جريدة الحرة
خاص ـ رفضت الولايات المتحدة الاقتراح الروسي، الأمر الذي أثار مع ذلك مخاوف كبيرة في أوروبا وسط تصاعد التوترات عبر الأطلسي، حيث سعت موسكو إلى اقتراح صفقة متبادلة مع واشنطن في سياق إدارة التوازنات الإقليمية والدولية المتعلقة بالشرق الأوسط وأوكرانيا.
يقضي الاقتراح الروسي، كما ذكرته مصادر دبلوماسية، بأن يتوقف الكرملين عن مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع إيران، مثل الإحداثيات الدقيقة للأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة، في حال توقفت الولايات المتحدة عن تزويد أوكرانيا بالمعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالعمليات الروسية.
أكد شخصان مطلعان على المفاوضات الأمريكية الروسية أن مثل هذا الاقتراح قدمه المبعوث الروسي كيريل ديميترييف إلى مبعوثي إدارة ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، خلال اجتماع عقد في مارس من العام 2026 في ميامي.
وبالرغم من عرض هذا الاقتراح، رفضت الولايات المتحدة بشكل واضح الانخراط فيه، معتبرة أن مثل هذا التبادل يمكن أن يؤدي إلى إضعاف دعم الحلفاء لأوكرانيا، ويفتح الباب أمام توترات إضافية في المنطقة، خاصة مع تصاعد التهديدات الإيرانية ضد القوات الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط.
روسيا توصف الاقتراح بأنه “مزيف”
وصف ديميترييف، من جانبه، تقرير الاقتراح بأنه “مزيف” في منشور على موقع X، موضحا أن الأخبار التي تم تداولها حول هذا العرض ليست دقيقة، لكنها لم تمنع في الوقت نفسه انتشار المخاوف بين المسؤولين الأوروبيين.
قد أعرب العديد من الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي عن قلقهم من أن موسكو تحاول استغلال هذا العرض لإحداث شرخ بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في لحظة حساسة للعلاقات عبر الأطلسي، وهو ما قد يؤدي إلى تقويض التنسيق العسكري والسياسي في المنطقة.
وأوضح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال تصريحاته الأخيرة، غضبه الشديد من رفض الحلفاء إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، واصفا حلفاءه في الناتو بـ”الجبناء”، مؤكدا في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لن تتراجع عن موقفها، قائلا: “لن ننسى!”.
تنامي المخاوف في أوروبا
تعكس هذه التحركات المخاوف المتزايدة في أوروبا، حيث اعتبر أحد دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي الاقتراح الروسي “شائنا”، مشيرا إلى أن الاتفاق المقترح من شأنه أن يزيد الشكوك حول فعالية المفاوضات التي جرت بين ويتكوف وديميترييف، والتي لم تسفر حتى الآن عن أي تقدم ملموس نحو اتفاق سلام شامل في أوكرانيا.
يعتقد العديد من المحللين أن موسكو تنظر إلى هذه المفاوضات على أنها فرصة لإغراء الولايات المتحدة بالانخراط في اتفاق ثنائي يترك القارة الأوروبية على هامش القرارات الاستراتيجية الكبرى. وأعلن الكرملين في مارس من العام 2026 أن محادثات السلام الأوكرانية التي تتوسط فيها الولايات المتحدة “معلقة”، مؤكدا عدم إحراز تقدم يذكر في التوصل إلى حلول دبلوماسية مستدامة.
مخاطر أمنية وسياسية
أفاد مصدر مطلع على المناقشات بأن روسيا قدمت عدة مقترحات للولايات المتحدة تتعلق بإيران، إلا أن الأخيرة رفضت جميعها، مشيرا إلى أن الاقتراحات تضمنت اقتراحات متعلقة بنقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى روسيا، وهو ما تم نشره لأول مرة من قبل منصة أكسيوس، إلا أن الولايات المتحدة رفضت هذا الخيار تماما، معتبرة أنه ينطوي على مخاطر أمنية وسياسية كبيرة قد تؤثر على استقرار الشرق الأوسط.
أفاد مصدر مطلع على المعلومات الاستخباراتية بأن روسيا وسعت نطاق التعاون العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع إيران منذ بدء الحرب، وهو ما عززه نشر تقارير صحفية، أبرزها صحيفة وول ستريت جورنال، التي ذكرت أن موسكو تزود طهران بصور الأقمار الصناعية وتكنولوجيا الطائرات المسيّرة لمساعدة إيران في استهداف القوات الأمريكية في المنطقة.
رغم تأكيد الكرملين أن هذا التقرير عبارة عن “أخبار كاذبة”، ألمح ترامب إلى وجود صلة بين تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إيران ودعم الولايات المتحدة لأوكرانيا، قائلا إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “ربما يساعد إيران قليلا، نعم، أعتقد ذلك، وربما يعتقد أننا نساعد أوكرانيا، أليس كذلك؟”
تبادل المعلومات الاستخباراتية بين واشنطن وكييف ركيزة أساسية
يظل تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا ركيزة أساسية للدعم الأمريكي، رغم أن واشنطن قلصت أنواع المساعدات الأخرى بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية. وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت لفترة وجيزة تبادل المعلومات الاستخباراتية في العام 2025، بعد اجتماع مثير للجدل في المكتب البيضاوي جمع ترامب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مما أدى إلى حالة من الفوضى والارتباك بين الحلفاء،
وكشف عن توترات عميقة في الشراكة مع كييف. سعى بعض الدبلوماسيين الأوروبيين إلى التقليل من شأن مخاطر الاقتراح الروسي، مستندين إلى تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في يناير من العام 2025، الذي أكد أن “ثلثي” المعلومات الاستخباراتية العسكرية لأوكرانيا يتم توفيرها من قبل فرنسا، مما يضمن مستوى من الاستقلالية في استيعاب البيانات والتقارير العسكرية في كييف.
لا يزال تبادل المعلومات الاستخباراتية لا يزال يشكل أحد الركائز الأخيرة والأكثر أهمية لدعم أوكرانيا من قبل الولايات المتحدة، خاصة بعد أن أوقفت إدارة ترامب معظم مساعداتها المالية والعسكرية للبلاد في العام 2025. ورغم استمرار الولايات المتحدة في تزويد أوكرانيا بالأسلحة، إلا أن ذلك يتم الآن بموجب برامج قيادتها حلف الناتو، حيث يشارك الحلفاء في تمويل الصفقات العسكرية وتوفير المعدات مقابل دفع تكاليف مباشرة للولايات المتحدة.
إلا أن عمليات تسليم ذخائر الدفاع الجوي الحيوية تواجه ضغوطا شديدة في ظل التصعيد الأمريكي الإسرائيلي تجاه إيران، وهو ما أدى إلى اتخاذ إدارة ترامب قرارا بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي لتخفيف الضغوط على الأسواق العالمية، الأمر الذي أثار انتقادات شديدة من القادة الأوروبيين مثل المستشار الألماني فريدريش ميرز، الذين عبروا عن قلقهم من تأثير هذه السياسات على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي في القارة.
بالتوازي مع ذلك، يستمر الوضع في خلق توترات متعددة المستويات، سواء على صعيد العلاقات الأمريكية الأوروبية، أو ضمن التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط وأوكرانيا، مما يجعل من الضروري استمرار رصد هذه التحركات السياسية والدبلوماسية بعناية فائقة، وتحليل تأثيرها المحتمل على الاستقرار الدولي والأمن الإقليمي، خصوصا في ظل استمرار الصراعات متعددة الأطراف والتداخل بين السياسات العسكرية والاستخباراتية.


