جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

في اللحظات التي تعيد فيها الحروب رسم خرائط الألم فوق الجغرافيا اللبنانية، تبرز التربية كآخر الحصون التي تحاول الوقوف في وجه الانهيار الشامل. ومع تصاعد وتيرة العدوان الذي يمزق أوصال البلاد، انطلقت مبادرات تربوية تسعى لاستنفاذ ما تبقى من رمق في العام الدراسي، مقترحةً نموذج “التعليم المدمج” وفتح أبواب المؤسسات الخاصة لاستضافة طلاب القطاع الرسمي. بيد أن هذه المقاربات، ورغم نبل دوافعها الظاهرة، تضعنا أمام إشكالية بنيوية تتجاوز التقنيات التعليمية لتصل إلى صميم المسؤولية الوطنية والأخلاقية في زمن الكوارث.
إن التحدي الذي يواجه القطاع التربوي اليوم ليس لوجستياً فحسب، بل هو تحدٍ وجودي يمسّ أمن الإنسان قبل معرفته. ففي ظل عدوان لا يميز بين هدف عسكري وحرمة مدنية، تصبح الدعوة إلى التعليم الحضوري مغامرة غير محسوبة العواقب. إن انتقال تلميذ في حافلة مدرسية تحت سماء يملؤها أزيز الطائرات المسيرة وهدير القصف ليس مجرد رحلة أكاديمية، بل هو تعريض مباشر للحياة للخطر. وهنا نسأل: هل تمتلك أي مؤسسة، مهما علا شأنها، القدرة على ضمان سلامة النفس البشرية والعدو يستهدف العمق والمدن والبلدات بلا هوادة؟
من زاوية أخرى، فإن الواقع النفسي والاجتماعي الذي يعيشه المجتمع اللبناني يفرض منطقاً مغايراً للخطاب التربوي التقليدي. الطالب اليوم ليس مجرد متلقٍ للمعلومة، بل هو كائن يعيش صدمة النزوح، أو قلق الانتظار، أو مرارة الفقدان. إن محاولة فرض مخرجات تعليمية بآليات طبيعية في ظروف غير طبيعية تعكس انفصالاً عن الواقع المعاش. فكيف يمكن لعملية التحصيل العلمي أن تستقيم في ذهن طالب يرى بيته يتحول إلى ركام، أو يعيش في مراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الاستقرار؟ إن العدالة التربوية الحقيقية في زمن الحرب لا تعني توفير مقعد دراسي بديل، بل تعني توفير الأمان النفسي والمناعة المجتمعية التي تحمي الجيل من الانكسار.
إننا بحاجة اليوم إلى رؤية تربوية استراتيجية تنبثق من روح “الدولة الوطنية” الجامعة، وتقوم على التنسيق والحوار بين كافة المكونات، بعيداً عن منطق الاتهام أو التحدي. إن الحلول الواقعية يجب أن تنطلق من النقاط التالية:
أولاً، إقرار “منهاج الصمود” الذي يركز على الكفايات التعليمية الجوهرية، مع حذف كل ما يمكن اعتباره ترفاً معرفياً في هذه المرحلة، لضمان استمرارية التحصيل دون إثقال كاهل الطالب والأساتذة بمتطلبات تفوق طاقتهم النفسية. ثانياً، تحويل بوصلة العمل التربوي نحو الدعم السيكولوجي والاجتماعي، لتكون المدرسة منصة لترميم النفوس قبل حشو العقول، بما يضمن بناء جيل قادر على مواجهة تداعيات الحرب وآثارها طويلة الأمد.
ثالثاً، تعزيز مرونة التعليم عن بُعد من خلال إنتاج محتوى تعليمي “غير متزامن” يراعي أزمة الكهرباء والاتصالات، وتوفير الدعم التقني المجاني للطلاب في مراكز الإيواء والمناطق النائية، لضمان عدم تحول التكنولوجيا إلى عائق طبقي جديد. رابعاً، مأسسة الشراكة بين القطاعين الرسمي والخاص تحت إشراف وزارة التربية، ليكون التكامل قائماً على توزيع الأدوار والمسؤوليات الوطنية، لا على مبادرات فردية قد تفتقر للتنسيق الأمني واللوجستي الشامل.
إن صيانة سيادة لبنان واستقلاله تبدأ من حماية مواطنيه، والتربية هي الأداة الأهم لبناء مستقبل يرفض الارتهان للأزمات. إن العودة إلى التعليم يجب أن تكون مساراً آمناً ومدروساً يحترم قدسية الحياة، ويقوم على تفاهمات وطنية عميقة تراعي هواجس الجميع وتضع مصلحة الطالب اللبناني فوق كل اعتبار. إننا لا نبحث عن استكمال عام دراسي فحسب، بل نبحث عن استعادة كرامة الإنسان في وطن يستحق لأبنائه أن يتعلموا فيه بسلام.


