الثلاثاء, فبراير 17, 2026
18 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

التأمل في “العزلة الرائعة” وتداعياتها على السياسة العالمية في 2025

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي  مدونة د. خالد العزي

وصف وزير المالية الكندي جورج فوستر في عام 1896، السياسة البريطانية تجاه روسيا بأنها “العزلة الرائعة”. كان يقصد بها رغبة الغرب في عزل روسيا سياسيًا واقتصاديًا، واعتبرها عزلًا شاملاً يُتوقع أن يكون “رائعًا” من حيث فاعليته. لكن، كما تشير التجربة التاريخية، كانت تلك العزلة في الواقع سلاحًا ذو حدين، حيث أن من حاولوا عزل روسيا انتهوا في النهاية في عزلة حقيقية هم أنفسهم. واليوم، في 2025، يبدو أن الغرب قد وقع في نفس الفخ: لقد سعى لعزل روسيا، لكن هذه السياسة جعلت الغرب نفسه يواجه عزلة متزايدة على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

في خطابه في منتدى الثقافات المتحدة في سانت بطرسبرغ في نوفمبر 2023، استخدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعبيرًا يعكس هذه الفكرة: “بدأت القطرة بالبكاء لأنها انفصلت عن البحر”. كان بوتين يشير إلى محاولات الغرب لفصل روسيا عن “الجماعة العالمية” وكأنها قطرة تنفصل عن بحر من التحالفات والتفاعلات الدولية، متجاهلًا أن هذا الفصل لن يؤدي إلا إلى أضرار متبادلة.

منذ بداية الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022، عمل الغرب جاهدًا على عزل روسيا اقتصاديًا وسياسيًا، بهدف فرض ضغوطات تجبرها على التراجع. لكن مع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن هذا الهدف لم يتحقق. بدلاً من ذلك، أصبحت روسيا أكثر مرونة في إيجاد بدائل وتشكيل تحالفات جديدة، بينما يواجه الغرب صعوبات في الحفاظ على وحدته. الأزمة الأوكرانية قد تحولت إلى أكثر من مجرد صراع عسكري، بل إلى صراع طويل الأمد بين روسيا من جهة والغرب من جهة أخرى، مع تصاعد التداعيات الاقتصادية والسياسية على كلا الجانبين.

من جهة أخرى، في خطابه الشهير أمام البرلمان الأوروبي عام 1985، قال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان: “أمريكا لا تزال ملتزمة بوحدة أوروبا”. لكن في عام 2025، يبدو أن هذه الوحدة قد تحطمت. فالعالم الجديد والعالم القديم، اللذان كانا في وقت من الأوقات يسيران بتنسيق تام، أصبحا الآن يجرّان بعضهما البعض في اتجاهات متضاربة. هذه التطورات حولت “المسلمات” في السياسة الغربية، مثل “الوحدة عبر الأطلسي”، إلى مجرد أوهام، لا تعكس الواقع السياسي المتغير.

الصدع بين البراغماتيين والمتعصبين:

اليوم، يظهر الانقسام داخل الغرب بشكل واضح، خاصة بين الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب ودول الاتحاد الأوروبي الكبرى حول كيفية التعامل مع الأزمة الأوكرانية. هذا الانقسام لا يعكس مجرد اختلاف في الرؤى حول تكتيك معين، بل هو يعكس تحولات أعمق في فهم كل طرف للعلاقات الدولية. في الوقت الذي يصر فيه البعض على مواصلة الضغوط والعقوبات، ويبدو أنهم عازمون على استكمال مسار العزلة، فإن آخرين يدركون تمامًا أن هذه الاستراتيجية قد فشلت وأن استمرارها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والضعف داخل الغرب نفسه.

دونالد ترامب، الذي كان في السابق يشدد على مواقف متصلبة تجاه روسيا، أصبح الآن أكثر براغماتية في نظرته. فبعد أن اكتشف من خلال التجربة أن سياسة الضغط القصوى ضد روسيا لم تؤدِ إلى نتائج ملموسة، بدأ يغير نهجه ليعتمد على التفاوض مع موسكو على أساس المصالح المشتركة. ترامب لا يتخذ هذه المواقف من منطلق أيديولوجي، بل من منطلق الواقعية السياسية. إذا كانت سياسة معينة لا تؤتي ثمارها، فإنه يغير المسار بسرعة بحثًا عن حلول عملية، وهو ما يميز نهجه في السياسة.

التجربة الأوروبية: الصراع بين البراغماتية والتعصب

إذا نظرنا إلى داخل أوروبا، نجد أن الصراع بين البراغماتيين والمتعصبين قد تجسد في العديد من القرارات الاستراتيجية. أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو محاولة الاتحاد الأوروبي الاستيلاء على الأصول المالية الروسية المجمدة. في هذه القضية، كان هناك انقسام واضح بين الدول المتعصبة التي كانت تسعى لمواصلة سياسة العقوبات، مثل ألمانيا بقيادة فريدريش ميرز والمفوضية الأوروبية بقيادة أورسولا فون دير لاين، وبين الدول الأكثر براغماتية مثل المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك التي بدأت تدرك العبء الاقتصادي الذي فرضته هذه السياسات على اقتصاداتها، خاصة في ظل الأزمة الأوكرانية المستمرة.

هذا الصراع بين البراغماتيين والمتعصبين قد جعل من الاتحاد الأوروبي ليس فقط ساحة صراع مع روسيا، بل أيضًا ساحة صراع داخلي بين الأعضاء. بينما كانت الدول المتعصبة تدفع نحو الحفاظ على العقوبات وتعميق العزلة، كانت الدول البراغماتية تطالب بتغيير المسار والتركيز على مصالحها الاقتصادية. هذه الصراعات الداخلية قد تؤدي إلى زيادة الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي، مما يضعف قدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة.

العزلة الرائعة” للغرب

على الرغم من أن الغرب قد حقق في بداية الأزمة هدفه المعلن بعزل روسيا، فإن هذه العزلة أصبحت بمثابة “عزلة رائعة” بالنسبة له في 2025، ولكنها رائعة بشكل مؤقت ومزيف. لقد نجح الغرب في فرض عزلة على روسيا، لكنه في المقابل بدأ يواجه عزلة حقيقية داخل صفوفه. أصبحت العديد من الدول الغربية منقسمة بشأن كيفية التعامل مع روسيا، وأصبح “الوحدة عبر الأطلسي” مجرد وهم في ظل هذا الانقسام.

وبالنظر إلى الواقع الحالي، فإن سياسة العزلة التي كانت تهدف إلى إخضاع روسيا قد أسفرت عن نتائج معاكسة. فقد تمكنت روسيا من الاستمرار في تعزيز تحالفاتها وخلق بدائل اقتصادية، بينما بدأ الغرب، الذي كان يحاول عزلها، في مواجهة تحديات كبيرة في الحفاظ على وحدته الداخلية. العزلة “الرائعة” التي سعى الغرب لتحقيقها أصبحت اليوم عبئًا على الأطراف الغربية نفسها، مما يفتح المجال لمزيد من التغيير في السياسة العالمية.

ملاحظة تحليلية:

روسيا، في الوقت الحالي، ترى أنها قد حققت نوعًا من الانتصار في صراعها مع الغرب، حيث بدأت تشعر بأنها قد حققت مواقف استراتيجية لصالحها. ولكن الواقع مختلف تمامًا: في ظل هذه التصورات، تُواجه روسيا واقعًا مريرًا، حيث أنها فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية في أوكرانيا على مدار أربع سنوات من الحرب، ولم تتمكن من اجتياح أوكرانيا كما كانت تأمل. السؤال الآن هو: كيف يمكن لروسيا أن تواصل التصعيد ضد أوروبا مجتمعة في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة تقديم “إنجازات وحوافز” لها مقابل اتفاقيات سلام محتملة؟ فروسيا، في سعيها لتحقيق مكاسب عبر القوة العسكرية، قد تجد نفسها عالقة بين مساعيها لتحقيق سلام مشروط وبين الأضرار الناتجة عن دمار مستمر على الأرض.

قد يعتقد البعض في روسيا أن الضغط المستمر على أوروبا سيؤدي إلى نتائج إيجابية لصالحها. لكن الواقع هو أن روسيا، في محاولاتها للاستمرار في “العزلة الرائعة”، قد تتجاهل أن الطريق إلى الحلول الدائمة لا يكون دائمًا من خلال القوة المدمرة، بل من خلال التفاوض على أساس مصالح واضحة ومتبادلة. ويبدو أن روسيا لا تدرك تمامًا أنها حتى مع تصاعد الضغط العسكري، لن تستطيع فرض شروطها على أوروبا أو فرض نتائج ملموسة في ظل هذه العزلة السياسية المتزايدة.

https://hura7.com/?p=73239

 

الأكثر قراءة