر عن مركز الدراسات الشرقية البولندي (OSW).وتشمل الجهات والبنى المتضررة قطاعات النقل البحري والطيران، والموانئ نفسها، إضافة إلى البنية التحتية للطاقة والاتصالات.
ويسجل التقرير تزايد عمليات تصوير الموانئ والمحطات الحيوية ومنشآت الأرصفة، إلى جانب رحلات غير مصرح بها بطائرات مسيرة فوق الموانئ وموانئ النفط. كما تتزايد الهجمات السيبرانية “المكثفة”، أي اليومية، على أنظمة تكنولوجيا المعلومات. وتتمثل مشكلة أخرى في قيام روسيا بالتشويش على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وغيرها من أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية (GNSS)، ولا سيما من منطقتي كالينينغراد وسانت بطرسبرغ.
تكتسب منطقة بحر البلطيق أهمية محورية بالنسبة إلى العديد من الدول. وتعمل بولندا وألمانيا والدنمارك والسويد وفنلندا ودول البلطيق بصورة مستمرة على تعزيز أمن المنطقة. وتتزايد أهمية بحر البلطيق بالنسبة إلى الأمن الاقتصادي والعسكري منذ سنوات. وتؤدي موانئ البلطيق دورًا رئيسيًا في التجارة الدولية وفي إمداد بولندا ودول البلطيق وفنلندا والسويد والدنمارك بالمواد الخام الاستراتيجية.
كما أن موقع المنطقة على الجناح الشمالي الشرقي لحلف الناتو يجعلها ذات أهمية استراتيجية خاصة. وتندرج الموانئ البولندية ضمن ممرات النقل الأوروبية، وهي تتعامل مع أكثر من 40% من قيمة التجارة الخارجية البولندية. ويُعد تشغيلها أمرًا حاسمًا للاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة واستمرار إمدادات المواد الخام.
كما يمكن أن تصبح البنية التحتية للموانئ ذات أهمية للعمليات العسكرية خلال الأزمات. أما بالنسبة إلى روسيا، فإن بحر البلطيق يمثل بدوره مركزًا رئيسيًا للنقل والتصدير، ولا سيما للمواد الخام. ومن خلال أنشطة التجسس السياسي والاقتصادي العدائية وعمليات التخريب، يخلق الاتحاد الروسي مخاطر أمنية كبيرة. وفيما يلي أبرز المشكلات التي تواجه دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، والإجراءات التي يمكن اتخاذها لمنع الهجمات.
يُعد بحر البلطيق أحد أكبر المقابر المائية لحطام السفن في العالم؛ إذ تشير تقديرات لجنة حماية البيئة البحرية في منطقة البلطيق (HELCOM) إلى وجود نحو 8 آلاف إلى 10 آلاف حطام سفينة في قاعه. وتشمل هذه المخلفات، على وجه الخصوص، أسلحة كيميائية ألمانية ومواد متفجرة يبلغ مجموعها نحو 40 طنًا.
وهي تشكل خطرًا على النظام البيئي، كما يمكن استخدامها في عمليات التخريب والتدمير. وعند اكتشاف مثل هذه المواد، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تعطيل حركة الملاحة البحرية، وإثارة الخوف بين السكان، وإحداث تأثير نفسي قوي. ويعمل حلف الناتو بصورة منتظمة على إزالة المخلفات من قاع البحر. إلا أن الخبراء يرون أن الجهود الحالية لا تزال غير كافية.


