الأكثر قراءة

التصعيد في البحر الأسود يوسع نطاق حرب أوكرانيا

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تحول البحر الأسود تدريجيًا إلى ساحة صراع تتجاوز أبعادها حرب أوكرانيا، مع استهداف الموانئ وخطوط الإمداد وصادرات الطاقة والحبوب. ويهدد استمرار التصعيد طرق التجارة العالمية وأمن الإمدادات الغذائية. وسط مخاوف أن يصبح البحر الأسود بؤرة أزمة أمنية واقتصادية دولية.

أهمية البحر الأسود لأوكرانيا وروسيا

بالنسبة إلى أوكرانيا، يترتب على تصاعد التوتر في البحر الأسود تداعيات كبيرة. فعادةً ما يجري تصدير نحو 90% من صادراتها الزراعية، إلى جانب جزء كبير من صادرات الصلب ومنتجات التعدين، عبر موانئ البحر الأسود. وإذا تعطل هذا النشاط التجاري البحري، فلن تخسر كييف عائدات تصدير مهمة فحسب، بل ستفقد كذلك هامشًا من قدرتها على التحرك اقتصاديًا.

لكن أوكرانيا تستخدم الآن تكتيكًا مشابهًا. فهي تهاجم، باستخدام المسيّرات البحرية والجوية، ناقلات النفط التابعة لما يسمى “أسطول الظل” الروسي، وسفن الشحن، وخطوط الإمداد عبر مضيق كيرتش. والهدف هو الضغط على الخدمات اللوجستية الروسية وصادرات الطاقة وتجارة الحبوب في الوقت نفسه. وقد حققت ذلك نجاحًا بالفعل. إذ تعوض كييف تفوق روسيا البحري بحركية تكنولوجية.

وتكفي مسيّرات منخفضة التكلفة نسبيًا لإلحاق أضرار كبيرة بأحد أهم الممرات التجارية في أوروبا. وبذلك لا تصبح الأهداف العسكرية وحدها في مرمى الهجمات، بل تتعرض أيضًا بصورة متزايدة الأسس الاقتصادية للخصم للضغط، ولا سيما الموانئ الروسية المخصصة لتصدير النفط والغاز. لكن التداعيات الاقتصادية للحرب تمتد تدريجيًا إلى منطقة البحر الأسود بأكملها. فالحرب البحرية الإقليمية تتحول بصورة متزايدة إلى مشكلة دولية ذات أبعاد أمنية واقتصادية.

تصعيد الحرب في أوكرانيا يثير مخاوف في المنطقة

يربط البحر الأسود أوروبا بالقوقاز والشرق الأوسط والبحر المتوسط. ولا تكاد توجد منطقة بحرية أخرى تجمع في مساحة ضيقة إلى هذا الحد مصالح دول حلف شمال الأطلسي، وروسيا، وأوكرانيا، إلى جانب مسارات الطاقة والتجارة الرئيسية. ولذلك، فإن زعزعة استقرار هذه المنطقة الاقتصادية تصيب حتمًا أطرافًا تتجاوز طرفي الحرب. وهذا ما يحدث بالفعل.

فقد احتجت كازاخستان مؤخرًا بلهجة حادة على الهجمات الأوكرانية بالمسيّرات على ناقلات النفط بالقرب من الميناء الروسي نوفوروسيسك. ويُنقل نحو 80% من صادرات النفط الكازاخستانية عبر هذا المسار. وبذلك، وللمرة الأولى، تجد دولة أخرى مطلة على البحر الأسود نفسها بصورة مباشرة بين طرفي الصراع.

لكن تداعيات أكبر بكثير تهدد تجارة الحبوب العالمية. ففي عام 2022، ظهر بوضوح الأهمية الجيوسياسية التي يتمتع بها البحر الأسود. فقد أدى الحصار البحري الروسي إلى بقاء ملايين الأطنان من الحبوب الأوكرانية عالقة في الموانئ، ودفع الأسعار إلى الارتفاع في الأسواق العالمية. وتعرضت بصورة خاصة دول في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وأجزاء من آسيا لضغوط كبيرة. ولم يخفف الأزمة مؤقتًا سوى اتفاق الحبوب الذي توسطت فيه الأمم المتحدة وتركيا. أما الظروف اليوم فهي مختلفة.

أردوغان يتحدث مع روسيا وأوكرانيا

المشكلة ليست نقص الحبوب، وإنما غياب الثقة. فعلى خلاف بداية الحرب، لم تكن المخزونات الأوكرانية ممتلئة بالكامل قبل التصعيد الأخير. وكانت أجزاء كبيرة من المحصول قد جرى تصديرها بالفعل. ولذلك تتعامل الأسواق الزراعية الدولية حتى الآن مع التطورات بهدوء نسبي. لكن هذا الهدوء قد يكون خادعًا. ومع وصول المحصول الجديد، سيزداد الضغط مجددًا على موانئ البحر الأسود.

وفي الوقت نفسه، تؤدي الهجمات الأوكرانية على الصادرات الروسية عبر بحر آزوف وميناء نوفوروسيسك إلى زيادة صعوبة عمليات التصدير. وإذا واصل الطرفان هجماتهما، فقد يتقلص المعروض في الأسواق العالمية بصورة ملحوظة. وعندها قد تكون أزمة الحبوب المقبلة هي النتيجة. ولهذا السبب تتجه الأنظار إلى أنقرة. إذ لا تكاد توجد دولة لديها في الوقت الراهن مصلحة أكبر من تركيا في الحفاظ على أوضاع يمكن التنبؤ بها في البحر الأسود.

وتسيطر تركيا، من خلال مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل، على المنفذ الوحيد إلى البحر المتوسط، كما تعد شركات الشحن التركية من أبرز الجهات الفاعلة في المنطقة، ويعتمد الاقتصاد الخارجي للبلاد على طرق ملاحة آمنة. وفي الوقت نفسه، يعد الرئيس رجب طيب أردوغان من بين قلة من رؤساء الدول الذين ما زالوا يحتفظون بقنوات اتصال فاعلة مع كل من موسكو وكييف. ومن هنا تنشأ مكانة أنقرة الجديدة.

تراجع التصعيد في حرب أوكرانيا غير مرجح

لا تقتصر جهود تركيا على الوساطة بين طرفي الحرب. فهي تحاول الحفاظ على استقرار منطقة اقتصادية وأمنية ترتبط بها مكانتها الاقتصادية والاستراتيجية بصورة مباشرة. وكانت أنقرة، بالتعاون مع الأمم المتحدة، قد لعبت دورًا رئيسيًا عام 2022 في التفاوض بشأن ممر الحبوب. والآن يضغط وزير الخارجية هاكان فيدان مجددًا من أجل التوصل إلى هدنة لوقف الهجمات على السفن المدنية، وإقامة آلية تضمن أمن الملاحة.

ويختصر تبريره التطورات التي شهدتها الأسابيع الماضية، إذ أكد أن الصراع امتد الآن إلى البحر الأسود بأكمله. لكن من غير الواضح ما إذا كانت روسيا وأوكرانيا ستستجيبان لذلك. فمن الناحية العسكرية، يستفيد الطرفان حاليًا من التصعيد. فروسيا تزيد الضغط على الاقتصاد التصديري الأوكراني، بينما تستهدف أوكرانيا طرق الإمداد الروسية وصادرات النفط والحبوب. وطالما تعتقد الحكومتان أن هجماتهما يمكن أن تحسن موقفهما التفاوضي، فمن المرجح أن تظل الرغبة في خفض التصعيد محدودة.

https://hura7.com/?p=83007

 

الأكثر قراءة