الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

التفاوض تحت النار: حركة نشطة للوسطاء….

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تم تجديد المهلة الأمريكية لإيران لمدة خمسة أيام بعد أن كانت المهلة السابقة قد انتهت في 23 مارس 2026. وكانت إدارة ترامب قد هددت إيران بغمرها بالعقوبات الاقتصادية، مع منحها مهلة للتفكير في العروض المطروحة. في وقت سابق، طرح ترامب فكرة إجراء مفاوضات ودفع إيران للجلوس إلى طاولة الحوار. هذا دفع إيران إلى التفكير في الرسالة التي أرسلها ترامب عبر الوسطاء من أجل التوصل إلى تسوية وفقًا لشروطه. وقد تم تمديد المهلة لمدة خمسة أيام إضافية لمناقشة الوثيقة التي تتضمن 15 مطلبًا من شروط ترامب للتوصل إلى اتفاق تفاوضي.

إيران كانت في حالة ارتباك بعد تمديد المهلة الأمريكية، حيث حاولت أن تعلن عن استعدادها للتواصل عبر قنوات الاتصال. ومع ذلك، في النهاية تم التأكيد على أن الاتصال مع الولايات المتحدة كان غير مباشر، ولم يتم التوصل إلى مفاوضات رسمية. إيران أبدت انفتاحها على الورقة التي تم تقديمها، ولكنها أكدت أنها ستدرسها بعناية وترد عليها عبر الوسطاء.

الوسطاء في هذه العملية

الوسطاء الذين قاموا بدور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة في هذه العملية كانوا مجموعة من الدول والمنظمات التي تحاول تسهيل الحوار بين الطرفين، وفي الغالب يتضمن ذلك دول مثل عمان وروسيا والصين التي كانت قد لعبت أدوارًا مهمة في تسهيل التواصل بين إيران والدول الكبرى في السابق.

دور مصر:

مصر تلعب دورًا محوريًا في دفع الأطراف المعنية للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وذلك بسبب رؤيتها الاستراتيجية التي تهدف إلى تفادي جر المنطقة إلى حرب مفتوحة. من خلال هذه الرؤية، ترى مصر أن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة قد يؤثر بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط.

مصر تعطي أهمية كبيرة لأمن البحر الأحمر والخليج العربي، حيث تعتبر هذه المناطق ذات أهمية استراتيجية لها وللدول العربية بشكل عام. لذلك، تعمل مصر على منع تصاعد التوترات في هذه المناطق، نظرًا لأنها قد تؤدي إلى تهديدات أمنية مباشرة على مستوى التجارة الدولية والملاحة في البحر الأحمر والخليج.

من هذا المنطلق، مصر تعتبر نفسها راعيًا رئيسيًا لاستقرار المنطقة، حيث تواصل جهودها في الوساطة بين الأطراف المختلفة، مثل إيران والولايات المتحدة، بهدف تجنب التصعيد العسكري والحفاظ على الأمن الإقليمي في الخليج العربي والبحر الأحمر، وهو ما يساهم في الحفاظ على الأمن العربي بشكل عام.

دور تركيا:

تركيا تعتبر أن الدخول في مفاوضات مع إيران والولايات المتحدة أمر بالغ الأهمية لمعالجة القضايا العالقة وتجنب التصعيد العسكري في المنطقة. ومنذ البداية، كانت تركيا من الدول الداعية لإجراء مفاوضات على أراضيها، نظرًا لعدة عوامل استراتيجية تربطها بهذه الأزمة.

أولاً، تركيا لديها ارتباط مباشر بالمنطقة من خلال علاقاتها العميقة مع الأمة التركية التي تشمل عدة دول ومناطق مثل أذربيجان الغربية في إيران، التي تمثل نقطة توتر إضافية بالنسبة لتركيا، نظرًا للأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة بالنسبة لأمنها القومي.

ثانيًا، تركيا تواجه تهديدًا أمنيًا كبيرًا على حدودها مع إيران بسبب وجود مقاطعة كردية في المنطقة التي قد تشكل خطرًا قوميًا بالنسبة للدولة التركية. هذه المقاطعة تمثل تهديدًا للأمن الداخلي التركي بسبب العلاقات التي تربط بعض الجماعات الكردية في تركيا مع الجماعات الكردية في إيران.

بناءً على هذه العوامل، تركيا تدفع بقوة من أجل الحوار والتفاوض لحل هذه القضايا بشكل سلمي ودون تصعيد، مما يعكس رغبتها في تحقيق الاستقرار في المنطقة وحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية.

دور باكستان:

باكستان تعتبر أن أي تصعيد في التوترات بين إيران والولايات المتحدة قد يجرها إلى مشاكل جيوسياسية تؤثر بشكل كبير على وجودها وأمنها القومي. تقع باكستان في منطقة حساسة جغرافياً بين قوتين نوويتين إقليميتين، هما الهند وإسرائيل، مما يضعها في موقع حرج في حال تفاقم الأزمات العسكرية في المنطقة.

من جهة أخرى، باكستان تخشى من تداعيات النزاعات الجيوسياسية على استقرارها الداخلي. إذ تواجه تحديات قومية على حدودها، مثل البلوش في إيران الذين يرتبطون بعلاقات وثيقة مع أفغانستان وباكستان، ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني. هذه الروابط تشكل تهديدًا محتملًا للاستقرار داخل باكستان، حيث قد تساهم التمردات البلوشية في تصعيد الأزمات في المنطقة.

لذلك، باكستان تحاول تجنب الانزلاق في صراعات خارجية قد تؤثر على أمنها الداخلي، خصوصًا في سياق تصاعد التوترات بين القوى الكبرى في المنطقة. كما أنها تدعو إلى الحوار السلمي لحل النزاعات، وتعتبر الاستقرار الإقليمي مصلحة أساسية لها لضمان أمنها في مواجهة التحديات الجيوسياسية المستمرة.

الجامع بين تركيا ومصر وباكستان:

الجامع بين تركيا ومصر وباكستان هو أنها جميعًا تشكل جزءًا من الحلف الإسلامي العربي، وهذه الدول تُظهر خوفًا مشتركًا من أن تؤدي التوترات والصراعات الإقليمية إلى التأثير السلبي على استقرارها وأمنها. هذه الدول لا ترغب في التورط في صراعات مباشرة مع إيران، لأنها تدرك أن أي تصعيد قد يضر بمصالحها الاستراتيجية ويؤثر على وضعها الداخلي والإقليمي.

كما أن هذه الدول غير معنية بالحرب مع إيران، وتفضل الحوار السلمي والتفاوض لحل القضايا العالقة. علاوة على ذلك، ترفض بشكل قاطع الانضمام إلى حلف مع إسرائيل، حيث تعتبر أن هذا يُعَارض بشكل كبير المبادئ الإسلامية والعربية التي تلتزم بها. هذه الدول تعيش في حالة من التحفظ والرفض تجاه أي تحالفات قد تجرها إلى الاصطفاف مع إسرائيل، بسبب التأثيرات السياسية والاجتماعية التي قد تترتب على ذلك في العالم العربي والإسلامي.

دور هذه الدول في الوساطة:

بالتالي، تسعى تركيا ومصر وباكستان للحفاظ على استقلالية موقفها، وتجنب الانزلاق في صراعات تضر بمصالحها، سواء كانت تلك الصراعات مع إيران أو مع أي أطراف أخرى مثل إسرائيل.

الدول الثلاثة ترفض بشكل قاطع أي محاولة من إسرائيل أو أي طرف آخر لجر المنطقة إلى حروب مفتوحة. فهي تدرك تمامًا أن أي تصعيد في الصراعات سيترك شظايا تؤثر بشكل كبير على دول الجوار وتعرض أمنها القومي واستقرارها الجيوسياسي للخطر.

هذه الدول لا ترغب في أن تُسحب إلى حروب إقليمية قد تكون نتائجها كارثية بالنسبة لهم. فهي تضع في اعتبارها أن أي اشتباك في المنطقة، سواء كان مع إيران أو غيرها من القوى، سيؤدي إلى تأثيرات سلبية على استقرارها الداخلي، خاصة مع التوترات المترتبة على القومية الكردية والتمردات البلوشية في باكستان، بالإضافة إلى التحديات التي قد تواجهها في مناطق مثل أذربيجان الغربية.

أهداف الوساطة:

لذلك، تنشط تركيا ومصر وباكستان في دعم جهود الوساطة والتفاوض بين الأطراف المتنازعة، سعيًا إلى تهدئة التوترات ومنع الانزلاق إلى صراعات مسلحة. هذه الدول تعمل على:

1-دفع الأطراف إلى الحوار: تشجع على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتقديم حلول سلمية لمعالجة القضايا العالقة بين إيران والولايات المتحدة، وكذلك تسوية النزاعات الإقليمية الأخرى.

2-الحفاظ على الاستقرار الإقليمي: تعمل على ضمان عدم تحول أي نزاع إلى صراع مفتوح يهدد الأمن القومي والجيوسياسي لهذه الدول والمنطقة ككل، خاصة في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة على حدودها.

3-تجنب أي تحالفات مع إسرائيل: ترفض بشكل قاطع الانضمام إلى تحالفات مع إسرائيل، لأنها تضر بعلاقاتها مع العالم العربي والإسلامي، وتؤدي إلى تفاقم الأزمات في المنطقة.

4-تعزيز التعاون العربي والإسلامي: تعمل على تعزيز التعاون بين الدول العربية والإسلامية لمواجهة التحديات المشتركة، وتشكيل جبهة موحدة لدرء الأخطار المحدقة بالمنطقة.

من خلال هذه الأنشطة، تسعى تركيا ومصر وباكستان إلى ضمان استقرار المنطقة وحماية أمنها القومي، والابتعاد عن أي تصعيد قد يعرض مصالحها ووجودها للخطر.

إن الوصول إلى نقاط مشتركة بين الأطراف المتنازعة في أزمة إيران والولايات المتحدة يتطلب جهودًا دبلوماسية متواصلة ومُنسقة من قبل الوسطاء الذين يسعون لتحقيق الاستقرار الإقليمي وضمان الأمن المشترك. في هذا السياق، تلعب الدول مثل تركيا، مصر، وباكستان دورًا رئيسيًا في تقريب وجهات النظر وتحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة. من خلال جهودها الحثيثة في الوساطة والتفاوض، تسعى هذه الدول إلى إرساء قاعدة من الثقة بين الأطراف المتنازعة عبر ممارسات دبلوماسية عملية تشجع على الحوار المستمر وتخفف من حدة التوترات العسكرية.

للوصول إلى نقاط مشتركة، يجب أن تستند المفاوضات إلى أساسيات من التعاون المتبادل والفهم المشترك للأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية لكل طرف. يمكن للأطراف المعنية أن تطرح حلولًا وسط تُراعي مصالح الجميع، بحيث لا يُشعر أي طرف بالتهديد أو التهميش. على سبيل المثال، يمكن للإيرانيين والولايات المتحدة أن يتفاوضوا حول الشروط المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، مع ضمانات ملزمة للطرفين بشأن تخفيف العقوبات الاقتصادية وتقديم الدعم التنموي لإيران في حال الالتزام بالتفاهمات. في الوقت نفسه، يجب أن تتناول المفاوضات القضايا الأمنية الإقليمية، مثل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين.

من الضروري أيضًا أن تواصل هذه الدول الوسيطة تعزيز التفاهم بين الأطراف، من خلال توفير منصات مستقلة وآمنة لتبادل الأفكار بعيدًا عن الضغوط السياسية. كما يمكن للإشراف الدولي أو الإقليمي أن يسهم في ضمان تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه، مما يضمن استدامة الحلول المتفق عليها.

إذا ما تم الالتزام بالمسار الدبلوماسي وتفادي التصعيد العسكري، يمكن أن يؤدي هذا إلى تسوية سلمية تراعي مصالح الأطراف كافة، دون أن يؤثر ذلك على الاستقرار الإقليمي. ومن خلال هذه الجهود، قد تكون هناك فرصة لتشكيل تحالفات إقليمية جديدة تساهم في تعزيز التعاون بين الدول العربية والإسلامية من جهة، والدول الغربية الكبرى من جهة أخرى. وهذا من شأنه أن يعزز من قدرة المنطقة على مواجهة التحديات المستقبلية بشكل موحد ومرن.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تفعيل دور الوسطاء بشكل أكبر يسهم في تحفيز المزيد من الحوار بين الأطراف، ويمنع حدوث أزمات أخرى قد تجر المنطقة إلى مزيد من العنف والتوتر. إن تقديم حلول شاملة تجمع بين الأمن الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، سيساعد في فتح أبواب جديدة من التعاون المستقبلي الذي يعزز الاستقرار الإقليمي والحد من أي تهديدات محتملة قد تواجه المنطقة في المستقبل.

من خلال هذه المساعي، يمكن تحقيق بيئة أكثر سلمية، تعود بالنفع على جميع الأطراف وتدعم الأمن العالمي في وجه التحديات الجيوسياسية المتصاعدة.

https://hura7.com/?p=76707

الأكثر قراءة