جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

يقف الكيان اللبناني اليوم أمام واحدة من أعقد القضايا التي تختبر متانة بنيته وقدرته على إدارة أزمات كبرى تتداخل فيها الأبعاد الجيوسياسية بالتحولات الديموغرافية والاجتماعية. إن قضية النزوح السوري لم تعد مجرد ملف إنساني عابر، بل تحولت إلى تحدٍ بنيوي يمس صلب الاستقرار الوطني ويضع مؤسسات الدولة أمام امتحان الكفاءة والسيادة. إن المقاربة العميقة لهذا الملف تتجاوز الجدل السطحي لتلامس قدرة الدولة على ضبط إيقاع سوق العمل وحماية بنيتها التحتية التي بلغت حد الإنهاك. فالمنافسة في الاقتصاد غير الرسمي لم تعد مجرد تفصيل معيشي، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في السلم الأهلي وفي صياغة العقد الاجتماعي الداخلي، مما يستوجب حواراً وطنياً صريحاً يهدف إلى تنظيم هذا الوجود بما يخدم الاستقرار الطويل الأمد ويحمي الهوية الاقتصادية للمواطنين.
وفي ظل المشهد السوري المتغير والتحولات البنيوية التي شهدتها دمشق، لم يعد ملف النزوح رهيناً للتجاذبات السابقة، بل أصبح محكوماً بمنطق الواقعية السياسية والمصالح المشتركة بين بيروت والحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع. إن انعقاد الاجتماعات الرفيعة المستوى وتشكيل لجان تقنية مشتركة يمثلان إعلاناً صريحاً عن بدء مرحلة “التصفير التدريجي” لهذا الملف الشائك. فالإجراءات اللبنانية المتخذة ميدانياً، والتي تلاقت مع رغبة دمشق في استعادة نسيجها الديموغرافي وتنشيط دورتها الاقتصادية، تؤسس لمسار العودة الآمنة والمنظمة كخيار وحيد لضمان استقرار البلدين. إن نجاح هذا المسار يرتكز على قدرة اللجنة المشتركة على تحويل التفاهمات السياسية إلى جداول زمنية واضحة، مدعومة بخطوات إجرائية لبنانية تضمن حقوق السيادة وتسهّل عبور العائدين نحو مناطقهم الأصلية التي بدأت تشهد استقراراً أمنياً ملموساً.
إن الرهان يتجاوز مجرد تأمين الحوافز للعودة، ليصل إلى صياغة “بروتوكول تعاون سيادي” ينهي حقبة العشوائية ويضع حداً للاستثمار السياسي في معاناة النازحين. إن الحل العام يكمن في ضرورة صياغة إطار قانوني وتنظيمي شامل للعمالة يمنع التضخم العشوائي في القطاعات غير الرسمية، بينما يتمثل الحل الخاص بلبنان في استثمار المناخات الإيجابية مع الإدارة السورية الجديدة لتسريع وتيرة العودة، بالتوازي مع تفعيل الرقابة الصارمة على المعابر وتنظيم الوجود المتبقي وفق القوانين المرعية. إن هذا “الالتقاء الإجرائي” بين الدولة اللبنانية والحكومة الجديدة في سوريا ليس مجرد ترتيب حدودي، بل هو حجر الزاوية في استعادة التوازن الديموغرافي، مما يسمح للبنان بالالتفات نحو ورشته الإصلاحية بعبء أقل وبسيادة أكمل، محولاً هذا الملف من فتيل للتأزم إلى جسر للتنسيق المثمر الذي يحفظ كرامة الإنسان وهيبة الدولة على حد سواء.


