جريدة الحرة بيروت

بقلم : د.محمد مراد: باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية..
لمّا كانت البنية المجتمعية عبارة عن مركّب من العناصر والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، فإنّ هذا المركّب يكتسب خصوصيات تشكّله عبر مديات زمنية طويلة نسبيا ،حيث تشهد عناصره المكوّنة عملية تفاعل داخلي تنتهي الى تكوين بنية لها سماتها المشتركة تبقى تعكس خصوصيات الجماعة البشرية بفعل علائقها الداخلية وأنماطها الاقتصادية والثقافية ومستويات تفكيرها ومنتجات السلطة الاجتماعية – السياسية فيها .
تستمر البنية المجتمعية كظاهرة تاريخية ممتدة زمنيا، وذلك بالارتكاز الى نوعين من العناصر :
الأولى،عناصر أساسية تسمى بالعناصر الحاملة (Éléments porteurs)
الثانية، عناصر ثانوية (Éléments secondaires) سرعان ما تتلاشى وتتساقط خلال المسار الزمني الذي تسلكه الظاهرة في حركتها التطورية . لذلك تستمر البنية المجتمعية تحافظ عل ثباتها التاريخي بمقدار ما تستمر العناصر الحاملة لها ثابتة وقوية . أمّا في حال سقوط هذه العناصر بفعل تدخٌل عناصر خارجية اختراقية للبنية المجتمعية، فعندها يحدث الاختلال الداخلي في نسق هذه البنية ليقوم مكانه نسق جديد يعكس تفاعلات العناصر الجديدة لتتشكّل معها بنية مجتمعية جديدة .
في الجنوب اللبناني، أبرز العناصر المكوّنة للبنية المجتمعية على مدى العقود الاستقلالية الثلاثة الأولى بين 1943 – 1975، واستمرت بعدها مع الحرب الأهلية الطويلة 1975 -1990، كانت التالية:
أولا : اقتصاديا:
استمر البنيان الاقتصادي للمنطقة الجنوبية من لبنان محكوما لثنائية التمركز – التطريف التي طبعت الاقتصاد اللبناني بعد الاستقلال . ففي الوقت الذي تكثّفت فيه المركزة في بيروت العاصمة وصولا الى محافظة جبل لبنان، ظلّت الطرفية الاقتصادية الطابع المسيطر على محافظات الشمال والبقاع والجنوب .
أبرز سمات البنية الاقتصادية الجنوبية كانت :
1 – اقتصاد فلاحي زراعي بسيط بطيء التطور .
2 – مبادلات على أساس المقايضة مع أسواق شمال فلسطين في عكا، صفد، الناصرة، طبريا والحولة، وكذلك في إطار شبكة سوقية مع البقاع وصولا إلى الداخل السوري.
3 – تتجير الفائض الانتاجي الريفي في اسواق المدن ومراكز القصبات في صيدا والنبطية وصور وبنت جبيل، وسوق الجديدة، وسوق الخان بين حاصبيا ومرجعيون، وسوق أدوات الحراثة والحصاد وجمع الغلال في جزين .
4 – بعد الاستقلال شهدت زراعة التبغ المركّزة بنسبة 75-80 % منها في المنطقة الجنوبية من لبنان، توسّعا خطيا دلّت عليه الزيادات التصاعدية في المساحات المزروعة من جهة، وتطور أعداد المزارعين والكميات الطنٌية المنتجة من التبغ الخام من جهة أخرى.
– المساحات ارتفعت من 5127 دونما في العام 1943 الى 77225 دونما في العام 1974 .
– المزارعون ارتفعت أعدادهم من 2296 مزارعا الى 37822 مزارعا بين عامي 1943- 1974 .
– الكميات المنتجة ارتفعت من 236 طنا عام 1943 الى 9335 طنا عام 1974 .
تميّزت زراعة التبغ وانتاجه بثلاث سمات أساسية :
الأولى،هي زراع تحويلية إلاّ أنّها لم تخرج في علاقاتها الانتاجية عن كونها علاقات ما قبل الرأسمالية، وذلك بسبب الريعية التي استمرت تحكم عائداتها سواء على مستوى الريعية العقارية ( ملاّك الأرض ) من جهة، أم على مستوى ريعية التراخيص ( اصحاب التراخيص هم مالكون للأرض والرخص المصرّح بها ) من جهة اخرى .
السمة الثانية، هي أنّ هذه الزراعة استمرت نمطا من أنماط الانتاج الأسري من حيث أنّ الأسرة العاملة في التبغ هي وحدة انتاج واستهلاك في نفس الوقت .
السمة الثالثة،عزّزت هذه الزراعة من علاقات الاستتباع الاجتماعي – السياسي بين صغار المزارعين من جهة، واصحاب التراخيص الكبيرة من كبار الملاّك والسياسيين من جهة أخرى .
5 – شهد السهل الساحلي الجنوبي من صيدا الى الناقورة جنوبي صورتوسٌعا في قطاع البستنة والزراعات الحمضية، لا سيّما مع تزايد الطلب السوقي عليها من قبل البلدان العربية وخصوصا بعد نكبة فلسطين عام 1948 والمقاطعة العربية الشاملة للكيان الصهيوني .
عام 1968 بلغت المساحات الحمضية في السهل الساحلي الجنوبي نحو 6400 هكتارا لم تلبث أن ارتفعت الى أكثر من 8000 هكتار عام 1975 حيث شكّلت حوالي 60% من اجمالي المساحات الحمضية اللبنانية، ومن الانتاج أكثر من 61% . أمّا الموز فقد بلغت المساحات الجنوبية منه نحو 93% ، والانتاج نحو 92.5% من اجمالي المساحات اللبنانية والانتاج اللبناني العام في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية .
تحوّلت المنطقة الساحلية في ظل تطور هذا النوع من الزراعة الرأسمالية الى منطقة جاذبة لتوظيفات استثمارية من أصحاب الرأسمال الاغترابي وبورجوازيي المدن ،الأمر الذي أفضى الى ظهور شريحة وافدة جديدة من كبار الملاّك راحت تنافس الارستقراطية العقارية التقليدية على تبوء المقاعد النيابية والحقائب الوزارية في غير مجلس نيابي أو وزاري خلال الستينيات ومطالع السبعينيات من القرن الماضي ( القرن العشرين ) .
ثانيا، على المستوى الاجتماعي:
عنصران أساسيان استمرا حاملين في البنيان الاجتماعي في جنوبي لبنان قبل وبعد الحرب الأهلية:
الأول، الملكيات والحيازات الكبيرة للأرض وطرق استثمارها الريعي، وهي ملكيات وحيازات استحوذت عليها عائلات النفوذ الاجتماعي – السياسي، منذ صدور سندات الطابو الخاقانية بعد العام 1858، ومن ثمّ شرّعتها قانونيا وحقوقيا سلطات الانتداب الفرنسي، ولاحقا سلطات الدولة الاستقلالية بعد العام 1943 .
دخلت هذه الملكيات في أساس علاقات الانتاج بين القوى الفلاحية العاملة والمنتجة ، وهي قوى غير مالكة بمعظمها من جهة، وأصحاب الأرض من كبار الملاّك ومعظمهم مالكون وغير منتجين، من جهة أخرى .
أفضت هذه العلاقات الى بروز عائلات نافذة اجتماعيا وسياسيا، فكانت البكوية الشيعية ، والأفندية السنٌية والخواجية المسيحية ، وهي ألقاب استمرت تتلازم مع مواقع هذه العائلات الاجتماعية – السياسية على مستويي المجتمع والدولة معا ( النواب – الملاّك استمروا يشكّلون الوزن النسبي الأكبر( 75%) في كل المجالس النيابية بين 1920-1975.
الثاني، العائلة الممتدة: وهي عائلة استمرّت وحدة قرابية واجتماعية، وظلت مخزونة بعصبية بسيكولوجية سرعان ما كانت تبرز بقوّة مع كل توزيع أو اعادة توزيع لتراتبية النفوذ العائلي على هرم السلطة المحلية ( معارك المجالس الاختيارية وكذلك البلدية).
هذا وكانت العائلة الدينية قد قامت بدور مركزي داخل القرية الواحدة أو مجموعة من القرى المجاورة ، وتحوّلت الى مرجعيات اجتماعية وثقافية وارشادية وتعليمية ( المدارس القرآنية )، ومارست دور الوازع الحاكم لفضّ النزاعات والقضايا حول الملكية والميراث والزواج والطلاق وغير ذلك .
ثالثا، على المستوى السياسي:
على مستوى البنيان السياسي للاجتماع الجنوبي ثمّة ثلاثة تمظهرات اساسية :
الأول، زعامة سياسية تقليدية توارثية استأثرت بمواقع السلطة الرأسية، واستمرت تعيد انتاج نفسها ارتكازا الى ملكياتها العقارية من جهة ،والى شبكة الأتباع والولاءات الأهلية التي ظلت ثابتة طويلا تجدد البيعة والولاء لزعامتها من جهة اخرى .
التمظهر الثاني ، أحزاب سياسية لم تخرج عن التقليدية في ممارسة السياسة والعمل السياسي . فقد ظهر، بعد الاستقلال , حزبا الطلائع والنهضة ، حيث كان الأول تابعا لرشيد بيضون ، والثاني لأحمد الأسعد الذي تولى رئاسة المجلس النيابي أكثر من مرة . كان الهدف من ظهور هذين الحزبين آنذاك، تحويل الأتباع والمؤيدين الى كتلة شعبية تقوم بدورها في الانتخابات المحلية والنيابية، حيث كان يتمّ توظيفها في معركة التنافس على زعامة الجنوب، وتحشيد القوى في معارك اللوائح الانتخابية مع كل دورة نيابية جديدة .
التمظهر الثالث، أحزاب عقيدية ترتكز الى أيديولوجية فكرية وسياسية راحت ترفع شعارات التغيير والتجدّد، إلا أنّها ظلت محدودة الانتشار في الجنوب اللبناني واقتصرت على عناصر محدودة من مثقفي شرائح الطبقة الوسطى الذين انفتحوا على التعليم الحديث مع مطالع الخمسينيات من القرن الماضي .
تمثّلت الظاهرة الحزبية التحديثية في الجنوب بعناصر انتمت الى أحزاب الشيوعي والسوري القومي الاجتماعي والبعث العربي الاشتراكي والتشكيلات الناصرية على اختلافها .
نشطت الممارسة الحزبية اليسارية بعد نكسة حزيران 1967، حيث كان الانخراط الواسع في غير منظمة فلسطينية وحزبية لبنانية وعربية وصولا الى الحرب الأهلية اللبنانية التي انفجرت في نيسان 1975،وظلّت فصولها المأساوية تتواصل على مدى أكثر من خمسة عشر عاما .
كانت الحرب الأهلية بمثابة العامل الأكثر قدرة على خلخلة البنية المجتمعية التي استمرت ثابتة لأكثر من نصف قرن مضى على قيام الدولة اللبنانية الحديثة، بحيث جاءت نتائج هذه الحرب لتحدث تغييرا جوهريا في البنية المجتمعية اللبنانية العامّة انسحابا على سائر المناطق ومنها الجنوب اللبناني، وهذا أمر يحتاج الى رصد وتحليل جديدين للمعطيات الجديدة التي أتت بها الحرب وتداعياتها اللاحقة، وذلك على غير مستوى اجتماعي واقتصادي وسياسي . سأتوقف عند اثنين اساسيين منها:
الأول اقتصاديا،حيث استمرت الريعية غالبة على الاقتصاد اللبناني، وعلى الجنوب والبقاع وامتدادها إلى الضاحية الجنوبية من بيروت، هذا، مع ظهور رأسمال اغترابي وازن في جويّا، العباسية،صور،ديرمطار،النبطية،صيدا ،وبلداتجنوبية عديدة أخرى.
أفضى هذا التطور إلى ظهور قوى اغترابية وازنة راحت تطمح ليكون لها موقع سياسي على صعيدي التمثيل النيابي والوزاري، وهذا ما برز بصورة واضحة في كل المجالس النيابية والوزارية التي تشكّلت بعد الطائف وصولا إلى اليوم.
الثاني، على المستوى
الاجتماعي- السياسي، نشأ تحالف بين مرجعيات دينية تاريخية وزعامات جديدة كانت مدفوعة بطموحات شخصية تلازمت مع توظيف الخارج الإقليمي لتوليد شراكة في السياستين اللبنانية والإقليمية وهكذا، كان التلازم الوظيفي بين الديني الشيعي، والسياسي الناشىء بعد الحرب الأهلية، والدعم الآتي من خارج الحدود، قد أسهم في توليد زعامات جديدة جمعت بدورها بين الطائفي والسياسي، وهذا ما برز جليا من خلال تأسيس حركات وأحزاب سياسية نقلت المشهد السياسي الجنوبي واللبنانية بصورة عامّة من الإقطاع الطائفي- السياسي قبل الطائف، إلى حزب الطائفة السياسي بعد الطائف وصولا إلى اليوم.
إنّ المراقب لكل التركيبات الاجتماعية لمجالس لبنان النيابية بعد الطائف وحتى يومنا الحاضر، يدرك هذا الثبات لممثلي الجنوب والبقاع والضاحية في كل المجالس التي انتخبت بعد الحرب، وهذا يؤكد على تشبيك القوى السياسية المنتجة بين الديني والسياسي والخارجي، وهي القوى التي مازالت تستأثر بكل المشهد السياسي اللبناني، وتتحكم بمستقبل المجتمع والثروة العامة والدولة بكل مرافقها ومؤسساتها العامّة.


