الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

التغييرات الاستراتيجية في الجيش الروسي وانعكاساتها على الرؤية الغربية؟؟؟

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

منذ غزو أوكرانيا في فبراير 2022، شهد الجيش الروسي تحولًا سريعًا وشاملاً في استراتيجياته العسكرية. وقد شمل هذا التحول تحسين قدرات الجيش على خوض حرب مواقع، وهو ما كان ضرورة حتمية بسبب تدهور قدرات الجيش على تنفيذ المناورات العسكرية الواسعة. وعلى الرغم من هذا التحول في الاستراتيجيات، تظل بعض نقاط الضعف واضحة في الجيش الروسي، مثل تدهور كفاءة الأفراد، قلة الأسلحة الحديثة، وصعوبة القيادة والسيطرة على الجبهات.

كان الجيش الروسي مضطراً للتكيف مع هذه التحديات، وقام بتعديل هيكل وحداته ومعداته وتكتيكاته على جميع المستويات، من مجموعات القوات إلى السرايا، بهدف تيسير الخوض في حرب مواقع عبر أفراد ذوي كفاءة متدنية، مع نقص في الدروع والذخائر المتطورة. وفي ظل هذا التعديل، لم يعد الجيش الروسي قادراً على تنفيذ مناورات عسكرية واسعة النطاق أو القيام بحروب ضد جيوش ذات قدرة قتالية عالية مثل الجيش الأوكراني، بل اقتصر في الوقت الحالي على شن عمليات هجومية مواقعية تدعمه فرضية “النصر التدريجي”، والتي تتمثل في إضعاف الدعم الغربي لأوكرانيا والحفاظ على تقدم إقليمي تدريجي يصعب على أوكرانيا عكسه. لكن هذه العمليات الحالية لا تمكّن الجيش الروسي من تنفيذ مناورات عملياتية كبيرة كما كان عليه الحال في السابق.

التحديات في بناء التوقعات الغربية للقدرات العسكرية الروسية

من غير المرجح أن يعود الجيش الروسي إلى هيكله وقدراته العسكرية التي كان عليها قبل عام 2022، حتى في حال إنهاء أو تعليق العمليات القتالية الرئيسية في أوكرانيا عبر المفاوضات. إذا حاولت الدول الغربية التنبؤ بالتهديدات العسكرية الروسية على حلف الناتو على المدى المتوسط، فإن هذه التنبؤات ستكون معيبة إذا لم تعتمد على تقييم دقيق للقدرات العسكرية الروسية في الوقت الحالي، أي بناءً على الوضع الحالي للجيش الروسي في أوكرانيا وليس على الافتراضات التي كانت سائدة قبل عام 2022. بالإضافة إلى ذلك، فإن تحليل العوامل الثقافية العسكرية الروسية والتي تؤثر بشكل كبير في استراتيجيات الجيش الروسي يجب أن يكون في صلب هذه التنبؤات.

من المحتمل أن يسعى الجيش الروسي إلى إعادة بناء قوة قادرة على تنفيذ مناورات آلية. لكن هذا التوجه سيواجه بعض التحديات، مثل الممارسات المؤسسية غير الكفء والقيود الثقافية السائدة، ورغم ذلك، لن تلغي هذه القيود تمامًا الجهود الروسية لإعادة بناء قوتها العسكرية. من المتوقع أن تجمع جهود إعادة البناء الروسية حتى عام 2030 بين عناصر هيكل القوات العسكرية الروسية قبل 2022، بالإضافة إلى التعديلات التي أُدخلت من أجل حرب المواقع في أوكرانيا، وقدرات الضربات الدقيقة الطموحة، لتشكيل قوة هجينة لا تتبنى أيًا من هذه المسارات بشكل حصري. كما ستُؤثر الخبرة القتالية في أوكرانيا بشكل مباشر على الجيل القادم من الضباط الروس، إذ سيسعى الجيش الروسي إلى دمج الدروس المستفادة من أوكرانيا، رغم القيود المؤسسية التي تحول دون مناقشة هذه الدروس بصدق.

الإمكانيات العسكرية الروسية حتى عام 2025

كان أداء الجيش الروسي الأولي في أوكرانيا يشكل انحرافًا عن أسلوب القتال الذي كان ينوي الجيش الروسي اتباعه. ويعكس هذا الأداء أوجه قصور في قدرة الجيش على تنفيذ الحروب الكبرى على النمط الذي كان يتبع في السابق، والذي كان يعتمد على تعزيز عدد القوات على حساب تكتيكات الحروب المعقدة. في هذا السياق، يرتكز أسلوب الحرب الروسي، مثلما كان في العهد السوفيتي، على تعويض انخفاض الكفاءة الفردية بالجمود التكتيكي النسبي، مما يسمح للجيش بتنفيذ حملات عملياتية فعالة رغم هذه القيود.

ومع مرور الوقت، طور الجيش الأحمر السوفياتي فنًا عملياتيًا عالي الفعالية، حيث كان يركز على الفعالية العملياتية بدلًا من المهارات التكتيكية الفردية. ومن خلال هذه الاستراتيجية، كانت القوات السوفيتية تنفذ العمليات بشكل بسيط وسريع ولكن فعال، عبر العديد من الإجراءات التكتيكية البسيطة والمتراكمة، ما يتيح تحقيق أهداف عسكرية رغم القيود المفروضة. ورغم أن هذه الاستراتيجيات كانت فعّالة للغاية في فترة الحرب العالمية الثانية، فإن الجيش الروسي الحديث لم يعد قادرًا على تنفيذ هذه العمليات بنفس القدر من الفعالية كما كان في الماضي، وخاصة في غزوه لأوكرانيا.

التحديات التي يواجهها الجيش الروسي في أوكرانيا

عندما غزا الجيش الروسي أوكرانيا في 2022، واجه تحديات كبيرة في تطبيق هذه الأساليب العسكرية التقليدية. فقد تراجعت جودة الأفراد والضباط في الجيش الروسي بشكل ملحوظ، وأصبحت آليات إصدار الأوامر الروسية غير فعّالة، مع ضعف في الفهم التكتيكي والاستراتيجيات العسكرية الحديثة. على الرغم من أن الجيش الروسي قد تكيّف جزئيًا مع هذه التحديات في عامي 2023 و2024، إلا أن هذا التكيف كان بطيئًا للغاية ومرتبطًا بخسائر فادحة. وقد تخلّى الجيش الروسي عن مجموعات الكتائب التكتيكية الآلية التي كان يعتمد عليها في بداية الحرب، وهي التشكيلات التي كانت تتمتع بمرونة معينة ولكنها كانت هشة للغاية.

واستبدل الجيش الروسي تلك التشكيلات بنظام يعتمد على حرب المواقع، وهو ما أتاح له تحسين أدائه على الجبهة رغم خسارته الكثير من المعدات والموارد البشرية. هذا التغيير أسهم في خلق هيكل جديد في الجيش الروسي يعتمد على كتائب وسرايا ثابتة، بينما أصبحت الجيوش الميدانية تعمل بشكل أكثر تقليدية على جبهات ثابتة. ورغم فعالية هذا النظام في حرب المواقع، إلا أن الجيش الروسي سيواجه صعوبة بالغة في تنفيذ مناورات كبرى مع جيوش منسجمة في المستقبل.

إعادة بناء الجيش الروسي: مسارات متعددة

ستعتمد جهود إعادة بناء الجيش الروسي على مسارات متعددة تهدف إلى تعزيز قدراته العسكرية. من أبرز هذه المسارات:

1-استعادة المناورة الآلية: من خلال مزيج من هيكل القوات الروسية قبل عام 2022 والتعديلات التي أُدخلت لتناسب الحرب الموضعية، بالإضافة إلى تطوير قدرة الجيش على الصمود في ساحة المعركة الحديثة.

2-تطوير القدرات التكتيكية: مثل تكتيكات المشاة غير الراجلة والنيران التكتيكية الدقيقة باستخدام الطائرات بدون طيار، وهي القدرة التي تم تطويرها في أوكرانيا ومن المحتمل أن تصبح جزءًا من الجهود الروسية لإعادة بناء الجيش.

3-تحسين قدرات الضربات الدقيقة: من خلال تطوير أسلحة وأنظمة جديدة تتيح للجيش الروسي تنفيذ هجمات دقيقة على أهداف استراتيجية، وهو ما كان قد بدأه الجيش الروسي قبل الحرب ولكنه لم يكتمل بعد.

لن يتبع الجيش الروسي أيًا من هذه المسارات بشكل منفرد؛ بل سيجمع بينها في محاولات للوصول إلى توازن بين تعزيز القدرات القديمة والمستحدثة، مما يؤدي إلى إنشاء قوة هجينة.

إذن، إن عملية إعادة بناء الجيش الروسي لن تقتصر على تحسينات تقنية أو تعديلات هيكلية فحسب، بل ستشمل أيضًا دمج الأساليب العسكرية التقليدية مع تقنيات حديثة، مع التركيز على تمكين الجيش من التكيف مع متطلبات المعارك المعاصرة. هذا النهج متعدد المسارات قد يعزز من مرونة القوة الهجومية الروسية، إلا أن التحديات المرتبطة بالموارد، والوقت، والتنفيذ المتناسق لهذه التحولات ستكون عائقًا رئيسيًا قد يقف أمام تحقيق الأهداف المنشودة بشكل كامل.

https://hura7.com/?p=74399

الأكثر قراءة