جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ وافقت لجنة الميزانية في البوندستاغ على شراء طائرات انتحارية بدون طيار للجيش الألماني، بشرط خفض المبلغ المخصص لذلك بأكثر من النصف وتشديد الرقابة على التنفيذ.
أفادت بذلك صحيفة Süddeutsche Zeitung ، نقلا عن قرارات للجنة البرلمانية المذكورة. في وقت سابق، أعلن الجيش الألماني أن أول وحدة سيتم تجهيزها بطائرات الكاميكازي المسيرة الجديدة، سيكون لواء الدبابات الألمانية في ليتوانيا ومن المقرر تحقيق ذلك في موعد أقصاه بداية عام 2027. وجاء في مقالة الصحيفة: “قررت مجموعة السياسيين من الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الاجتماعي الديمقراطي المسؤولة عن الميزانية تحديد وحصر قيمة صفقة الطائرات المسيرة الانتحارية التي خطط لها (وزير الدفاع الألماني بوريس) بيستوريوس لشرائها سابقا بقية 4.4 مليار يورو”.
ونوهت الصحيفة بأن القيمة الإجمالية للطلب المخطط لها أصلا ستنخفض بالتالي من 4.4 مليار إلى ملياري يورو. في المرحلة الأولى، سيحصل موردا الطائرات المسيّرة المشاركان في عملية الشراء، وهما شركتا ستارك ديفنس وهيلسينغ، على 270 مليون يورو فقط لكل منهما. وقد يرتفع مبلغ الطلبية لاحقا، ولكن بحد أقصى مليار يورو لكل شركة.
وأفادت صحيفة Süddeutsche Zeitung بأن البرلمانيين الألمان قرروا إلغاء الطلبية بسبب عدم ثقتهم بجودة المعدات العسكرية المزمع شراؤها. وكما أوضحت اللجنة المختصة في البرلمان الألماني للصحيفة، فإن الطائرات المسيّرة من الشركات المذكورة لم تتمكن بعد من “إثبات فعاليتها القتالية بشكل كامل”. ونقلت الصحيفة قول ممثل عن البرلمان الألماني: “لا يمكنك ببساطة شراء شيء مجهول المصدر”. كما شدد المشرعون متطلبات تنفيذ القرار. وبحسب الصحيفة، سيُطلب من وزارة الدفاع الألمانية تقديم تقرير إلى البرلمان كل ستة أشهر حول تنفيذ الطلبية، كما سيتطلب شراء أي طائرات بدون طيار جديدة لاحقا موافقة البرلمان.
التداعيات الاستراتيجية واللوجستية
يعكس هذا التوجه البرلماني رغبة حذرة في تحديث القدرات العسكرية الألمانية دون الانزلاق في مخاطر مالية أو تقنية غير محسوبة، خاصة وأن لواء الدبابات في ليتوانيا يمثل حجر الزاوية في استراتيجية الردع الجديدة للناتو. ومن خلال تقليص الميزانية الأولية، يسعى البرلمان إلى فرض نموذج “الاختبار قبل التوسع”، حيث لن يتم ضخ مبالغ ضخمة إلا بعد التأكد من كفاءة هذه المسيرات في الميدان وقدرتها على التعامل مع أنظمة التشويش الإلكتروني الحديثة، مما يضع شركتي “ستارك ديفنس” و”هيلسينغ” أمام تحدٍ تقني لإثبات الجدارة خلال المرحلة التجريبية الأولى.
من ناحية أخرى، تبرز هذه الخطوة تصاعد حدة التوتر بين وزارة الدفاع الألمانية ولجنة الميزانية حول آلية اتخاذ القرار العسكري؛ فإصرار المشرعين على تقديم تقارير دورية كل ستة أشهر يعكس “أزمة ثقة” في إدارة الصفقات الكبرى تحت إشراف الوزير بوريس بيستوريوس. ورغم أن الحاجة ملحة لسد الفجوات التسليحية بحلول عام 2027، إلا أن البرلمان الألماني يصر على ممارسة دوره الرقابي بصرامة، معتبراً أن “السيادة التسليحية” لا تعني فقط امتلاك التكنولوجيا، بل ضمان شفافية الإنفاق وضمان أن كل يورو من أموال دافعي الضرائب يساهم فعلياً في تعزيز الأمن القومي الألماني بعيداً عن صفقات “المعدات المجهولة”.
المنافسة الصناعية وضغوط التوقيت الإقليمي
يضع هذا القرار ضغوطاً إضافية على قطاع الدفاع الألماني لسرعة الابتكار، حيث تهدف برلين من خلال صفقة الطائرات الانتحارية إلى تقليص الفجوة التقنية مع القوى الكبرى في مجال الحروب المسيرة. ومع اقتراب موعد نشر لواء الدبابات في ليتوانيا عام 2027، يجد المصنعون أنفسهم في سباق مع الزمن؛ فتقليص الميزانية ليس مجرد إجراء مالي، بل هو رسالة سياسية مفادها أن ألمانيا لن تكتفي بشراء الحلول “الجاهزة”، بل تسعى لتطوير منظومات محلية تتفوق على نظيراتها العالمية من حيث الذكاء الاصطناعي والقدرة على الصمود. هذا الحذر البرلماني يضمن ألا تتحول صفقات التسليح الطارئة إلى عبء مالي طويل الأمد، بل إلى استثمار استراتيجي يعزز من ثقل ألمانيا العسكري داخل الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو).


