الأكثر قراءة

البيانات تتحول إلى ذخيرة في ساحات الحروب الرقمية

جريدة الحرة بيروت

خاص ـ في مناورات “غراند كوادريغا 2026″، تستعرض القوات المسلحة الألمانية كيف تتغير الحرب الحديثة الطائرات المسيّرة والبيانات والسرعة هي المحرك الأساسي للعمليات. بالتعاون مع شركات ناشئة، يطور الجنود أنظمة عملية خاصة بهم ويختبرونها مباشرة في الميدان.

فخلال مناورات “غراند كوادريغا 2026” متعددة الجنسيات التي أُقيمت في مارس 2026، لم تكتفِ سرية المهندسين المحمولة جواً رقم 270 وفوج المظليين رقم 31 في سيدورف، ساكسونيا السفلى، بالتدرب على استخدام الطائرات المسيّرة فحسب، بل قاموا كذلك بتصنيعها بأنفسهم. بدلاً من التدريبات التقليدية على الرماية، استُخدمت طائرات الاستطلاع بدون طيار، ونقل البيانات في الوقت الفعلي، وطائرات FPV بدون طيار لتحديد الأهداف والاشتباك معها في غضون ثوانٍ.

التعاون مع مركز الابتكار السيبراني CIHBw

قام الجنود، بالتعاون مع مركز الابتكار السيبراني التابع للقوات المسلحة الألمانية (CIHBw) ضمن البرنامج، ببناء واختبار وتطوير جزئي للطائرات المسيّرة الصغيرة بأنفسهم. وكان هدفهم هو القدرة على تكييفها وإصلاحها بشكل مستقل في حالات الطوارئ. وتستخدم القوات المسلحة الألمانية مصطلح “خلايا الشرارة” لوصف وحدات الابتكار الصغيرة واللامركزية التي أنشأها مركز الابتكار السيبراني التابع للقوات المسلحة الألمانية (CIHBw).

تأسس مركز الابتكار التابع للقوات المسلحة الألمانية (CIHBw) عام 2017، وأصبح وحدة الابتكار الرسمية للجيش الألماني (البوندسفير) بعد ثلاث سنوات. يهدف المركز إلى تسريع نشر التقنيات الجديدة في القوات المسلحة، وذلك بالتعاون مع الجنود والشركات الناشئة والشركات القائمة، لاختبار الحلول في بيئات العمليات. وبدلاً من عمليات التطوير المطولة، يتم تطوير النماذج الأولية واختبارها مبكراً داخل القوات المسلحة. ويتبع المركز تنظيمياً لوزارة الدفاع الاتحادية.

البيانات كذخيرة جديدة

تتجه الحروب الحديثة نحو الرقمنة والتشغيل الآلي بشكل متزايد. وقد أبرزت تجارب الحربين في أوكرانيا وإيران أهمية الطائرات المسيّرة للقوات المسلحة الحديثة. ومؤخراً، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الأوكرانية تمكنت، ولأول مرة، من الاستيلاء على موقع روسي باستخدام أنظمة غير مأهولة فقط.

ووفقاً للرئيس، تتكون هذه الأنظمة من طائرات مسيّرة وروبوتات أرضية. أكد متحدث باسم مركز أبحاث الأسلحة والطائرات بدون طيار (CIHBw) أن الطائرات بدون طيار لم تعد مجرد إضافة، بل أصبحت “عنصراً أساسياً في تحديد بنية الحرب الحديثة”، إذ أنها تُغير في آنٍ واحد عمليات الاستطلاع والفعالية ودورات صنع القرار.

وأضاف: “من يسيطر على المجال الجوي على نطاق ضيق، يكتسب السرعة والشفافية والدقة على نطاق واسع”. ووفقاً له، فإن الحرب الحديثة “مدفوعة بالتكنولوجيا، وقائمة على البيانات، وقبل كل شيء، أسرع”. كما صرح مفتش الجيش، الفريق الدكتور كريستيان فرويدينغ، بأن البيانات أصبحت مورداً أساسياً “بمثابة ذخيرة فعلياً”.

أضاف فرويدينغ: “أولئك الذين يرون أكثر، وقبل كل شيء، يعالجون المعلومات بشكل أسرع وبطريقة أكثر تنظيماً، وبالتالي يطورون صورة أكثر دقة للموقف، يمكنهم اتخاذ قرارات أسرع والتصرف بشكل أسرع. باختصار: إنهم يفوزون”. إلا أن هذا التحول لا يؤثر فقط على هياكل القوات المسلحة الألمانية، بل على الجنود أنفسهم كذلك.

فبالنسبة لهم، لم يعد الأمر يقتصر على أنظمة التشغيل فحسب، بل يجب عليهم أيضاً فهمها، ودراستها دراسة نقدية، وتطويرها عند الضرورة. تابع المتحدث باسم مركز CIHBw: “إن الفهم التكنولوجي ومهارات الارتجال والتفكير المنظومي لا تقل أهمية عن المهارات التقليدية”. وبالتالي، فإن الجندي العصري ليس مجرد مستخدم، بل هو أيضاً شريك في التطوير وصانع قرار.

ما هي محاور التدريب؟

خلال التدريب في سيدورف، كان هذا هو محور التدريب تحديداً: لم تقتصر تدريبات سرية المهندسين المحمولة جواً 270 وفوج المظليين 31 على نشر طائراتهم المسيّرة فحسب، بل شملت كذلك بناءها. وانطلاقاً من فهمهم للمكونات الفردية، طوّر الجنود طائراتهم المسيّرة بتقنية الرؤية من منظور الشخص الأول، وبنوا نماذج أولية، واختبروها في أجهزة محاكاة وفي ظروف واقعية، وواصلوا تحسينها باستمرار.

وبحسب CIHBw، فإن المعدات المستخدمة تضمنت طابعات ثلاثية الأبعاد ومكونات إلكترونية. علاوة على ذلك، تتبلور عقلية مختلفة تماماً: من مجرد مستخدمين إلى مُبدعين فاعلين. وهذا عامل حاسم لبناء قوة مسلحة قادرة على التعلم والمرونة. ووفقاً للمتحدث الرسمي، فإن سبب قيام الجنود ببناء طائراتهم المسيّرة بأنفسهم هو أن “المستقبل لا ينتظر الموافقة”.

“عندما تظهر مشكلة معينة أثناء عملية ما، فإن أسرع طريقة لحلها غالباً ما تكون الطريقة المباشرة. الجنود يعرفون متطلباتهم أفضل من غيرهم. وعندما يتم تمكينهم من تطوير الحلول واختبارها بأنفسهم، تتحقق السرعة والملاءمة”، هذا ما صرح به المتحدث الرسمي.

إلى جانب السيادة العملياتية، يهدف هذا إلى تقليل الاعتماد على مصادر خارجية. ورغم أن الأمر قد يبدو كذلك من بعض النواحي، إلا أن الهدف ليس استبدال الصناعة، بل دعمها. وأوضح المتحدث باسم مركز صناعة الأسلحة المتكاملة (CIHBw) أن التركيز سينصب على “النماذج الهجينة” التي تُكمّل فيها الأنظمة المشتراة مركزياً من خلال التكيف اللامركزي والتطوير المستمر داخل القوات المسلحة.

بحسب المتحدث الرسمي، فإن السؤال الآن لا يتعلق بما إذا كان الجنود سيطورون حلولهم الخاصة، بل بكيفية تنظيم ذلك. ويعمل مركز الابتكار السيبراني التابع للجيش الألماني كحلقة وصل بين القوات المسلحة والتكنولوجيا والشركات الناشئة. وتهدف إلى إثبات أن الأفكار يمكن أن تنبع من داخل القوات نفسها، وليس فقط من القيادة العليا.

وفي الوقت نفسه، ينبغي دمج التطويرات الداخلية في عمليات الشراء القائمة. وتعمل هذه الوحدات على تحديد الاحتياجات مبكراً، واختبار الحلول، وتبادل المناهج الناجحة. وتظهر بعض القيود عندما تكون الأنظمة حساسة أو معقدة للغاية.

يعكس هذا التحول داخل القوات المسلحة الألمانية اتجاهاً أوسع في الجيوش الحديثة نحو دمج التكنولوجيا الرقمية في صميم العمليات القتالية. لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات دعم، بل أصبحت عناصر مركزية في الاستطلاع والهجوم واتخاذ القرار، ما يعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية التقليدية.

في المستقبل القريب، من المرجح أن يتوسع نموذج “الابتكار من داخل القوات” ليصبح جزءاً دائماً من البنية العسكرية، حيث يتحول الجندي من مستخدم للأنظمة إلى مطور ومختبر لها في الوقت نفسه. هذا التغيير قد يؤدي إلى تسريع دورات الابتكار العسكري بشكل كبير، ويقلل من الاعتماد على سلاسل تطوير طويلة تقودها المؤسسات الصناعية وحدها.

كما أن إدماج البيانات كعنصر حاسم في العمليات القتالية يشير إلى أن ساحة الحرب المقبلة ستكون هجينة، تجمع بين المجالين المادي والرقمي. السيطرة على تدفق المعلومات، وسرعة تحليلها، ستصبح عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن التفوق الميداني التقليدي.

لكن هذا المسار يطرح كذلك تحديات مستقبلية، أبرزها كيفية ضمان أمن الأنظمة المطورة داخلياً، ومنع تسرب التقنيات الحساسة، إضافة إلى إدارة العلاقة بين الجيش والصناعة الدفاعية في إطار تكاملي لا تنافسي.

على المدى البعيد، قد يؤدي هذا النموذج إلى إعادة تشكيل عقيدة الجيوش الأوروبية، بحيث تصبح أكثر مرونة واعتماداً على وحدات صغيرة قادرة على الابتكار السريع. وفي هذا السياق، قد تتحول التجارب مثل “خلايا الشرارة” إلى نموذج أوسع يعاد تطبيقه في مجالات عسكرية أخرى، بما يعزز مفهوم “الجيش المتعلم ذاتياً” القادر على التكيف مع بيئة أمنية تتغير بوتيرة غير مسبوقة.

https://hura7.com/?p=77981

 

الأكثر قراءة